ربيع الطحالب.. أسئلة لا بد منــها

الإنتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ لهاشم  صالح  -1-

ربيع الطحالب.. أسئلة لا بد منــها

حميد الحريزي

 كتب الكثير  حول الحراك  الشعبي  واسع النطاق  في  الوطن  العربي، هناك من اطلق عليه وصف  الثورة  وهناك  من قال    انتفاضة  ،  ومن قال ربيع الشعوب العربية الديمقراطي  ومن يرى  بأنه  خريف عاصف  اقتلع  الاخضر واليابس …

ولكن الملفت  للنظر  حقا ان  اغلب ما نقراه من  مقالات  ودراسات  تسهب في توصيف ما يجري  حاليا من افعال وأقوال  قوى الحراك  الاجتماعي ، وفي توصيف جرائم  ونواقص الانظمة الديكتاتورية  الاستبدادية  العربية  الساقطة  او التي في طريقها للسقوط … في حين  المواطن  العربي خصوصا  في امس  الحاجة  الى تعريف  الظواهر ، تعريف طبيعة الحراك ، بواعث ما كان  وما سيكون ، الاسباب الكامنة  وراء ما يجري ، ما هو سر  هذا الانفجار الهائل  الذي  يبدو   مفاجئا  وغير متوقعا ،…

هل احرق ((بو عزيزي))  مراحل التطور  ، او احرق  يأسه وإحباطه ، هل كان يدرك  ان سيكون الشرارة  التي ستحرق اكواما  من  القش  اليابس ، هل كانت نيران جسده اوصلت الحراك  الاجتماعي  الى درجة الاتقاد ؟؟؟؟

ما هي الاسباب  الكامنة وراء  قدرة المركب  الاسلاموي  في  ركوب  الموجة  ، ماذا  وراء  استحواذ قوى الاسلام السياسي على  طبخة الثورة المطهية  بنيران  اجساد  شباب الثورة من اليساريين واللبراليين ، ما لذي  ابدل  قبعة جيفارا بعمامة  القرضاوي ؟؟؟؟

ما لذي حصل  لتصدر ((الثورة)) من  مستودع قوى  التخلف  والاستبداد في  قطر  والسعودية ؟؟؟

سنحاول في دراستنا هذه ان نلقي  الضوء على هذه  الظاهرة  من   باب  التعريف  لا  التوصيف  استكمالا  لدراستنا السابقة  قبل اكثر من سنتين  بعنوان ((اضواء  على ((براعم الربيع  العربي))…. وستكون  هذه الاراء  عبر حوار  موضوعي  مع  الاستاذ  القدير  ((هاشم صالح)) وكتابه  ((الانتفاضات  العربية  على ضوء  فلسفة التاريخ )).

 من يولد  مــــــــــــــــــــن؟؟

يقول الاستاذ هاشم صالح  :-

 ان اساس  المشكلة  فكري وليس سياسيا  ، وبالتالي اذا لم نحسم المسالة فكريا  فلن تحسم  سياسيا  ولو بعد  مليون  سنة ))(1)  . ولكننا هنا  نتوقف قليلا  مع  الاستاذ  هاشم  مع اننا  نتفق معه  تماما  الى ما ذهب  اليه  في تشخيصه  هذا  فلا حرية  بدون  فكر حر  متنور ، ولكننا   نسال  عن كيفية  وجود  وحضور  وهيمنة هذا الفكر  التنويري  الحر ، هل هو  وحي  سماوي  ،  هل ارحام  امهاتنا  الاسلاميات  والعربيات   غير قادرة على انجاب المفكرات  والمفكرين  المتنورين ، هل  القدرة على التفكير  والتنوير  خاصة  بالأمهات الغربيات دون سواهن  من نساء العالم ؟؟

كما انه شخص  فقدانا  هاما  في العالم  العربي  والإسلامي  للفلسفة  حيث  يقول  :

(( ان  لا حرية  من دون فلسفة ، وليس غريبا  اذن  ان  تكون الحضارة  العربية  الاسلامية  قد ماتت بموت  الفلسفة  وتكفير الفلاسفة ))(2)

 ويتساءل  استاذنا  الفاضل  حول واقع  مجتمعاتنا  العربية  الاسلامية  وغرابة ما يجري ولا عقلانيته حيث  يقول  :-((يبدو ان  قوانين التطور التاريخي لاتنطبق على العالم  العربي الاسلامي او قل  انها  تنطبق عليه بالمقلوب )) (3) .

