رحلة على متن الخيال

رحلة على متن الخيال

أَنْهَكَني الحُزنُ ذات ليلة , فقَرَرتُ الذهابَ إلى شارِع السعــادة، فقد سمعتُ عنه كثيراً فقلتُ في نفسي علِ اجدُ ظالتي هناك . ذهبت وبقيتُ امشي وأنا أَنْظرُ إلى روعَةُ المكان اذ لم يُخيل لي أنْ اجده بهذا الجمال. وبينما أنا اسير، رأيتُ بيتاً صغيراً يُطلُ على الجهة اليمنى من الرصيف وكأن هذه البقعة الخضراء قد خُصصت له . أستَغربتْ وجوده ,فبحسب علمي, لا توجد بيوت في هذا المكان, هذا ما ظننتهُ او هذا ما سمعتُ عنه . راودني احساس بأني اعرفهُ فقررتُ أن أتحرى عنه وأن ادخل لإرى .

ذهبتُ بإتجاههِ ولكني شعرتُ بأنهُ كُلما اقتربُ منه دقاتُ قلبي تزداد وحين كُنتُ على وشكِ الوصول أخذ قلبي ينبضُ وينبض اكثر فأكثر وضرباتهِ تتسارع. وصلت ووقفتُ أمامهُ فأحسست في هذه اللحظة إنَْ قلبي سيخرج من مكانهِ,فتحَتُ الباب ودخلتْ ويالهُ من دخول شعرتْ بإني في عالمٍ أخر، شيئاً ما قد سحبني اليه، لكني لازلتُ مُصِرةْ بأني اعرف هذا المكان جيداً.

بدأتُ بالسير وكُنْتُ أسمعُ اصواتَ ضحكاتٍ , كانت كالضحكاتِ التي تنبعُ من اعماق القَلبْ, قهقهات عاليـة. أكملتُ السير وبدأ البيت بالتغيير من اصوات ضحكات إلى اصوات حُزنٍ وبُكاء؛ بعضها كانت اصوات فراق ووداع وبعضها كانت اصوات هموم فيردُ على هذا الصوت صوتٌ يقول: ” أنا هُنا” ,فقد باتَ لي أنْ من سكن هنا كانوا روحاً واحدة يُساعدون بعضهم. وفجأة لاحظتْ, كُلما إتقدمْ كُلما صدى الأصوات يَختَفي ويظهر مكانهِ صوتَ أنْين كأنَْ شخصاً ما يُعاني، تقطع قلبي حين سمعت هذا الصوت , ولكن لم أشعر بالخوف ووقرت أن أُكمِلَ جولتي داخل البيت.

أخذ الظلام يٌغطي المنزل والأنين يزداد فلم أحتمل , وبدأتُ بالبكاء والنحيب, فلم أشعر بنفسي إلا وانا قـد سقطتُ على الأرض من شِدةِ بكائي، وبعد فترة استيقظت وانا مُنهَك قمتُ وخرجتُ مِنْه.

وفي الطريق رأيتُ رَجُلاً عجوزاً كبير في العمر فقلتُ له :

يا عم ما قِصةُ هذا البيت ؟؟ أليس هذا شارعُ السعادة؟ لم أكن أعلم بأنه توجد في هذا المكان بيوت؟! فعِندما كُنتْ داخلهِ بدأتْ أتألم وشعرتْ بإني جِزءٌ منه! ما قصـتهْ ؟

ابتسم العجوز وقال: يا بُني هذا البيت الذي تراهُ الان هو معنى كلمةُ سعادة فهذه الكلمة انطلقت من هذا البيت، هنا مصدرها.

قُلتْ: وما قِصتهُ ؟

قال: لقد عاشَ في هذا البيت ثلاثُة شُبان أصدقاء كأنهم روحٌ واحدة , وكان الناس يحسِدَهم على هـذه السعادة وبمرور الايام بدأت سعادتهم تقل، فالشاب الذي بنى هذا البيت خرج لرؤية مستقبلهِ وتركَ اصدقائهِ فيهِ

وكان بين فترة وأخرى يأتي لرؤيتهم ولهذا السبب انت رأيت بعض الظلام , فعندما كان يغيب أحدِهم يشعرون بالحزن والكآبة ولكن حين يجتمعون ثلاثتهم يظيءُ البيت، اذ في الليل الداكن نراهُ كالشمس المُشِعة في يومٍ صافيٍ ،ولكن لا ندري ماذا حصل لهم فعندما رجع الشاب إلى عملهِ بدأ صديقاهُ بإهمال البيت ولا يلتقون إلا فترات قليلة إلى أن تركوه بلا عودة.

قلتُ له : ياعم وما قصة هذا الانين الذي سمعتهُ؟!

قال: عندما عاد الشاب ورأى هذهِ الحالة التي اصبح عليها

اغلقَ على نفسهِ الباب وجلس في زاويةٍ وحدهِ وبقي يبكي ويبكي ونحنُ نسمعُ بكاءهُ وقد قطع انينهُ قلوبنا. وذاتَ يوم, رأيناه يخرجُ من البيت ولم يكن هذا الذي عرفناه اصبح كالكهل لا يقوة على الحراك وبدأ كأنه لا يشعر بشيء فقد الاحساس بِكُلِ شيء ثم سمعنا بعد ذلك انه أُصيب بحادث فقد ذاكرتهِ على إثرها. ومنذ ذلك الحين بقي المنزلُ مظلماً وكأنه سحب الاوجاع التي تركها الشاب خلفه.

حينها ابتسمتُ فأستغرب الرجل

وقال: لِما تبتسـم ؟!!

قلت له والدموع تنهمرُ من عينَي: يا عم انا الشابُ الذي بنى هذا البيت والذي كان يُسافر لاداء عملهِ.

ادركتُ حينها سبب احساسي الشديد بأني اعرف هذا المكان، فعُدتُ من حيثُ أتيت وانا اضحك وأبكي في الوقـتِ ذاتـه.

استيقظتُ فزعـاً من هذا الكابوس الفضيع الذي اخذ يراودني بسبب تأنيب الضمير على ما فعلتهُ.

رواء حسـين – البصـرة