ذكريات من ملف الأيام الساخنة الأبواب الخلفية في المجمع الإذاعي والتلفزيوني في نينوى

ذكريات من ملف الأيام الساخنة الأبواب الخلفية في المجمع الإذاعي والتلفزيوني في نينوى
تجربة تلفزيونية عراقية تحت القصف
معد الجبوري
لم يكد يمضي على إدارتي للمجمع الإذاعي والتلفزيوني في نينوى، سوى عام وبضعة أشهر، حتى بدأ العدوان على العراق في الشهر الأول من عام 1991 ردا على اجتياح الكويت.وقبل عرض ما يدور في الذاكرة عن أيام قصف مبنى المجمع، لا بُدَّ من الإشارة إلى أن ذلك المجمع الهائل كان يعد صرحا للإعلام والإنتاج لا مثيلَ لهُ في الشرق الأوسط، في وقت لم تكن وسائل الاتصال وأساليبه كما هي عليه اليوم، فلا فضائيات ولا إلكترونيات ولا إنترنيت ولا أجهزة هاتف نقال ولا كاميرات حديثة جدا.. ولا.. ولا.. ولا.. كان المجمع يضم ستوديوهات إنتاج درامي، كلٌّ منها يتسع لاحتواء ديكورات شوارع وواجهات أحياء وأسواق، ومواقع تراثية وتاريخية، وقصور ومجالس خلفاء وعلماء وأدباء، كما يتسع سواقأسواقلنصب الخيام واستيعاب شتى الحيوانات والسيارات الكبيرة والصغيرة، فضلا عن ستوديو للبث المباشر وستوديو للمونتاج والعرض السينمائي وآخر كبير للموسيقى وتسجيل الأغاني وستوديوهات إذاعية عديدة، تضاف إليها قاعات خزن الأشرطة وتصنيفها، والاكسسوارات والمكياج وتحميض الأفلام ومكتبة للكتب والصحف اليومية وقاعة للاجتماعات وغرفة للبدالة ومخازن وحمامات وصالة استراحة وكافيتريا وغرف للمبيت، ولكل قسم من أقسامه العديدة غرفة لرئيسه وغرف لمنتسبيه.. وساحة كبيرة لوقوف السيارات، وجناح تحت الأرض للتكييف المركزي، هو في الوقت نفسه ملجأ الدائرة. لقد أنجزتْ هذا الصرح الفريد شركات أجنبية متخصصة، بدقة عالية متناهية وبأرقى المواد وجهزته بعشرات الأجهزة مما يطول الدخول في تفاصيلها، فيما تم تزويده بأثاث فاخر جدا، ومنذ تأسيسه أواخر سبعينات القرن الماضي أنتَجتْ فيه شركاتُ الدراما العربية والعراقية العديد من المسلسلات التلفزيونية والإذاعية وتمثيليات السهرة ، وكانت تلك الشركات تفضل الإنتاج فيه على سواه لقلة التكاليف وللمواصفات الفنية العالية التي ذكرناها، ولأنه يقع في مدينة الموصل التي أطلقوا عليها هوليود العراق لتنوع مظاهر الطبيعة والعمارة والأطياف البشرية فيها، خاصة في أطراف المدينة التي تتيح لهم التصوير الخارجي لأي مشهد من أعمالهم، فضلا عن جمال وروعة أماكن الإقامة فيها سواء قي بيوت الغابات أو الشلالات.نعود، كما يقول الجاحظ، إلى ذكر العصا والعصا هنا هي المجمع تحت القصف فنقول قبل أن يقصف المجمع كان هو البديل مع مجمع كركوك إذا ما قُصفَتْ دائرة الإذاعة والتلفزيون في بغداد، لذا فقد تناوب على الدوام فيه عدد من المذيعات والمذيعين المعروفين في البث المركزي. وحين اشتد التهديد جرى تبليغنا بالمبيت فيه ومواصلة بثنا الكردي والتركماني والسرياني، فقد كان ذلك البث تلك الأيام من الموصل، وليس من كركوك كما يظن البعض. عند بدء الهجوم جوًّا على العراق وتواصل تدمير عشرات المواقع فيه، لم تنقطع صلتنا بمراجعنا في بغداد خاصة عبر الرسائل المتبادلة بيني وبين الصديق الشاعر سامي مهدي المدير العام لدائرة الإذاعة والتلفزيون آنذاك، رغم ذلك فقد كان الخطر المحدق بنا يملي ما يستدعي السرعة والحسم في اتخاذ القرار دون العودة إلى بعض تعليمات بغداد، وهذا ما كان.. فبعد انتابني وزملاثي إحساس حد اليقين بأن المجمع سيتلقى ضربة عاجلة، لم يكن أمامي في وقت كان فيه منتسبو المجمع، يؤدون واجباتهم بهمة وعزم، وهم معرضون للهلاك، إلا أن أتجاوز التعليمات التي تقضي بأن يداوم ملاك الدائرة كله ليل نهار، فقلَّصتُ العدد الذي ينبغي تواجده إلى أقل ما يمكن، فيما كنا قد قررنا جميعا الهرع إلى ملجأ الدائرة الحصين فور سماعنا صافرة الإنذار، وقد شاركَنا المبيت في الملجأ عدة أيام المذيع رشدي عبد الصاحب، الذي كان يداوم في مجمعنا، ثم تقرر قطع إيفاده وعودته إلى بغداد، في وقت قررنا فيه أن تتخلى المذيعة ميسون البياتي عن الدوام في المجمع وتبقى في الفندق ملتزمة بالتواجد في ملجئه، ريثما تسنح الفرصة لعودتها إلى بغداد.