متاهات كبيرة

كما يقول ((الامور  تسير  بالمقلوب في العالم الاسلامي او العربي ، اقصد الثورات السياسية  تحصل  قبل  الثورات  الفكرية ))(4)

ان مثل  هذه  التوصيفات توقع  المتلقي للفكر في  متاهات كبيرة وحيرة  يظل  يدور في  فلكها   دون قرار ،  حيث  يغطس في   لجة بحر التوصيف دون التعريف  في  اسباب  ومسببات هذا الوصف  وسبب  تأبيد ظاهرة  التخلف الفكري والحضاري وهل هو   نقص وعجز  جيني عرقي   او ناجم عن  ظروف اقتصادية  اجتماعية  ثقافية  وبيئية  محددة  ادت  الى  هذا  التعقيم  او الخصاء الفكري المعرفي  عند الاغلبية  الساحقة من شعوبنا العربية الاسلامية ….

اشار  الاستاذ هاشم صالح الى  الثورة التونسية  قائلا :-

(( ان تونس  هي  الاكثر  تقدما في علمانيتها ، فانها  الاكثر  تقدما  حتى  في  اصوليتها! او قل  ان اصوليتها هي الاكثر  استنارة  والاقل  ظلامية  من بين  كل  الاصوليات العربية ))(5)

وقبل  ان   نلقي الضوء  على   الواقع الاجتماعي  التونسي  نؤكد  مقولة الاستاذ  هاشم صالح   حول  الثورة  الفرنسية  حيث  يقول :-

(( ان الثورة الفرنسية  كانت  مضادة  بعنف  لرجال الدين ، ولم ترفع صورهم  في التظاهرات الحاشدة  التي نظمتها في باريس ، بل  رفعت  بالأحرى  الصور المضادة لهم ، اي صور فلاسفة التنوير ، وبالأخص ((جان جاك رسو))  وفولتير ))(6)

 وقبل ان   نلقي الضوء على   الواقع الاجتماعي  الاقتصادي  لتونس   ، كنا   نأمل ان   ينورنا الاستاذ  هاشم  صالح  بالأسباب  الكامنة وراء  هذا  النضج  العالي   والمطلوب  للثورة الفرنسية  ، ونسبيته  في تونس  مقارنة  بما  يحدث  الان في  عدد من بلدان ((الربيع )) العربي  كليبيا  والعراق   ومصر والعراق ….. وما هي الاسباب  الكامنة وراء  حمل  الجماهير المنتفضة  لصور الرموز الدينية   من مختلف  المذاهب  وحسب  طبيعة البلد  والمذهب  السائد  في  المجتمع ، وما هو   سبب تصدر  هذه  الرموز الدينــية  والقبلية   للانتفاضات  في مصر وسوريا   والعراق  الان ؟؟؟؟؟

فلو اننا  القينا نظرة  على الواقع  الاجتماعي  والاقتصادي التونسي وغطسنا في  نهر  معطياته الاحصائية  المختلفة  لتمكنا من التقاط  المفتاح المفقود القادر  على فتح مغاليق مستودع  الاسرار  الكامنة وراء  تخلف   مجتمعاتنا    ودخولها في كهوف الفوضى والظلام  والعنف …

تونس يعتمد  اقتصادها على العمل  المنتج في مختلف  القطاعات  الصناعية (34 بالمئة) والزراعية (26 بالمئة) والسياحية الخدمية  (40 بالمئة)… وان نسبة البطالة  لاتزيد   عن  12 بالمئة ونسيبة السكان    تحت خط  الفقر  (2 بالمئة)..

