قصة قصيرة (2-2)
رحلة ماجدة مع العذاب
استدار ونظرت إليه ؛ لتتأكد إن كان جرجيس هو جرجيسها ام لا فوجدته جرجيس أخر غير جرجيسها ( إنه جرجيس أخر ليس هو ) قالت و هي تواصل السير في طريقها فسقطت في بحر الشوق اليه وغرقت دون أن تقرأ على نفسها تعويذة واحدة من تعويذاتها بينما هي سارحة بخيالها مع ذكرياتها معه تعيشهن وكأنهن اللحظة تتذكر ملامح وجهه الغاضب حين تتأخر قليلاً عن موعد لقائها به فتصير عيناها الكستنائيتيان سحباً يغرقن خديها بأمطارهن الغزيرة المالحة ويعاود بريقهن إليهن من جديد و تعاود وتتسع ابتسامتها فرحاً و تزهر وجنتيها وكأن وردة جورية قد نبتت وأزهرت على كل وجنة بينما هي تتذكر ابتسامته حين يهدأ كطفل عثر على دميته التي أضاعها بعد لقائه بها ثم ترقص على نغم صوته الدافئ يتردد على مسامعها وهو يغني لها أغنية كاظم الساهر ” يا احلى امرأة بين نساء الكون أحبيني يا من أحببتكِ حتى أحترق الحب أحبيني إن كنتِ تريدين السكن أسكنتكِ في ضوء عيوني أحبكِ خارطتي ما عادت خارطة العالم تعنيني” على إيقاع موسيقى حبات المطر وهي تسقط على نوافذ المطعم بينما هو يداعب خصلات شعرها الأسود المتناثرة على أكتافها بأصابع يده البيضا الرشيقة فينهضان من على طاولة اللقاء ويأخذها يده في يدها ويخرجان معاً من ذلك المطعم المنعزل في أطراف المدينة وكأنه في قارة معزولة عن العالم يركضان ويقفزان وأصوات ضحكاتهم تتعالى في وسط الشارع الخالي من الأحياء والسيارات يمرحان معاً في ضل أجواء ذلك العصر الجميل والسخي بأجوائه الرومانسية الهادئة حيث الغيوم تحجب الشمس والامطار تتساقط وعبير الأزهار يفوح مع نسمات الهواء العذبة عليهم من الأرصفة على جانبي الطريق وهما يقفزان هنا وهناك كطفلين ملهوفين إلى اللعب والمرح تحت المطر ماجدة تكمل غناء ما تبقى من الاغنية بينما هي تركض وتقفز تغني ” أنا أقدم عاصمة للحزن وجرحي نقش فرعوني وجعي يمتد كسرب حمام من بغداد إلى الصين ” يشير جرجيس إليها بيده و يقول لها : ” زيديني عشقاً زيديني يا أحلى نوبات جنون زيديني زيديني غرقاً يا سيدتي لعل البحر يناديني زيديني موتاً لعل الموت أذا يقتلني يحييني ” وهو يركض وراءها فتقفز بخطوات طويلة غير متناسقة إلى يمين وشمال الشارع ثم تقفز على الرصيف فيمسك بها جرجيس مطوقاً خصرها الرشيق بذراعه ويحملها وكأنه يحمل ريشة تطير فيجذبها بسرعة تستدير إليه و تنهد على صدره فيضممها وبيديه يداعب شعر رأسها المنثور في الهواء تتطاير خصلات منه على وجهه وماجدة تخفي رأسها بين رقبته وكتفه تشم رائحته تشعر بدقات قلبه وهو يدق مع قلبها كأنهن دقة واحدة وتشعر بحرارة جسده وكأنها تلامس حرارة شمس لم تلمسها من قبل فتشعر بدفء مختلف لم تشعر به وهي في أحضان والديها أنه دفء أخر و من نوع ثاني. بينما ماجدة محلقة في سفينتها تعيش ذكرى خليط المشاعر والأحاسيس التي عاشتها بين أحضان جرجيس وهما معاً واقفين في منتصف الشارع تراودها أصوات طبول الفراق وهي تقرع مع موسيقى العذاب الصاخبة دقهما كمسمار في قلبها حال رحيله عنها فتسقط مغشياً عليها في قعر واقعها الذي عاشت هاربة منه هي وعلى أثر سقوطها تستيقظ من نومها على أِشعة شمس الشفاء وهي تسقط على وجهها من نافذة غرفتها التي تركتها مفتوحة ليلاً بينما هي تحاكي ظلمة ليلها والذي أستسلم أمام ضوء النهار و رحل عنها. النهاية
إيمان نجاح – بغداد