صواريخ
وفي صباح يوم 24 1 1991 اختصرتُ أكثر من عدد المتواجدين صباحا في المجمع، ومضيت إلى منزلي بعد معرفتي بما انتاب أطفالي آنذاك من قلق ورعب، خاصة وأنا بعيد عنهم عدة أيام، ولم تمر ساعة على تواجدي في المنزل حتى أصغيتُ لقصفٍ عنيف، فصعدت إلى سطح المنزل لأرى الدخان الأسود يتصاعد من موقع قدَّرتُ أنه موقع المجمع، وعند نزولي من السطح كان سائق الدائرة الذي أوصلني قد عاد ليبلغني أن المجمع قد تعرض لقصف جوي شديد بعدة صواريخ، وليعود بي إليه.أمام المجمع كان منتسبوه قد تجمعوا مع عشرات المواطنين، فمنعوني من الدخول إلى المبنى، خوفا من ضربة أخرى موجهة إليه، وأنا أتطلع إلى الخراب الذي لحق به وبكل ما حوله من دوائر وبيوت، خاصة دائرة الري المجاورة له التي استشهد أمامها موظف وجرح شرطي جروحا بليغة.. لحظتها لم أدخل المبنى لكنني تساءلت بقلق عن سلامة من كان فيه من الموظفين، فعلمت أنهم جميعا سالمون فقد كانوا في الملجأ السرداب لحظة استهداف الموقع الذي كنا نبث منه إذاعيا وما جاوره من ستوديوهات، وكلها أماكن قريبة من الملجأ إلا أن من كانوا فيه لم يشعروا بقوة الضربات وما خلفته من دمار إلا بعد أن اهتزت جدران الملجأ وتدحرج بابه الحديدي الثقيل من الدرج إليهم وكأنه ورقة مدعوكة، وهم إذا لم تخن الذاكرة الست فرقد التي دونت لي أسماءهم من النساء فرقد ملكو، صباح حميّد، ابتسام حسام، قمر أحمد، بتول محمود شكر.. ومن الرجال عبد الناصر خطاب، مقصود حسين، هرمز بطرس، محب حسام، حازم كلاوي، علي سعدون وهي أسماء من بين أكثر من خمسين منتسبا هم ملاك المجمع آنذاك كما أذكر.