يتوقع ان ترتفع نسبة الطبقة الوسطى  في  تونس  الى  82 بالمئة وان  نسبة التعليم تتجاوز ال 77 بالمئة من  مجموع السكان ، وان  متوسط  دخل  الفرد  التونسي  يعتبر  الافضل  حتى من بعض   الدول  البترولية …..

ولو قارنا ما ذكرنا  اعلاه مع بلدان الريع العربي كالعراق  مثلا  حيث تبلغ  ايرادات  البلاد المالية بنسبة   اكثر من  95 بالمئة من  النقد  الاجنبي من  وارادات  البترول ، ويبلغ  دخل  الفرد  العراقي  3،800 دولار  مقارنة ب  4،600   دولار  للتونسي  في  حين  تبلغ  نسبة   منهم  تحت   خط الفقر  23 بالمئة من السكان  وان  حوالي  ربع  السكان   اكثر  من ((6)) ملايين  عراقي امي  ابجدي ……

ولو اجرينا مقارنة  بين حجم  ونوعية  الطبقات الاجتماعية  المنتجة  قياسا  للقوى العاطلة  والمعطلة عن  العمل  او القوى المستهلكة لكانت تونس في مقدمة هذه  الدول العربية الاسلامية  في حين  تاتي  المغرب ومصر  وسوريا وليبيا  والعراق في  التدرج تنازليا  في  عدد  قواها المنتجة  وضعف  وتردي   واقع  الطبقة الوسطى  والطبقة البرجوازية والطبقة العاملة المنتجة  في كل بلد من هذه  البلدان .. ولو  عدنا  الى  المثل  الفرنسي   وكيف  كانت   الثورة  تقودها  البرجوازية الفرنسية  المنتجة   حاملة لواء التمدن  والحداثة  ضد    قوى  التخلف  والاستبداد  الارستقراطي   الامبراطوري  المتخلف   المتخادم  مع   رجال  الدين  ورجال  الكنيسة   التي    كان  لابد  من   اعادتها  الى اديرتها  وكنائسها   ونبذ  تدخلها  في  الشأن السياسي  وهكذا كان …….

من خلال ذلك نستنتج ان درجة  نضوج الحراك  الاجتماعي تتناسب  طرديا  مع  حجم  ودرجة نضج  الطبقات الاجتماعية المنتجة  وفي  مقدمتها البرجوازية  الوطنية   والطبقة الوسطى  والطبقة العاملة  وهنا  نؤكد  مقولة  الاستاذ هاشم صالح   حيث  يؤشر استاذنا القدير بحق الى الطبقة الاجتماعية  حاملة الفكر  التنويري  ، فكر الحداثة والمدنية في  اوربا  إلا وهي الطبقة البرجوازية المنتجة  في  اوربا حيث  يقول :-

(( لقد تمكنت البرجوازية  بفضل ديناميكيتها الحيوية  الرائعة  من  تقلب الطبقة الارستقراطية الاقطاعية وتحل محلها كطبقة  قائدة للمجتمع… ينبغي الا ننسى ان برجوازية هي  الطبقة التي  تبنت  فلسفة التنوير ، ولولا  ذلك لما  استطاعت تشكيل دولة  مدنية حديثة  بكل  المقاييس ، لولا  ذلك لشكلت  دولة اصولية  تماما كثورات الربيع  العربي  الحالية ))(7)

