كتاب جديد: دراسات في رواية الطوفان الثاني لفاتح عبد السلام

فاتح عبدالسلام

\

الروايةُ الحديثةُ وأسئلةُ التنوير

دراسات في الطوفان الثاني لفاتح عبد السلام

سهام السامرائي

صدر من (تحرير وتقديم ومشاركة) الدكتور محمّد صابر عبيد والأستاذ طلال زينل سعيد الكتاب النقدي الموسوم (الروايةُ الحديثةُ وأسئلةُ التنوير/دراسات في رواية “الطوفان الثاني” لفاتح عبد السلام) منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين هذا العام 2022م، أسهم فيه (نخبة من النقّاد والباحثين) أكّدوا جميعاً على طليعية هذه الرواية وتنويريتها على مستوى المقولة الفنية الجمالية من جهة، وعلى مستوى المقولة الموضوعاتية والثقافية من جهة أخرى، فضلاً على تميّز بحوث الكتاب بالتنوّع في قضايا السرد الروائي وحداثتها ضمن التناول النقدي الخبير، على النحو الذي جعل من الكتاب إضافة مهمة للمكتبة النقدية العربية الحديثة.

حملت المقدّمة التي كتبها المؤلفان كثيرا من الرؤيات النقدية التي تجلّت في بحوث الكتاب، وأشارت إلى موقع هذه الرواية من المنجز الإبداعي الروائي للقاص والروائي فاتح عبد السلام، بما عرف عنه من دقة في العمل وعناية فائقة باللغة والأسلوب داخل الرؤية العامة لهذا الخطاب السردي المميز منذ نشوئه:

(تأتي رواية “الطوفان الثاني” للقاص والروائيّ والإعلاميّ فاتح عبد السلام لتتوّج مسيرة إبداعيّة شاسعة وعميقة وثريّة، تجاوزت الأربعة عقود من الإبداع والتقصيّ والبحث المتواصل عن الجديد والمدهش والمتميّز، وهي الرواية الثالثة في سلسلة إنتاجه الروائيّ بعد رواية “عندما يسخن ظهر الحوت 1993” ورواية “اكتشاف زقّورة 2000 ولعلّ كثيراً من الأواصر السرديّة يمكن تلمّسها بين الروايات الثلاث على الصعيد الموضوعاتيّ والأسلوبيّ معاً، إذ إنّ فاتح عبد السلام من الكتّاب الذين يُعنَون كثيراً بما يكتبون على نحو شديد الدقّة والانضباط، وهو لا يفرّط باللغة والسرد والتشكيل والتعبير بل يولي ذلك كلّه عناية فائقة، لذا حظيت روايته “الطوفان الثاني” بمزيد من الرعاية على مستوى الفعّاليّات الأساسيّة المكوِّنة للفضاء السرديّ.)

ثم تركّز المقدمة على الشخصية المركزية (كمال) بوصفها شخصية محورية للعمل تدور كل الشخصيات الأخرى حولها بشكل أو آخر:

(حاول فاتح عبد السلام أن يقتنص لحظات إنسانيّة باهرة في حياة شخصيّة “كمال” المركزيّة في هذه الرواية، وشخصيّة “سالي” الموازية لشخصيّة “كمال” بما انطوت عليه من خصوصيّة تركيبيّة، وشخصيّة العمّة “نوال” العرفانيّة وقد اجتهد الروائيّ في منحها طاقات غيبيّة غامضة ظلّتْ مستورة حتى نهاية الرواية، للكشف عن طبيعة المخزون الموروث – شعبيّ في هذا المضمار من حيث الإيمان بالكرامات وتحقّقها على أرض الواقع).

سرديات الاحتلال

وتتطرق المقدمة أيضاً إلى ما سمّته بسرديات الاحتلال والحروب بما تنطوي عليه من سخونة سردية وإثارة موضوعية كبيرة تحفّز مجتمع التلقي على مزيد من التواصل:

(لا شكّ في أنّ هذا الموضوع المتعلّق بسرديات الاحتلال والحروب وما يتعلّق بها من زخم حكائيّ عنيف ومتسارع وصاخب وكثيف، بما ينطوي عليه من إشكالات هائلة لا حدود لها، يبقى مُثيراً ومُحفِّزاً لكثير من الروائيين على نحوٍ خاص لولوجه والغوص في مجاهيله، واتّخاذه جوهراً سردياً ينفتح على آفاق لا متناهية تقترح سبلاً متعدّدة ومتنوّعة للمواجهة السرديّة المحتدمة، وهو ما يُلقي على الروائيّ أعباء لا حصر لها لابتكار رؤية سرديّة فيها من التميّز ما يمنع مشابهتها لغيرها، إذ لا شيء مثل التشابه والتكرار والتقليد يقتل العمل الروائيّ ويفرغه من محتواه الإبداعيّ ليظلّ حكاية مجرّدة لا قيمة لها.)

