ذرات من بيدر العمر .. العطيفيـة عروس الشطآن – أكرم عبدالرزاق المشهداني

 

أدب الأماكن وذكريات مرابع النشأة الأولى ذكريات محلة بغدادية

ذرات من بيدر العمر .. العطيفيـة عروس الشطآن – أكرم عبدالرزاق المشهداني

 

صدر مؤخرا في بغداد كتاب جديد للكاتبة (نزيهة ابراهيم شهاب) بعنوان ((ذرات من بيدر العمر: العطيفيــــة.. عروس الشطآن)) وهو يمكن ان يُعدّ ضمن سياق «أدب الاماكن» وأدب مرابع النشأة الأولى، على غرار «ادب الرحلات». وهو سيرة محلة بغدادية حديثة النشاة تأسست في خمسينات القرن العشرين واستوعبت الكرخيين الذين استملكت دورهم في الكرخ اواسط الخمسينات ضمن مشاريع مجلس الإعمار.

عروس الشطان

وقد وصفت الكاتبة في صدر كتابها العطيفية بأنها عروس الشُطآن، العطيفية مسقط الرأس ومهوى القلب والوجدان.. يبقى حبها يسري مع نسغ الحياة بشراييننا وفاءاً لما قدمته لنا من خير سُقيا وانفع زاده تتلمذنا في آفاقها الرحبة وتعايشنا مع اهلها بخالص الود وتعلمنا منهم لغة الوفاء والمحبة … العطيفية كنت اسكنها وباتت هي من يسكنني.. سلام لمن ودَّعوا الدنيا وتركوا لنا جميل الاثر وسلام ومحبة لساكنيها وسلاما لأمثالنا الساكنة في قلوبنا ونحن مرغمون على العيش بدونها في منافينا الاختيارية إلى أن يشاء الله بعودتنا.وواصلت الكاتبة تصف العطيفية: عروستنا الحلوة التي نعدها من اجمل مناطق كرخ واكثرها روعة وهدوء مرتسمها الهندسي يتمثل بمثلث حاد الزوايا ظلعه الاول نهر دجلة وشاطئ الكورنيش والضلع الثاني بستان الحاج طعمه اما ضلعه الثالث فيتمثل بجسر الصرافية الحديدي وامتداد سكة الحديد فيه  وأضافت أنها من ضمن منظورها الشخصي لوصفها حيث ترى العطيفيه بشكل غادة حسناء مُدلّلة تستلقي على شاطئ نهر دجلة وتغسل كفوف قدميها المحناة بلون الطين الحري الاحمر والمعطر برائحة السِعِد وشذى بخور النذور الطافية فوق كرب النخيل المتجهة صوب مقام خضر الياس في الكرخ، محملة بالامنيات والاحلام.. هذه الحسناء تتكىء بظهرها على أعمدة نخيل بساتين طعمة، وترسل أطراف جدائلها منسدلة على كتفيها تتماهى مع سعف النخيل الباسقة، هفهافة مع الريح، وبيدها اليمنى تحتضن احياء الرحمانيه والجعيفر وتمد يدها اليسرى لتحتضن الشالجية والكاظمية..وتحدثت الكاتبة عن اصل تسمية العطيفية نسبة للسيد عطيفة الحسيني المتوفى عام 924 هجرية. وتحدثت عن معالم العطيفية المهمة واولها (جامع المدلل) الذي شيد وافتتح عام 1958،  ثم (كورنيش العطيفية) افتتح 1959، وهو المتميز بالكازينوات فيه بدءاً بكازينو القبطان.. وشاطيء دجلة المار بالعطيفية والمتميز برماله.. كما تحدثت عن (جسر الصرافية) وتاريخه وعن الحادثة الأليمة بقصف الجسر عام 2007 ثم اعادة اعماره.كما تطرقت الكاتبة الى ابرز الشخصيات الشهيرة التي سكنت العطيفية فذكرت وزير الدفاع حماد شهاب، ووزير التربية احمد عبدالستار الجواري، ووزبر الخارجية طالب شبيب، وعضو القيادة محيي عبدالحسبن مشهدي والاستاذ القاضي عبدالامير العكيلي والوزير سعدون غيدان.. ووزير الداخلية رشيد مصلح، ووزير الصحة عزة مصطفى  وغيرهم، والكتاب طافح بالذكريات والمواقف والمشاهد التي تثير الاهتمام.

