رحلة عبر الزمن

رحلة عبر الزمن

بتاريخ: (10 /12/ 2017م، الصحيح 2017م) نشرت جريدة الزمان الغراء مقالنا الموسوم: (الشهيد البطل خالد خير الله)، جاء فيه: في هذه الايام المكدرة بالحزن، ونحن نعيش هذه اللحظات الصعبة التي نجزم بصعوبتها على كل مواطن عراقي شريف، لحظات نودع فيها الى مثواه الاخير فقيد الأمة العراقية الشهيد البطل خالد خير الله، وزير الدفاع العراقي، الذي وافاه الأجل شهيداً حين سقطت طائرته المروحية بظروف غامضة فوق اراضي محافظة نينوى، في الوقت الذي كان الفقيد يتفقد القطعات العسكرية في المحافظة، التي عادت مرة اخرى الى بودقة العراق رسمياً بتاريخ: (27/2/2017م)، بعد أن كان العراق العظيم! قد فقدها موقتاً منذ حزيران عام: (2014م)، وهذه الحادثة هي الثانية من نوعها في تاريخ العراق الحديث التي تسقط فيها، بظروف غامضة، طائرة مروحية يقلها وزيراً للدفاع، بعد الحادثة الاولى التي راح ضحيتها خير الله آخر هو: الفريق الاول الركن عدنان خير الله طلفاح عام: (1989م)، والحادثتان معاً يمكن تشبيهما كحلقتين في سلسلة طويلة من الصراع المرير بين الجناحين السياسي والعسكري لحكومات العراق المتعاقبة، منذ اقدم العصور ولحين اللحظة.  ونحن اذ نعيد التذكير بهذا المقال بتاريخ اليوم: (13/5/ 2018م) فذلك ابتغاءً للمنفعة، سيما ومسرح الاحداث الآني في العراق ينبئ المتتبع أنه يلوح في الافق، مرة اخرى، صراع جديد بين الجناح السياسي والجناح العسكري في العراق …

في ذلك المقال، اي مقالنا الموسوم: (الشهيد البطل خالد خير الله)، الذي سبق وقلنا انه نُشر في الزمان بتاريخ: (10/12/2017م)، تطرقنا لحقيقة صراع الجناحين: السياسي والعسكري في الدولة، وابتدأنا التعريف بطبيعة هذا الصراع عقداً على ما جاء في رسالة الماجستير (تاريخ) الموسومة: (صراع الجناح السياسي والجناح العسكري في الدولة العباسية حتى عام 218هـ)، التي تقدم بها الطالب قاسم علي محمد اليساري، وأشرف عليها البروفيسور عمار محمد يونس الساعدي، ونال عنها الطالب في تموز (2016م) شهادة الماجستير بامتياز، والحق: رسمت تلك الرسالة صورة غاية في الدقة عن طبيعة الصراع بين الجناحين: السياسي والعسكري في المدة التي اتخذتها انموذجاً للدراسة، ومن تلك الصورة المميزة نقتبس المعالم الآتية:-

1- لم يتورع العباسيون في اشعال فتيل الحرب بين الجناحين السياسي والعسكري بغية الحفاظ على كرسي الخلافة.

2- ان القتل علناً أو من منطلق الوصية التي اوصى بها ابراهيم الامام، قائد الجناح العسكري للثورة أبو مسلم الخرساني : ((اقتل من شككت به)) هو شكل التصفية في حال كان الجناح العسكري صاحب المبادرة تجاه خصومه السياسيين، اما في حال كان الجناح السياسي للدولة هو صاحب المبادرة تجاه الجناح العسكري لها فأن شكل التصفية يأخذ هذه المرة طريقة الاغتيال بأشكاله المختلفة.

ما يخص المَعَلم الأول، ثمة سؤال مهم مطروح إزائه، هل هنالك من اشعل فتيل الحرب بين الجناح السياسي (النواب ورئيسهم) والجناح العسكري (الوزير ومعاونيه الضباط) بغية المحافظة على مكسب موجود أو منشود؟ كما هو الحال مع العباسيين الذين ذكرنا سلفاً: أنهم لم يتورعوا في اشعال فتيل الحرب بين الجناحين السياسي والعسكري بغية الحفاظ على كرسي الخلافة، والحقيقة: أن الاجابة عن هذا السؤال تكاد تكون تعجيزية لسببين: الاول، كثرة المستفيدين من جهة والمتطلعين من جهة اخرى، والثاني، كثرة الخلفاء والامراء والملوك في بلادنا، فضلاً عن ذلك فأن تتبعنا لتصرفات خليفتنا المقدس تجعلنا نجزم بانه ليس من نوع الخلفاء الذين يفكرون ملياً لغرب الاطراف ببعضها في سبيل تحصيل الراحة. أما ما يخص المعلم الثاني، فها نحن بلا ادنى مقدمات ومن منبر الزمان الغراء نحذر الجناح السياسي في الصراع المحتمل من مغبة الوقوع بذات الخطأ الذي وقع فيه الجناح السياسي في قضية اغتيال الشهيد خالد خير الله، والتي حُكم بسببها احكام متنوعة على نواب وشخصيات سياسية كثيرة من القضاء العراقي، ذلك القضاء المرعب الذي تكاد سرعته في اصدار الاحكام تسبق سرعة الضوء في الفراغ، طبعاً اذا ما استثنينا الاحكام على الارهابين المحلين والعرب، هذا ونود القول لطرفي الصراع المحتمل: أن حادث سقوط طائرة الشهيد خالد خير الله، حتى وأن لم يكن فيه يد  للنواب الذين صدرت بحقهم احكام الاعدام، او النواب المحتجزين الآن في السجون العراقية، بيد أنه حادث ألصق بهم لسذاجتهم، لانهم حينها ظهروا امام الرأي العام بمظهر المستفيد أو المنتقم، وغفلوا أنه كان حرياً بهم ان يحافظوا على حياة الوزير لتفادي الضرر ودفعه، وعجبي! لما لم يستعملوا ما نهبوه من اموال لحماية الوزير، عجبي! لماذا لم يستعملوا بعض تلك الاموال لشراء افضل الطائرات المروحية لتقل الوزير، خصوصاً وان حياتهم باتت رهناً بحياته، بل وحياته باتت اهم من حياتهم، لقد غفلوا أنه كان حرياً بهم ان يبعدوا الوزير عن جبهات القتال وعن اعدائهم واعدائه ما استطاعوا، ولأنهم غفلوا عن كل ذلك كانت النتيجة ان قطعت المشانق رؤوسهم، وهو المصير الذي لا نرتضيه لمن نُذكرهم ونُحذرهم… والسلام على من ذُكر فأنتفع.

حسن الفتلاوي