وتنتهي المقدمة بالتأكيد على طليعية الرواية وتنويريتها في مفاصل كثيرة حاول فيها الروائي فاتح عبد السلام مقاربة الكثير من الشؤون الخاصة بالمجتمع العراقي، عن طريق شبكة الأحداث والشخصيات والأزمنة والأمكنة:

(يمكننا أن نعاين رواية “الطوفان الثاني” لفاتح عبد السلام بوصفها من الروايات التي تنطوي على بعد تنويريّ في أكثر من مجال، ولاسيّما أنّها تقارب قضيّة بالغة الأهميّة في موضوع الهجرة والنزوح والهويّة والانتماء والوطن والحرب وتفكيك الدولة والمصير، ولكلّ وحدة موضوعيّة من هذه الوحدات كيانها الإنسانيّ الكبير المتعلّق بجملة هائلة من المفاهيم والرؤيات والأفكار والقيم، هي بحاجة إلى وعي وخبرة وتجربة ومعرفة كي تبلغ مستواها المطلوب.)

وبهذا تكون المقدمة قد وضعت النقاط على الحروف في كل ما يتعلّق بهوية الرواية السردية ومقولتها وأطروحتها الأساسية، وقد جاءت البحوث لتجيب على كثير من الأسئلة الفنية والجمالية والموضوعية المتعلقة بالرواية من منطلق الخطاب الروائي العربي المعاصر، وكان البحث الأول بعنوان (شعرية السرد: كتاب الطوفان الثاني نموذجاً) للدكتورة بشرى البستاني التي حاولت أن تفسّر طبيعة الهوية السردية في الرواية، وكشفت برؤية نقدية حاذقة عن شعرية اللغة التي استخدمتها الرواية على صعيد تفاعل عناصر السرد وبخصوص الأسلوب:

(إن متأمل الرواية يجد أن الاسلوب كان موضع عناية مهمة من قبل الكاتب وهو القاص والروائي والناقد الرصين، متحاشيا العبارات الجاهزة ومجريات السيرة الذاتية التي كثيراً ما تهيمن على أسلوب الروي، ومعبراً بأسلوب لم تفارقه السمة الشعرية التي ظلت تعلن عن جمال حضورها عبر السرد.)

كما أن الباحثة شدّدت على موضوعة الرواية وثيمتها الأساسية التي منحتها هذه الطاقة الشعرية، فالموضوع المتعلق بالهوية في هذه الرواية إذا أخذنا بنظر الاعتبار المكان الجوهرية الذي اشتغلت عليه وهو (عراق ما بعد الاحتلال)، سندرك أن الرؤية الخاصة بأفكار المواطنة واختلاف الديانات والقوميات والمذهب والعقائد كان موضوعا أثيرا من موضوعات فكرة الهوية:

(تكونت رواية “الطوفان الثاني” للمبدع العراقي فاتح عبد السلام من عشرين فصلاً في 364 صفحة من الحجم المتوسط، متناولةً قضية المواطنة والهوية والحرية السياسية والاحتلال والنضال ضد المستعمر، فهذه الرواية وثيقة تاريخية سجلت معاناة الشعب العراقي ضد أبشع احتلال لا أخلاقي شهده العصر. عنوانها يحيلنا على الطوفان، وهو تسمية تطلق على قصة طوفانٍ عظيم يُنسب لعصر النبي نوح، حصل حسب المرويات بسبب طغيان البشر على الأرض وعصيانهم، وبالرغم من اختلاف القصة اختلافات جزئية في مختلف الديانات والمعتقدات إلا أن المضامين والعبر الواردة فيها متقاربة، إذ أنزلت السماء المطرَ الشديد عقابا لمكذبي النبي نوح دون أن يمسَّ المؤمنين سوء. ومن تأمل مضامين الرواية نجد أن العنوان قد أدى مهمته التقنية والدلالية عبر فصول الرواية)