ولكنه  وغيره  من الكتاب  لايكونون  بهذا  الوضوح  عند  تحليلهم   لواقع  الحراك  الاجتماعي    وتوصيف  قواه  الفاعلة  في  مجتمعاتنا  العربية  وخصوصا   واقع  غياب او تهميش  او ضعف  الطبقة البرجوازية المنتجة في  مجتمعاتنا   وليست فاعلة  ومهيمنة كما  في  المجتمعات  الغربية  ذات  التطور   الطبيعي  الغير معاق من قبل  قوى  داخلية او خارجية كما في    المجتمعات العربية الاسلامية ……وقد لاحظنا  هذا  ليست   عند  الاستاذ هاشم  صالح في كتابه  موضوع  المناقشة   بل  من قبل  كتاب  اخرين    مثل    الاستاذ  ((جيبلبر اشيقر))  في كتابه (( الشعب  يريد))  والأستاذ  نضال حمادة  في كتابه   (( الوجه الاخر للثورات العربية ))  ومقالات  ودراسات  اخرى عديدة …….. ونحن  نقول  كما  قال   الاستاذ خليل  احمد خليل :-

(( اذا اردنا ان  نبحث    عن ينابيع النيل   في الارض ، فلابد لنا ان  نتتبع مجرى النهر ، اما  اذا كنا  نعتقد كالمصريين القدماء  ان مياه النهر  متأتية من دموع  الهة  فالمسالة  تكون قد حلت  نفسها  ))(8) .

نلاحظ ان  المجتمعات  العربية  الاكثر تخلفا  وتطرفا وانقيادا  للقوى الدينية  هي  المجتمعات الاستهلاكية  في  البلدان  الريعية الغير منتجة  كما هو الحال في  العراق وليبيا وبلدان  الخليج  العربي …… ولو اننا تتبعنا حركة التنوير الفكري عبر التاريخ العربي الاسلامي لشهدنا   ازدهار  الفلسفة والفكر التنويري  قد  واكب  نمو حركة الانتاج وبداية  ارهاصات نشوء  برجوازية  تجارية  وزراعية  وصناعية بدائية  في  العصر العباسي  الاول حيث  يقول   حسين مروة :-

(( مجيء  المأمون  الى سدة الخلافة  بعد صراع دموي بين  زعامات القوى الاقطاعية وأمرائها التي كانت تؤيد  اخاه الامين  وبين القوى الاخرى  الممثلة  لاقتصاد  المدينة  ومجتمعها  التجاري الربوي، الحرفي ، بالاضافة الى  حملة الافكار  الحرة  من  مثقفيها ، قوى  المدينة  هذه  كانت تساند المأمون في  سبيل  اعتلائه  عرش  السلطة  المطلقة ))(9)

هذا  الوصف  للإنتاج في عهد  المأمون هو ما  افرز  حركة الاعتزال  والمعتزلة  التي  تبنت التفكر العقلاني  التنويري   واعتماد   العقلانية في  التفكير والتغيير  فقد

(( كانت افكار المعتزلة تمثل  طموح المدنية  بمختلف  فئاتها   ، الى مراكز  اجتماعية وسياسية كانت احتكارا لنبلاء  الارض )) (10) .

 فولادة  حركة الاعتزال من رحم  الفكر الاسلامي انذاك  تناظر  ولادة  وظهور البروتستانتية  في  العالم الغربي كحركة فكرية  نابعة من  رحم المسيحية  لتكون سندا قويا   للطبقة البرجوازية  الناهضة  انذاك في  ارهاصاتها الاولى  في مقاومة الطبقة الارستقراطية  الاقطاعية  في  اوربا  لإبعادها عن  سدة الحكم والحلول  محلها  متزعمة  حركة التنوير والتثوير  لقيادة عملية  الحداثة  المدنية المبنية  على حرية  الفكر  والعقيدة  والعمل  والتنظيم وهو ما  يتوافق مع  طموح البرجوازية  الناهضة وحلفائها من  شغيلة  اليد  والفكر  في  التطور والمنافسة والتجديد ونبذ  التقليدي المعيق لحركة التطور  والإنتاج والتجارة الحرة  وكما   قال  د. محمد الدروبي :-

(( مع تطور اشكال الملكية وتمركز الثروات بايدي  محددة بدأت مصادر القوة الاجتماعية  تنتقل رويدا رويدا من الكنيسة الى المصنع ، من صاحب  الايمان الى صاحب المال ، من الرهبان الى اصحاب  رؤوس المال  والإنتاج المادي وبالتالي نشبت   معارك  ما بين الطرفين حول  احقية ايهما في لعب دور المشرع ))(11)  .

