ذات الرداء ألأسود – مقالات – ثامر مراد

ذات الرداء ألأسود – مقالات – ثامر مراد

كملكةٍ من العصور الخيالية تقف عند الشارع الطويل تنتظرني على وجلٍ وترقبٍ .وحيدةٌ هي في هذا العالم المفترس. إبتسامة باهتة ترتسم على شفتيها وهي تلوح لي وأنا أسير صوبها على الطرف ألآخر من الطريق المزدحم. جيلٌ بعيد يفصل بيني وبينها. ذرات الغبار المتطايرة من ألأرض الترابية جعلتها تصرخ بصوتٍ مكتوم ” أوه..سائقٌ ملعون يحاول تدمير ماكنتُ قد رسمتهُ على وجهي من مكياجٍ بسيط ” راحت ضحكاتها الجميلة تسافر الى عالمِ المنهار خلف أزمنةِ الحروب والصراعات في جبهاتٍ ليس لها حدود. في الزاوية ألأخيرة من سيارة – الميني باص- تكورنا في سعادةٍ تتضارب هنا وهناك. سعادتها ليس لها غور. سعادتي مشبعة بتجارب الزمن وذكريات مهشمة على جغرافية الوطن ومشاكلهِ وصراعاته في كل ألأتجاهات. سعادتها تمتزج بكبرياءٍ طفولي وآمالٌ ترسم لها فرحات وآهات ٍ وطموحات ليس لها مثيل. تجربتها ألأولى في لقاءٍ ودي بين ذكرٍ وأنثى, وتجربتي تتذبذب مابين الفرحةِ والحزن الدفين. لم تتوقف عن الحديث على طول الطريق الممتد مابين نقطة الشروع ونقطة النهاية. مسكت يدي في حنانٍ مفرط ورغبة جامحة للغوصِ في رغبةٍ تكاد تذيب كل جبال الكون ومحيطات الزمن المغدور. كطفلةٍ في عامها الرابع تهمس في أذُني عبارات يقفز لها قلبي طرباً وهياماً ورغباتٍ تم تفريغها في سنوات العمر المنهار في الجنوب والشمال ووسط البلاد. سنوات مرت كلمح البصر..كحكاية من حكايات ألف ليلةٍ و ليلة. لم تهتم لوجود المسافرين معنا في المركبة التي أكل الدهر عليها وشرب. يدي تحترق في يدها nلاتريد أن تترك يدي كلما حاولت سحبها- نظرت في أعماق عيني المرهقتان من طول السهر. ” ..هل تعرف ماذا حلمتُ ليلة أمس؟ ” . لم تهتم لجوابِ . كانت تريد أن تتحدث لوحدها وتتركني أرسم خيالات في فضاءٍ ملبد بغيوم الحسرة وضياع العمر بلا فائدة. ” …الحقيقة هو ليس حلم وإنما واقعٌ راح يظهر الى النور منذ أكثر من أسبوع. لاأعرف من أختار؟ الشاب الطبيب البيطري أم المهندس الذي لم يتعين بعد. كلاهما جميلان ومؤدبان وأنا حائرة في ألأختيار.” راحت تنظر في أعماق عينيي . شاهدت بريقهما في حسرةٍ ليس لها تفسير. ” …أعرف أنك تتسأل عن موقع علاقتنا مع بعض؟ عن هذا الوجود المبهم في علاقتنا كل هذه السنوات. لاتحزن. أنت شيءٌ آخر له موطيء قدم في قلبي رغم كل السنوات البعيدة بين زمن الولادة المدون في بطاقاتنا الشخصية. أنت واقعٌ يتخبط في خيال الروح ولكن لااستطيع الخلاص منه مهما حاولت. هما- الطبيب البيطري أو المهندس- واقعٌ يفرض حاله على واقع الحياة التي أعيش تفاصيلها كل يوم. أحدهما سيمتلك جسدي ولكنك ستبقَ تحتفظ بدقات قلبي على مدى ألأيام والسنين. ستكون صورة وهمية في خيالاتي كلما رقد أحدهما الى جانبي ينشد واجباً شرعياً. قد يقول قائلٌ ما- هذا ضربٌ من ضروب الجنون- لم أعد أهتم لما يقوله البشر. كل الفئات البشرية غارقة في هذا الزمن في مشاكلها ومعاناتها ولن يهتم أحد لوجودي معك أو حتى لو إفترقنا- لاسامح الله-. سأركزُ على وجودك معي في اللحظةِ التي أعيشها على هذه ألأرض. لم يعد يهمني مايعانيه النازحون من كل المناطق وهم ينشدون الحياة فقط. لم يهتم أحد لوفاة والدي. تركني الجميع أذرف دموعاً طيلة سنوات وأيام. لم يقترب مني أحد يستفسر عن حالتي المزرية التي كنتُ أعيشها لوحدي. كنتُ مجرد رقم بشري يتحرك طيلة النهار والليل لايشعر أحد لوجودي. أنت الوحيد من بين كل أصناف البشر من كان يسأل عني ويواسينني وأنا أحتضر ساعات طويلة من حزنٍ لاينتهي. ليس لدي شيءٌ أقدمه لك. لو كانت الشريعة التي نتبعها تسمح لي بأعطائك أعز ما أملك لقدمته لك ألآن وسأكون في أسعد حال. لاتهتم سأعوضك يوماً بشيءٍ ليس له علاقة بالجسد. ” وصلنا الى نقطة النهاية على أمل أن تكمل لي الحكاية يوم غد حينما ألتقيها في نفس المكان وأنا ذاهبٌ لشراء نسختين من جريدة الزمان.