وأمام مشهد التخريب هذا.. أمام المبنى الذي تناثرت أحشاؤه، وتطايرت أشرطته إلى مسافات بعيدة في الشوارع وبين البيوت، كانت دموع أبناء ذلك الصرح المغدور تنهمر وذكريات سنوات الابداع تتوالى.. وهم يرون بيتهم قد تداعى واستحال نبض الأشياء الجميلة فيه إلى رماد؟ .. وما كادوا يكفكفون دموعهم حتى وجهوا إحدى الكاميرات المحمولة التي أخرجوها معهم من الملجأ لتصوير آثار القصف، فقد كنا منذ بدأ الهجوم قد أخلينا الكاميرات إلى الملجأ، وفي اليوم نفسه شمر الجميع سواعدهم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجهزة وأشرطة ومواد، وكان على رأسهم مدير الإدارة الجاد المثابر مشعل حامد عبو ومعه في صرف ما نحتاج محاسب الدائرة المخلص عبد العظيم سعيد بكر، فتم استكمال شحن مكتبة الأشرطة الكردية إلى كركوك ليتواصل البث منها، وجرت إعادة آلاف الأشرطة التي كانت مودعة لدينا إلى بغداد بشاحنات كبيرة ، فيما أودِعتْ أجهزتنا في قاعة النشاط المدرسي المواجهة للمجمع، وبعضها في جناح من المتحف الحضاري بالموصل كنا نتواجد فيه .. وتواصلت عملية الإخلاء بعد تعرض المجمع لضربة ثانية يوم 30 1 1991 تلك الضربة التي دكت برج البث التلفزيوني الذي غار جزء كبير منه في أعماق الأرض واختفت قربه غرفة سائقي سيارات المجمع عن سطح الأرض تماما، كما اختفت محترقة تحت الأنقاض والرماد الآلات الموسيقية كلها في ستوديو الموسيقى. ولم نركن للراحة حتى بعد وقف إطلاق النار، فقد وجهنا الطاقات والخبرات الهندسية لصيانة الأجهزة المهمة وتهيئة ما يلزم لإعداد برنامج كامل للبث المحلي، إذا ما طُلِبَ منا ذلك، مع أن عودة البث كانت مسألة ليست بالهينة, والدائرة العامة في بغداد كانت لم تبث بعد. وفي يوم 25 3 1991 اتصل بي وزير الثقافة والإعلام حول المباشرة ببث محلي حتما، وكنا قبل الهجوم على العراق قد أخلينا سيارة النقل الخارجي إلى موقع من مواقع الآثار الآشورية في الموصل وأخفيناها هناك، فجرى الاتفاق مع دائرة الشؤون الهندسية في الموصل المرسلات على سحب تلك السيارة إلى موقعها، وكانت هي أيضا قد تعرضت لأبشع الهجمات ولم يبق منها سوى برج صغير سليم .. عند ذلك البرج أوقفنا سيارة النقل وبين الأنقاض أمام جدار أملس جلست المذيعة فرقد لتعلن عن استئناف البث فبدأ بأفلام كارتون تبعته فقرات مما أعددناه من برامج. وفي اليوم الثاني جلب السيد مشعل حامد للدائرة عدة كرفانات خشبية من سد الموصل، فتم استحداث محطة مؤقتة باشرت بثها ضمن برنامج يومي يتضمن نشرة أخبار وعرض المنهاج اليومي الذي كان يصلنا كل يوم من مراجعنا مسجلا على أشرطة يوماتيك فكانت محطتنا أول محطة تلفزيونية في القطر تبث بعد بغداد.
مسابقة تلفزيونية عربية
عند عودة البث المركزي من بغداد، كان قد تم إسناد إدارة تلفزيون العراق للفنان فيصل الباسري، وإعفاء المدير السابق الذي كان قد أهمل ما نرسله من برامج إلى بغداد، والذي لم يكن يتمتع بما يتمتع به الياسري من خبرة وانفتاح على الطاقات المبدعة، فما أن أرسلنا إلى الياسري حلقة من برنامج عن تراث الموصل حتى عرضه واتصل بي مشيدا بخصوصية وتميز إنتاجنا، بل انه أشرك تلك الحلقة في مسابقة تلفزيونية عربية وطلب منا المزيد مما ننتج ثم قرر أن يعرض لنا رسالة تلفزيونية يومية بثلاث أو أربع دقائق عن أي نشاط ثقافي أو فني من نشاطات المحافظة، فنفذنا وعرض. في وقت أنتجنا فيه بالكاميرا المحمولة أعمالا درامية وأغاني لمطربين من الموصل.