حركة التعليم

 وبناء على ذلك  شجعت  البرجوازية  حركة التعليم وتحصيل  المعرفة  والقضاء  على الامية  الابجدية  ناهيك عن الامية  الثقافية  وهنا  يمكن ان تتم الاستجابة  لشرط  وجود الحامل  الفكري للديمقراطية  والحداثة  في  المجتمع كما يقول  الاستاذ  هاشم صالح :-

(( قبل ان تعطي  حق  الديمقراطية  للشعب  ينبغي  تثقيفه وتهذيبه وتعليمه ومحو الامية  الى اقصى حد ممكن  لكي  يمشي على هدى  من امره ويعرف ان يقرأ البرامج الانتخابية  ويميز بين  الامور  وينتخب على  بصيرة )) (12) .

وهنا  نرى ان اساس  المشكلة ليس  فكريا  بالأساس بل  اساس  المشكلة  في  تخلف  وجمود القوى المنتجة  في  المجتمعات العربية  مما نجم عنه  كنتيجة  موضوعية حالة من الركود الفكري التنويري  وليس العكس وكما ذكر الاستاذ خليل  احمد خليل  :-

(( نلاحظ غياب الظروف الاقتصادية  كالثورة الصناعية والعلمية  التقنية ونمط الانتاج الصناعي العالمي ، مقابل نمط انتاج رعوي\زراعي \ ريعي ، غير منتج في العالم العربي  لنشوء جمهور واع ، قادر على  حكم نفسه بنفسه …))(13).

كما   الديمقراطية  لا تعطى   كما   قال  الاستاذ  هاشم  صالح  بل  يجب ان  تأخذ عبر صيرورة اجتماعية اقتصادية  اجتماعية  ثقافية   لتكون  حاجة ومطلبا  شعبيا   على اوسع  نطاق   تطابقا   لما  يتطلبه    تطور وتقدم   العمل  المنتج على مختلف  المستويات …… مما يثير   اشكلا  كبيرا حول  مقولة  الاستاذ هاشم  صالح :-

(( ان اساس المشكلة  فكريا  وليس  سياسيا وبالتالي  اذا لم  تحسم  المسالة فكريا فلن تحسم سياسيا حتى ولو بعد   مليون سنة ))(14) .

 الامر كما نرى لا يتعلق بعشرات او مئات  او ملايين  السنين  بل  في  القدرة على بعث  روح العمل  المنتج والتخلص  من ثقافة الاستهلاك  في الدول  الريعية ، ولو رجعنا  تاريخ  ظهور وعلو نجم  المفكرين والفلاسفة   والعلماء  لوجدناه  متزامنا  مع  نهوض الطبقة  البرجوازية المنتجة   ونقيضها  وازدهار  الطبقة الوسطى  هذه  الطبقة المشعة  فكرا  ونظرا  وتحضرا في كافة  الاتجاهات  صوب  الطبقة  المهيمنة ونقيضها دافعة كليهما نحو التحرر والتقدم  والتجديد في مختلف مجالات الحياة  الاقتصادية  والثقافية والفكرية   وقد  دفع البعض  منهم  حياته   من اجل   اثباتها  كما حصل  ((لبرونو))   و((غاليلو))  وغيرهم  كثير ـ؟ وبالتالي  السياسية  لتكون   رافعة  مشتركة  للتطور الشامل  للمجتمع نحو الافضل  والأكمل  والاشمل  وكما ذكر حسين مروة :-

(( العلاقة  التاريخية  المتميزة التي  كشف حدوثها بين المعتزلة  وسلطة الدولة  العباسية  في خلافة المامون واستمرت في  خلافتي المعتصم  والواثق فهي  مسالة بقت حتى  الان  تدرس على اساس نظرة مثالية  ذاتية ))(15) .