السدة الترابية

بما ان العطیفیة هي الابنة الشرعیة لنهر دجلة الخالد وامها بغداد العریقة حیث تتمتع تلك الابنة المدللة بشاطئ جمیل له حافات طویلة، تم استغلالها كشارع جمیل للترویح والنزهة، فقد تم ووفق هذا المسار انشاء شارع الكورنیش 1959 وافتتحه رئيس الوزراء الزعيم عبدالكريم قاسم، من القرن الماضي  وكان في بدایة عهده عبارة عن سدة ترابیة بدائیة اعيد تصميمها وتحويرها لتكون مرفق سياحي يتمتع به سكنة العطيفية والمحلات المجاورة لها للتمتع بمنظره الأخاذ حیث تم إنشاء أرصفة عالیة واعادة تبلیطه بطریقة حدیثة.وشارع الكورنیش یحتوي جانبه المعمور على قصور فارهة لأغنیاء بغداد وبعض الشخصیات الممیزة في المجتمع البغدادي، ولتلك القصور میزة عمرانیة  فریدة حیث انها تتموضع على شارعین احدهما امامي والثاني خلفي.

وبمساحة تزيد على الـ 600 متر مربع،  یرتفع الطابق الأول فیها بطابق عن البناء الخلفي ویحتوي الطابق الأرضي على مداخل للسیارات وحدائق واسعة وما تبقى من البناء فهو عبارة عن غرف متنوعة الاستعمال ومداخل وسلالم  تتصل بالطابق العلوي  المطل على شارع الكورنیش ومن الشخصیات الممیزة التي سكنت شارع الكورنیش عائلة التاجر المعروف (عیسى ابو الطحین) وعائلة (بیت دراغ ) و(بیت القاضي عبدالامير العكیلي) و(عائلة الظاهر) وعائلة (جرجيس) وعوائل كریمة أخرى ویتذكر سكان العطیفیة أول مرفق سیاحي في بداية الكورنيش و( كازینو القبطان) المقام على حافة النهر ویحتوي البناء على مسقف مستطیل الشكل عبارة عن كازینو یحتوي على نوافذ زجاجیة مطلة على نهر دجلة الخلاب ، یرتاد هذا الكازینو جمع غفیر من الشباب  الباحثین عن  الهدوء والتمتع بأجواء النهر الشاعریة الساحرة فضلا عن انه اصبح ملاذ للطلبة لاستذكار دروسهم والتحضير للامتحاناته

وقد ازداد الاهتمام بكورنیش العطیفیة وتم بناء المقاهي والكازینوهات الثابته والعائمة  التي تقدم مختلف النشاطات الترفیهیة وربط تلك النشاطات بوسائل النقل النهريه ویرتاد المتنزهون كورنیش العطیفیة بكثرة حیث لا تخلو اجوائه من وسائل الانس والموسیقى التي تبعث البهجة في النفوس كما كان المقهى مكانا لتقديم السمك البغدادي المسكوف لعشاقه. وعلى مقربة من كازينو القبطان الشهير شيدت كازينو البيروتي التي استعارت اسمها من اسم المقهى الكرخي البغدادي الشهير وصارت معلما سياحيا جديدا.