ثم جاء اليوم الذي تداول فيه الياسري معي هاتفيا حول إمكانية إنتاج رسالة تلفزيونية أسبوعية، فأبديت له استعدادنا، وأطلقتُ اسم أم الربيعين جريدة الموصل التلفزيونية على الرسالة التي بدأنا بإنتاجها، فلم أكن رئيس تحريرها شكليا، بل قررتُ أن أقوم بإعداد كل حلقة منها والإشراف على إنتاجها بعد أن أسندتُ إخراجها إلى الفنان طارق فاضل وحصرتُ تقديمها بالتعليق الصوتي للمذيع ابراهيم الحلو ، وظلت الجريدة مدة أكثر من شهرين تجري على هذا المنوال ولا يزيد وقتها على العشر دقائق. وبعد أن لاقت ما لاقته من نجاح وصدى استقر قراري على تشكيل هيئة تحرير ثابتة، لكل فرد فيها مهمته، فأسندت التقديم للمذيعة فرقد ملكو والتعليق للمذيع ابراهيم الحلو والمونتاج للفني أمجد كريم والتصوير للفنانين خليل ابراهيم وصباح ابراهيم، وبعد سنين ألحقت بهما محمد المهدي مصورا، ومحب حسام مساعدا. ثم وصل وقت الجريدة إلى عشرين دقيقة تُعرض ظهيرة كل جمعة، فابتكرنا فكرة اللقطة التمثيلية السريعة التي تنطوي على نقد كوميدي لاذع، فكانت بؤرة الشد في الجريدة، يمثل فيها كل من الفنانين حسن فاشل ونجم عبد الله سليم، ثم شكلنا فريقا آخر من الفنانين عبد الواحد اسماعيل وواثق الأمين ومحمد الزهيري، وآخر من الفنانين مثنى ابراهيم ورائد معد وآخرين.. وكنت خلال إشرافي على كل عدد منها أساهم مباشرة في عملية المونتاج لكل فقرة من فقراتها، ومنذ عام 2001 أسندتُ إخراج الجريدة للفنان خليل ابراهيم.وجريدة أم الربيعين التي ظلت تُقدَّم طيلة أكثر من 12 عاما، حظيت بدعمٍ كبير في الفترة التي كان فيها صديقي الدكتور صباح ياسين هو المدير العام لدائرة الإذاعة والتلفزيون، وكان لها حضور شعبي كبير في كل بقعة من العراق، وتنتظرها كل أسرة عراقية في منزلها كل يوم جمعة بعد صلاة الظهر، حتى طغت على العديد مما كنا ننتج من برامج، مثل برنامجنا الناجح من كنوز الموصل وسواه من البرامج.. وعبر نجاح أم الربيعين المنقطع النظير حظيت مقدمتها المتألقة فرقد ملكو بشهرة واسعة في كل الأوساط لتميزها في التقديم والحوار، ولأنها كانت في الواجهة.
خبر حظر التجوال
خلال ذلك كان ملاك المجمع قد استقر في مقر بديل داخل جناح من المتحف الحضاري بالموصل، وحين تم إنجاز جناح صغير في مبنى المجمع غادرنا المتحف الحضاري عائدين إلى المجمع عام 2002نعود إلى ذكر العصا فنقول ونحن في الجناح الصغير من مبنى المجمع بدأت تهديدات الرئيس الأميركي جورج بوش تتصاعد في محاولة لجر دول العالم ومجلس الأمن إلى جانب الإدارة الأميركية التي كانت قد قررت احتلاال العراق بدعوى أنه يمتلك ويطور أسلحة الدمار الشامل .. وقبل شهر من بدء الهجوم عدنا إلى مقرنا البديل في المتحف الحضاري.يوم بدأ احتلال العراق من الجنوب، وتوالى القصف الشديد على مدنه كلها ومنها الموصل، لم تُوَجَّه أي ضربة إلى مبنى المجمع، لكن إنتاجنا البرامجي توقف وانصرفنا إلى بث الأغاني التي تردنا ونقل بعض الأخبار من القنوات الفضائية مباشرة وبثها، فقد كان الاطلاع على البث الفضائي آنذاك في الموصل مقتصرا على دائرتنا فقط، كما كنا نزود بغداد بما يستجد من أخبار وحالات طارئة، حتى هبط المحتلون في مطار بغداد واحتلوه ، فدخلوا بغداد ثم أطاحوا بتمثال صدام حسين في ساحة الفردوس يوم 9 4 2003 وأبيحت للنهب والتخريب مباني الوزارات والدوائر والمتاحف وكل ركن في بغداد.. وكنا نتابع ذلك من خلال متابعتنا للبث الفضائي في دائرتنا.