ما هي  العوامل المعيقة  لولادة  طبقة برجوازية  منتجة في العالم  العربي الاسلامي ؟؟

والاجابة هنا  تعيدنا  الى   التاريخ لنطلع على طبيعة  الدولة العربية  الاسلامية وعلى طبيعة مصادرها وإيراداتها  المالية  لتسيير امور الدولة  وتغطية نفقاتها ……

نجد ان المصدر الاهم  كان   يأتي  من  الغنائم التي   تحصل عليها  الدولة  منذ  الخلافة  الراشدية  والأموية  والعباسية  وما بعدها  من  الغزوات والفتوحات   ومن ايرادات  الجزية  المفروضة على   غير المسلمين  ومن فيء الخراج المفروض  على ملاكي الاراضي  ومستغليها ، مما   يجعلها غير مهتمة بتطوير وسائل وطرق  وقوى  الانتاج  وبقاءه على تقليدية  ورتابته في  الحصول  على الثروة والمال بعيدا عن  السعي  للابتكار  والتطوير  والتغيير …. وهذا يأتي  منسجما تماما  مع طبيعة  الطبقة الحاكمة  بالتوريث للخلافة من الاب الى الابن  ثم  الحفيد  وهكذا ، ليبقى  صولجان  الحكم بيد نفس العشيرة  كما هو الحال مع  قريش التي  استأثرت بالسلطة  دون    بقية قبائل  العرب  الاخرى  ، مما  جعل  الصراع  يدور بين مختلف بطون قريش وأفخاذها حول  احقيته  بالخلافة  من الامويين  والعباسيين   والعلويين….

ففي الوقت الذي كا ن  فيه  المأمون بحاجة الى من  يدعمه لتثبيت حكمه عبر صراعه مع اخيه  الامين  تبنى حركة الاعتزال وشجع على ازدهار  حركة الترجمة  لكتب  الفلسفة  والعلم  والفكر بما يتناسب  مع طموحه  في  ازاحة مناؤيه ومنافسيه التقليدين  في  الحكم ، ومن تلك الاجراءات  تقريبه  للعلويين  وعلى رأسهم  الامام   الرضا ((ع))، مستجيبا  لطموح  الطبقة  المتنورة  المسندة من قبل  الطبقة التجارية  الناشطة انذاك   استجابة لمتطلبات الامبراطورية العباسية  وحالة الرفاهة والثراء  التي عمت قصور الخلفاء والأمراء  وحواشيهم  في  السلطة ،  وظهور متطلبات  جديدة ومتجددة دوما  لذوي الثروة  والمال  المتزايد باطراد  مع توسع الفتوحات وكذلك  مع  عملية   تطور الانتاج الزراعي  والحرفي  الواسعة  في بلاد النهرين  وما حولها   و((استجلاب)) العبيد من افريقيا   واستغلال الموالي والرقيق في   عملية  استصلاح  الاراضي  وزراعتها  بمساحات  شاسعة   تلبية لمتطلبات  الاستهلاك  المتزايد …

ومن العوامل  الاخرى  التأثير   الذي  عكسته الامبراطوريات  المنهارة  على   اساليب  حياة  وتفكير  الخلفاء العرب  كالإمبراطورية  الفارسية وماسوا ها ،  وما تطلبه توسع  الامبراطورية العباسية من   عقول  تدير عمليات  الخراج   وتنظيم  الجيوش   والتجارة    مما   شجع  على تبني  اساليب    عمل جديدة   غير    معروفة  من قبل  لدى العرب

كل  هذا  عزز من حجم  ودور ونفوذ الطبقة التجارية  ونمو براعم البرجوازية  المنتجة  في  التأثير  على الخليفة  العباسي  صاحب  القرار في حكـــــــــــم البلاد  وكما  قال حسين مروة :-

(( ان الموقع  الطبقي في مجتمع القرن الثالث الهجري كان  يستطيع ان يحدد الى قدر ما  بعض  المواقف السياسية  في ذلك المجتمع ،   وقد  ظهر ذلك  في مساندة  مختلف تلك الفئات  الاجتماعية  في المدينة  لفكرة  ايصال  المأمون  الى عرش  الخلافة  العباسية)) (16)..

