
ربع قرن على رحيل الجواهري – غزاي درع الطائي
مضى ربع قرن على رحيل شاعر العرب الأكبر وعمود الشعر العربي الحديث وجوهرته النادرة محمد مهدي الجواهري (27 تموز 1899م ـــ 26 تموز 1997م)، راحلا عن الدنيا وأهلها وكل ما فيها بعدما عاش حياة امتدت إلى ما يقرب من قرن من السنوات قضاها في العراق وفي المنافي، حياة قال عنها الجواهري نفسه في الجزء الأول من كتابه ذي الجزأين (مذكرتي):((عشت حياة عاصفة، اختلطت فيها عوالم بعوالم، الفقه بالشعر، والشعر بالسياسة، والسياسة بالصحافة، والصحافة بالحب، والحب بالصداقات، والبؤس بالنعيم، والتَّوطُّن بالتَّرحُّل، والطفولة بالرجولة))، وفي ظل هذا التَّنوُّع الواسع في العوالم التي عاشها الجواهري، كان شعره يجري نهرا عذبا صافيا رقراقا (من حيث اللغة والمباني والمعاني والبلاغة والأوزان والقوافي)، ولكنه كان ضاجّا بالأحزان والآلام والعذابات والجراح (من حيث صلته بالبلاد وشؤونها):
ولا تعجبوا أنَّ القوافي حزينةٌ فكلُّ بلادي في ثيابِ حِدادِ
وما الشِّعرُ إلا صفحةٌ مِنْ شقائِها وما أنا إلا صورةٌ مِنْ بلادي
ولا يرى الجواهري من حياته إلا جانبا واحدا منها هو (العذاب) الذي رآه فيها، وذلك واضح من خلال إيمانه بالحكمة الصينية التي تقول: ((وُلِدوا، فتعذَّبوا، فماتوا))، والتي خصَّص لها صفحة كاملة في مفتتح كتابه (مذكراتي)، أي ليس هناك بين الميلاد والموت سوى العذاب.
الجواهري هو (طائرُ العاصفةِ القدسي) كما وصفه عبد الوهاب البياتي، وشعره الذي وصفه النقاد بقوة السَّبك وجزالة اللفظ وفخامة المعنى، عبَرَ الجسور والقصور وحلَّ ضيفا على القلوب، ليكون خالدا عن استحقاق وجدارة، وقصائد مثل (يا دجلة الخير) و(تنويمة الجياع) و(أيها الأرق) و(يا نديمي) و(إليك أخي جعفر) و(أبو العلاء المعري) و(آمنت بالحسين) و(أطبق دجى) و(جيش العراق)، وغيرها، تظل أقمارا منيرة فس سماوات الشعر العراقي والعربي على حد سواء.
في عام 1927م تم تعيين الجواهري في ديوان التشريفات الملكية، ومما يقوله في مذكراته أن الملك فيصل الأول قال له: ((ابني محمد ، الوظيفة هي جسر تعبر عليه إلى أعلى المراكز))، ولكنه غادر القصر الملكي عام 1930م واتجه إلى الصحافة، ليتخذ منها لسانا له، فأصدر الصحف الآتية على التتابع: الفرات، الإنقلاب، الرأي العام، صدى الدستور، وفي سوريا عمل رئيسا لتحرير (الجندي) وكان ذلك عام 1953م، وكان الجواهري من مؤسسي نقابة الصحفيين العراقيين، ومن مؤسسي الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وكان أول رئيس له.
ولقد رأى من الغربة ما رأى، إذ اضطر مع عائلته إلى مغادرة العراق عام 1961م إلى تشيكوسلوفاكيا، ليحل ضيفا على اتحاد الأدباء التيشكوسلوفاكيين، وليطول البقاء هناك حتى عام 1968م، ثم يضطر مرة ثانية إلى مغادرة العراق عام 1980م، وليظل محترقا بنار الغربة حتى وفاته ودفنه في دمشق.
لقد ترك لنا الجاهري (456) قصيدة، شغلت (2832) صفحة، وضمَّت أكثر من خمسة وعشرين ألف بيت من الشعر، وكانت أول قصيدة منشورة له هي (الشاعر المقبور) وقد كتبها عندما كان عمره واحدا وعشرين عاما، علما أنه بدأ بكتابة الشعر وهو في الرابعة عشرة من عمره، وقد تكفلت وزارة الإعلام العراقية بإصدار (ديوان الجواهري) وكان من سبعة أجزاء، وقد صدر الجزء الأول منه عام 1973م، فيما صدر الجزء السابع منه عام 1980م، هذا من جهة ومن جهة أخرى قامت دار العودة البيروتية عام 1982م بطبع (ديوان الجواهري) بأربعة أجزاء.
ومن أهم الجوائز التي نالها الجواهري: جائزة اللوتس، التي يمنحها اتحاد الأدباء والكتاب الأسيويين والأفريقين، وجائزة سلطان عويس عام 1991م، ونال وسام الإستحقاق الأردني من الدرجة الأولى عام 1992م، ووسام الإستحقاق السوري من الدرجة الممتازة عام 1995م. ولا بد هنا من الإشارة إلى الجهد الكبير الذي قامت به دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية، لمناسبة مرور ربع قرن على رحيل الجواهري، إذ قامت بطبع (ديوان الجواهري) طبعة أنيقة مزيدة ومنقحة في ستة أجزاء، مع طبع كتابه (مذكراتي) بجزأين، وهي بذلك تكون قد قدمت خدمة كبيرة للقراء بشكل عام وللشعراء والنقاد والباحثين وطلبة الدراسات العليا بشكل خاص، فتحية لها ولجهدها المبارك، ويمكن وصف طبعة ديوان الجواهري هذه بأنها الطبعة الوطنية، ويمكن إطلاق هذا الوصف على طبعة كتاب (مذكراتي) أيضا.
ومن أعذب الشعر الذي رثى الجواهري، هذه الأبيات التي قالها عبد الوهاب البياتي عنه:
في سنواتِ الضَّوءِ والبؤسِ وجدتُ في مرآتِهِ نفسي
خرجتُ مِنْ معطفِهْ يافعاً لأحملَ الشّمسَ إلى الشّمسِ
شعرُكَ كانَ الزّادَ والماءَ في عراقِنا الطّاعنِ في الحبسِ
ماذا أُسمّيكَ وأنتَ المدى وطائرُ العاصفةِ القدسي
ويظل الجواهري خالدا، ويظل صوته هادرا:
أنا بينَ الطُّغاةِ والطُّغَمْ شامخٌ فوقَ قمَّةِ الهَرَمِ