وفي مساء ذلك اليوم اتصل بي محافظ نينوى طالبا أن نعلن حظر التجوال في الموصل من الساعة العشرة ليلاا حتى الثامنة صباحا، ولم يكن في الدائرة سواي والصديق العزيز الفنان صبحي صبري أحد موظفي المجمع، فحملنا معنا الكاميرا الصغيرة الوحيدة، واتصلت بالفنان خليل ابراهيم الذي كانت سيارة الدائرة الصغيرة معه، وطلبت منه الالتحاق بي وبصبحي في المقر السري البديل للمرسلات في إحدى مدارس حي الخضراء بالموصل. وهناك أمضينا آخر دقائق بث تلفزيوني لمجمعنا ببيان لن ننسى ملابساته ولحظاته العجيبة، فلم يكن معنا مذيع فدونتُ خبر حظر التجوال على ورقة كارتون، وقلت للزميل صبحي صبري عليكَ أن تقرأه ثلاث مرات وتقول بعد كل قراءة أكرر، وحين بدأ الزميل خليل ابراهيم بالتصوير أبلغَنا أحد موظفي المرسلات بأنهم يحتاجون إلى فيد أزرق لبث الخبر إذ ليس لديهم الخلفية الزرقاء المطلوبة فما كان عليَّ إلا أن أرفع غطاء ترمس ماء أزرق من محله ليجرب عليه الزميل خليل، فجرّب النزول زوم بعدسة الكاميرا إلى زرقته ونجح، ثم بدأ صبحي يقرأ بطريقة أداء ممثل بارع ويكرر والأسى يعتصر قلبه حتى اختنق بالبكاء في المرة الأخيرة فسمع ذلك كل من كان يتابع بيان حظر التجوال من المواطنين في المدينة .. هذا هو آخر ما بثه التلفزيون في نينوى.وفي صبيحة 10 4 أنهينا بالتنسيق مع المرسلات كل ما له علاقة بالبث، وعلمنا فيما بعد أن منع التجوال ليلا كان لإفساح المجال أمام عدد من المسؤولين الكبار لمغادرة العراق أو التوجه إلى أماكن سرية. وتأكد لنا أن قوات الاحتلال الأميركي قادمة بعد المساء من المنطقة الكردية باتجاه الموصل وصلاح الدين والأنبار.في مساء اليوم نفسه العاشر من نيسان ذهبت مع صديقي سبهان نايف الحيو ومصور الأخبار مقصود حسين إلى مقرنا في المتحف الحضاري، ونحن نعلم أن المحتلين ومن معهم من البيشمركة ومشعان الجبوري القادم من خارج العراق على مشارف المدينة، وفي مقرنا ذاك لملمتُ أوراقي الشخصية الخاصة، وقبل أن أوصد الباب طلب مني صديقي سبهان الذي كان متيقنا من أن الدائرة ستُنهَب بعد دخول المحتلين، أن أنقل بعض الأجهزة خاصة الكاميرات إلى منزلي لاستخدامها فيما بعد، فرفضت ذلك مفضلا أن أغادر بأوراقي فقط على أن يَلصقَ بي ضعافُ النفوس أي تهمة للاستيلاء على أجهزة الدائرة، فنهْبُ أي جهاز من قِبل أي لص، خير من أن بُسحَب مني لو كان بحوزتي، لخدمةِ المحتلين. ثم عدت لأمضي تلك الليلة خارج منزلي في منزلٍ قريب منه، هو منزل ابن عمي الموسيقار خالد محمد علي الذي كان آنذاك يعمل في دبي . وأمضى الليلة معي ابن عمي العزيز عبد الإله طه الذي يجاور بيته بيت خالد، فيما أمضى ابني حارث ليلته في حماية منزلنا وأسرتنا بما لديه من سلاح، ثم اجتمع الشباب طيلة الليل لحماية البيوت.صباح اليوم التالي تعرضت الموصل إلى ما تعرضت له بغداد من سرقة ونهب وخراب وفوضى، فنهبت مصارفها ودوائرها، وكانت أحشاؤها ترمى في الشوارع والضباع تنبش في كل مكان.. والحوت الأمريكي يغض طرفه وهو يرى الكلاب المسعورة تنهش كبد المدينة.ولئن كان مبنى المجمع الإذاعي والتلفزيوني في نينوى الذي لم يعد حتى جزء منه كما كان ولن يعود، قد أنهكه القصف السابق فإنه شهد في الحادي عشر من نيسان وما بعده قصفا من نوع آخر هو قصف اللصوص والمخربين الذين خلعوا حتى أبوابه وشبابيكه ونهبوا كل ما تبقى فيه من أجهزة وأثاث، مثلما نهبوا كل شيء من مقرنا البديل في المتحف الحضاري.ولم يتجاوز المجمع الذي لم يبق منه سوى هيكله المتصدع، مشهد الدمار حتى يومنا هذا رغم المبالغ الطائلة التي صُرِفتْ لإعماره، بل أقيم حاجز كونكريتي عملاق في مدخل الشارع الحيوي المهم الذي يقع المجمع في مقدمته، فقضى على المجمع والشارع معا.
/4/2012 Issue 4166 – Date 5 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4166 التاريخ 5»4»2012
AZP09