تركيب طبقي

فقد كان  التركيب  الطبقي   للمجتمع  العباسي   كما  ذكرت  اميرة رضا  فرحات   كالأتي :-

– الطبقة الاقطاعية :- تمتلك الاقطاعيات الواسعة ، وترتبط مصالحها وأوضاعها الاجتماعية بالخلافة  عمليا .

– الطبقة التجارية :- وتتألف من التجار الذين توفرت   الاموال بين ايديهم  بصورة استثنائية في هذا العصر ، حيث  عرفت التجارة  الاسلامية ازدهارا كبيرا ، وهؤلاء التجار وظفوا اموالهم  في الزراعة ، من طريق امتلاك الاراضي .

– الطبقة العامة :- وتتألف من  الكادحين الذين يقطنون المدن ، الى جانب القبائل  التي كانت لا تزال قريبة عهد البداوة ، والفلاحين البعيدين عن مركز الحياة السياسية .))(17)  .

– نستنتج من اعلاه  مدى   قوة  الطبقة التجارية  الطامحة بالتطور  ،  وان يكون لها حضورا  مميزا   في ديوان  الخلافة  والخليفة  ، وتعاطفها   المصلحي  المصيري  مع  الطبقة الثالثة   الطبقة العامة باعتبارها  الطبقة المنتجة  في المجتمع ، لتكون  حليفتها في  صراعها  ضد هيمنة ونفوذ  الطبقة  الاقطاعية  المعيقة لحركة  التطور    ولعجلة الانتاج  والتحضر ، وهنا  لا غرابة  ان  نشهد

شيوع فكرة الحرية  وسيادة العقل  باعتباره  المفتي الاول  في تدبير وتفكير  مختلف شؤون الحياة  وان العقل  قادر على  فهم  وإيجاد   الحل  لكل  الاسئلة  والإشكاليات  المطروحة  عليه في  حياته الواقعية  المعاشة  ، ادى الى  استشعار  بالخطر  من قبل  حملة صولجان الخلافة  بالتوريث  ـ فالعقل يقول بغير ذلك   ويفترض ان يكون صولجان الحكم بيد من هو  اكفء  واقدر  على ادارة  شؤون البلاد والعباد بغض النظر عن  انتمائه القبلي    والعشائري او القومي  في دولة الاسلام  الذي  قال  رسول الله  (( لا فرق  بين  عربي  وأعجمي  إلا  بالتقوى))  والتقوى  غير محصورة  في بني  امية او بني  لعباس  او العلويين من  قريش  ولا في  ابناءهم  وأحفادهم ، (( وقد بلغ هذا النقد درجة اخاف الخلافة  حتى امر المعتضد امرا  بتحريم كتب الفلسفة عام 279 هجرية حيث يذكر الطبري (حلف الوراقون إلا يبيعوا كتب الكلام والجدل والفلسفة ))(18) .