واشتهر شاطيء دجلة في العطيفية بـ (الجراديغ) الصيفية كل عام، وھي عبارة عن أكواخ مصنوعة من حصران البردي والمسورة بعیدان القصب٠وتقیم تلك الجرادیغ  العدید من النوادي لموظفي الدولة مع عوائلھم واصدقائھم  لتتمتع ببرودة نسیم النھر  وممارسة السباحة في میاه نھردجلة العذبة٠وحق التمتع  بجمال النھر وشطآنه حق مشروع مشاع للجمیع والجلوس على مساطب الكورنیش وقضاء أوقات ممتعة ھناك بینما تتجول عربات بیع المشروبات  الغازیة وعربات بيع العنبة والبيض المسلوق والفلافل، وعربات بيع  الحلویات والفواكه٠

كما تمثل شطآن العطیفیة مكانا ممیزا لممارسة ریاضة السباحة المجانیة حیث یرتادها اغلب الصبیان الفارین من  حرارة الصیف اللاھبة والتمتع  بفعالیة ریاضة السباحة في میاه دجلة وعبورھم للشط المقابل وبوسائل بدائیة حیث یستعملون كرب النخیل طوافات لتساعدھم على التمتع بالسباحة بكل أمان وحینھا تتعالى أصواتھم المرحة بین سابح ومشجع وبین ھیّاب من دخول  الماء، وتردد صدى أصواتھم جوانب النھر بكل عذوبة وجمال٠ ولن ینصرف السباحون إلا بحلول الظلام وعندھا تودع  شمس الاصیل الأجواء منسحبة بھدوء وتطبع على خد الأفق قبلتھا الأخیرة بشفاه بھت بھا اللون القرمزي واستحال لصفرة كالحة وھي تقبل قبلتھا الأخیره قبلة مودع علیل آن علیه الرحیل مرغما٠

یعتبر جسر الصرافیة العلامة الممیزة والفارقة لمنطقة العطیفیة وھو ثالث جسر انشئ في مدینة بغداد بعد جسري الشھداء و الاحرار یبلغ طوله (٢١٦٦) مترا ویعتبر في وقته عام (١٩٥٠) اطول جسر حدیدي في العالم ٠ وھو عبارة عن جسر حدیدي  بریطاني قدیم تم تفكیكه  وبیعه للعراق ونفذت بناء الجسر ونصبه شركة بریطانیة تدعى شركة  (ھولواخوان )  ثم تم نصبه لیكون  رابطا بین جانبي نھر دجلة المتمثلة بمنطقتي العیواضیة أو(العلوازیة) ومنطقة العطیفیة التي لم تكن في زمن إنشاء ھذا الجسر قد تحولت الى منطقة سكنیة عامرة مثلما ھي علیه الآن, بل كانت عبارة  عن بساتین للنخیل وبعض المزروعات الفصلیة وتحتوي على بعض المساكن البسیطة لفلاحي البساتین٠لكن العلامة الفارقة كان البیت العامر والممیز لرجل معروف یعمل في الصرافة ویعرف (ببیت الصراف) والذي أخذ الجسر منه اسمه (جسر الصرافیة)٠

وعندما تم إنشاء جسر الصرافیة تغیر وجه المنطقة كلیا وانشطرت العطيفية الى محلتين يفصلهما الجسر هما العطيفية الاولى والعطيفية الثانيةو٠یمثل جسر الصرافیة شاھدا على تاریخ العراق السیاسي والاجتماعي فمن خلاله عبرت أجیال وأجتازته قوات عسكریة وعبرته جحافل المتظاھرین الغاضبة او المبتھجة بكافة المناسبات الوطنیة والقومیة المختلفة على مر الحقب والأزمان٠ كما عبرته مواكب أعراس  ومواكب عزاء وتشییع للمغادرین للدنیا وكذلك عبرته جموع الزوار المتجهة صوب المراكز الدینیة في مدینة الكاظمیة المقدسة٠

أتمنى أن نقرأ كتبا أكثر تتحدث عن سيرة وذكريات محلات بغدادية، بأنفاس أهلها ومن عايشوها.. شكرا للاستاذة نزيهة ابراهيم شهاب هذا الانجاز الذي ترقبناه طويلا والحمد لله جاء بشكل طيب. محاولة تستحق التقدير.