… ففي عهد المأمون كما في بداية  الدعوة العباسية  كان  لغير القرشيين  ولغير العرب  دورا كبيرا  في  الاعداد  للثورة  على الاموين وإسقاط حكمهم حكم الارستقراطية العربية  المستبدة  .. وأمر ابو مسلم  الخراساني   والخلال    وغيرهم من القادة  البارزين  من  غير العرب   في ذلك   الوقت  واللذين تمت  تصفيتهم  في مراحل  مختلفة  من حكم العباسيين  كما حدث  للبرامكة  وسواهم  وللعلويين  من بني  هاشم …. هذا  الخطر الفكري  الداهم  استوجب   قلب  ظهر المجن  للمعتزلة  وإقصائهم بمختلف الطرق  والوسائل  بما فيها  العنف  الاعتباري  والجسدي  وقد شنت حملة شعواء على كل من يدعو  الى سيادة العقل  والعقلانية   كما دعت اليه  المعتزلة … كما حوربت  الفلسفة والفلاسفة  بشدة وهمجية واستحدثت  تهمة الزندقة  والتزندق لمن يعارض ويتفكر  ويتفلسف  وبذلك  كان  الوأد الاول  لحركة الفكر والنهضة  الفكرية   التنويرية  في الاسلام  وما جرى بعدها من  ردع وكبح للثورات  المتوالية  للبابكية والخرمية وثورة الزنج وثورة القرامطة  وثورات  وانتفاضات العلويين  بمختلف  اطيافهم  وانتماءاتهم ….. طبعا  هذا  الكبح   رافقه  كبح لإرهاصات الطبقة  التجارية  والبرجوازية الناشئة  وسد  الطريق  امام  تطورها  وتقدمها   لأنها لا يمكن ان  تتطور  وتتقدم  دون  حرية الفكر والإبداع  والابتكار  ضمن  العلوم  التجريبية   المادية  والعقلية المستنيرة …. ومما مكن  الدولة من تحقيق ذلك  هو  وجود  مصدر تمويل لنشاطات الدولة  عن طريق الجزية  والخراج  ونهب  ثروات  الشعوب  عبر الفتوحات  والغزوات بدلا من اعتماد    اموال  دافعي  الضرائب من اصحاب الثروة    ابناء الطبقة المنتجة   من التجار والزراع  والصناع ، كما  حصل  في الغرب  الرأسمالي  فيما  بعد ، فأبعدت هذه  الطبقات  عن  مركز القرار  كما يبعد  المصباح  المنير عن باحة الدار   فيعم  الظلم  والظلام  ويؤمن   تكاثر ووجود   الحشرات  والطفيليات  والهوام ، فنشطت  الحركات المعادية للاعتزال     اذا لم نقل  للعقل  من قبل  المرجئة  والحنابلة  وغيرها  من المذاهب  الاخرى  المتخادمة مع  السلطان  ومنتجة وعاظه   ومريديه  والداعين   له   بالخلود والعزة  ودوام الحكم ….  ولازال  هذا الصراع  قائما  لحين التاريخ وسيبقى مادامت عملية الانتاج  متوقفة  ومادامت البرجوازية الوطنية  معاقة  ومهمشة   وما زالت  الطبقة  الوسطى  مستبعدة  ومشلولة  وكما   ذكر  ذلك الاستاذ  هاشم صالح  قائلا :- (( منذ اندلاع الصراع بين المعتزلة  والحنابلة  ايام المأمون ، ثم بين  الغزالي  وابن سينا ، ثم بين ابن رشد والغزالي الى تهافت الفلاسفة  مقابل تهافت التهافت  الف سنة ولم يستطع  العرب ان يحسموا المعركة  .. هل يعقل ان تستمر  معركة  مقيتة  مدة  الف سنة ؟ كم سيكون رهانها عظيما؟ وألان عادت الى المربع  الاول  ، الى نقطة الصفر …))(20)  هاشم صالح  ص  287.

ونحن نقول  نعم  استاذنا  الفاضل    معقول جدا  ان لا تحسم المعركة  لان  احد طرفي الصراع الطامح  بالتغيير  والحامل   لمشعل  الحرية  والتنوير  لا زال مشلولا ان لم يكن  يعاني من  الموت  السريري في  واقعنا  الراهن وكما قال  محمد اركون :-

(( لقد بتر  المسلمون انفسهم وبترو تراثهم وتاريخهم اذ منعو منعا باتا  نظرية المعتزلة  عن القرآن المخلوق ونحن   لانـــــــــزال ندفع حتى اليوم ثمن هذا البــــــــــــــــتر دمـــــــــا  ودمــوعا)) (20)  .