لذا جاء الرواية على هذا النحو وبحسب رؤية هذا البحث للدكتورة البستاني فضاءً للكشف عن الطبقات الجوانية لهذه الهوية، والصراع بين أصحاب الأطماع بأجنداتهم الخبيثة الكارهة للعراق وأصحاب الوطنية الحقّة المهمومين بحب العراق:

(رواية الطوفان الثاني نص عميق ممتع متداخل، عمل عبر امتداد صفحاته على تكريس الفكر الوطني ووحدة الأطياف المشكلة للمجتمع العراقي الذي مزقته النزعة الطائفية التي جاء بها المحتل والزمر العميلة التي آزرت دخوله لوطن الحضارات. وحينها أدركت قوى المستعمر التي احتلت العراق أنّ تعدد أطياف الشعب العراقي بهذا الشكل المتحضّر يشكل عامل قوة عراقية يجب أن تُقاوَمَ بالعمل على تفكيكها، وهكذا كانوا يقتنصون الفرص لزرع بذور الشقاق واختلاق الفتن بين ثنايا الشعب الواحد حتى جاءتهم فرصة حكم سخرته كل شياطين الأولين والآخرين لحرق العراق وذبح العراقيين وسرقة حياتهم في تلك الأحزاب وعصابات الشر والجهل والتخلف فعاثوا في أرض الرافدين فسادا وأحرقوا الحرث والنسل.)

أما البحث الثاني فقد جاء بعنوان “اللامكان السرديّ” وإشكاليّة الهُويّة: رواية “الطوفان الثاني” نموذجاً للدكتور محمّد صابر عبيد، وسعى فيه الباحث إلى مقاربة مصطلح “اللا مكان السردي” وعلاقته بالهوية في هذه الرواية، ولا شك في أن أطروحة (اللا مكان) في السرد الروائي جديدة ومثيرة وتقوم على جهد تأويلي محنّك:

(تشتغل رواية “الطوفان الثاني” شروعاً من عتبة عنوانها على فرضيّة “اللامكان” استناداً إلى معنى “الطوفان” الذي يُلغي المكان/الأرض أساساً عن طريق محوه وإحلال الماء محلّه، وإلغاء المكان يتيح فرصة كافية لافتراض حضور اللامكان داخل دائرة الحدث السرديّ القادم في فضاء السرد، ففكرة الطوفان هي في جوهرها تقوم على إحلال اللامكان محلّ المكان حين يكون اللامكان مفتوحاً على فضاء الاحتمال اللامحدود، وإذا كان الجزء الأوّل “الموصوف” من العنوان الروائيّ “الطوفان” بحساسيّة الإفراد والتعريف الخبريّ البارزة يحتلّ نصف الصورة العنوانيّة، فإنّ الجزء الثاني “الصفة” يحيل على تعميق البُعد اللامكانيّ في جزء الصورة “الثاني”، بمعنى أنّ ثمّة طوفاناً أوّلَ سبقَ الطوفان الثانيّ بحكم التعاقب العدديّ التقليديّ؛ وأسّسَ تقاليد مُعيّنة على مستوى إشكاليّة المكان واللامكان، فصار “الطوفان الثاني” مناظراً للطوفان الأوّل من حيث إعادة إنتاج الرؤية والإشكاليّة المتعلّقة بالهُويّة وفلسفتها ورؤيتها السرديّة.)

يخوض البحث في مقاربة نقدية لتوصيف الهوية المكانية في الرواية، من خلال جسر مكاني يربط بين (لندن) و(بغداد) عبر (عمّان)، وهو مكان متموّج بحسب ما يرى الباحث على نحو ينسجم مع حقيقة الأطروحة السردية في الرواية:

(تظهر في رواية “الطوفان الثاني” شبكة من الأمكنة ذات المرجعيّة الواقعيّة المعروفة ولاسيّما مدينتَي “لندن” و”بغداد” بوصفهما الحاضنة المكانيّة الأصل للحدث الروائيّ، فضلاً على مدينة “عمّان” بوصفها مدينة وسيطة للعبور، وأمكنة متحرّكة ومتحوّلة مثل وسائط النقل المتنوّعة، وأمكنة أخرى عديدة كالفنادق والدور السريّة في الصحراء العراقيّة والغرف المستأجَرة وغيرها، غير أنّ هذه الأمكنة كلّها على صعيد علاقتها بالشخصيّات بَدَتْ وكأنّها خالية تماماً من الهُويّة المكانيّة القائمة على الثبات والصيرورة والأمان، فالمكان السرديّ في علاقته بالشخصيات يظهر ويغيب، يتحرّك ويقف، يتكلّم ويصمت، يبرز ويختفي، يحمي ويخون، اعتماداً على قوّة حضور الشخصيّة فيه وقدرتها على التعامل معه وتشغيله سردياً على النحو الذي يخدم الحادثة السرديّة.)

تتنوع الأمكنة الداخلية بحسب رؤية الباحث داخل أجواء الحرب التي رافقت الاحتلال في العراق، فتكشف الرواية في إطار الصراع بين المكن واللا مكان عن طبيعة الهجمة الشرسة التي تعرّض لها العراق، في ظلّ فتح الأمكنة على المحيط الإقليمي والدولي وتحويل الحرب إلى صراع غامض وواضح في وقت واحد، وتتعرض بعض الأمكنة مثل (ملجأ العامرية) إلى تدمير بشع لأناس بريئين لا علاقة لهم بالحرب:

(تهيمن أجواء الحرب على الفضاء السرديّ في الرواية، وهي تسهم كثيراً في تقويض الأمكنة وتدميرها وإزاحتها تشكيلياً نحو فضاء اللا مكان، وينتخب الراوي في هذا السياق مكاناً مخصصاً لاختباء الناس في أثناء القصف الجويّ الذي يطال الأمكنة الظاهرة فوق سطح الأرض، وهذا المكان يسمّى “الملجأ” ويشيّد في مناطق آمنة تحت الأرض بتقانات حماية كافية، ويشير الراوي كلّي العلم إلى ملجأ شهير في بغداد هو “ملجأ العامريّة” لم يصرّح باسمه لكنّ الدلائل تشير إليه تلميحاً هنا، وقد كان لفرط قوّته الأمنيّة مخصّصاً لعوائل كبار الضباط والمسؤولين في العراق وقت الحرب، لكنّ الطائرات تمكّنت من اقتناصه وتدميره بالكامل في فاجعة كبيرة راح ضحيتها المئات من البشر، وإذا ما قاربنا الحساسيّة المكانيّة لهذا المكان “الملجأ” وما حصل له في هذا المفصل من مفاصل السرد الروائيّ، فبوسعنا القول إنّ هذا المكان هو في الأصل “لا مكان” لأنّه يختفي تحت الأرض ولا يُرى على السطح، لذا فهو مكان مخبوء لا يُرى بمعنى أنّه لا مكان كي يتمكّن من الحفاظ على سريّته وخفائه، وممّا ضاعف من محو مكانيته تعرّضه للهجوم واحتراقه ومحوه على نحو يسرد فيه الراوي أبعاد هذه اللا مكانيّة).

جاء البحث الثالث بعنوان (رمزيّة العنوان وإسقاطاته الدلالية: قراءة نقدية في رواية “الطوفان الثاني” لفاتح عبد السّلام) للأستاذ الدكتور محمد شيرين تشكار (رئيس قسم اللغة العربيّة وبلاغتها/كلية الإلهيات/جامعة يوزنجو ييل/تركيا) والدكتور مراد كافي، وقد ركّز البحث في قراءة نقدية مستفيضة على فلسفة العنونة وشحنات العنوان السيميائية، من خلال رؤية نقدية ذات طبيعة فلسفية حاولت أن تقارب العنوان مقاربة ثقافية تتجاوز الفضاء اللغوي العام:

(أفرغ فاتح عبد السلام صاحب رواية “الطوفان الثاني” حمولاته الفكرية على امتداد مساحة سردية بلغت ثلاث مائة وأربع وستين صفحة، طرح فيها قضايا مختلفة تتعلق بصراع المتناقضات والأضداد؛ كالوطن والغربة، والوجودية والعدم، الانتماء والتأقلم، الحقيقة والوهم، الحرية والتقييد، الممكن والمستحيل، التبعية والاستقلالية، الحلم والواقع وغيرها من القضايا التي تصوّر معاناة الإنسان العربي المغترب الهارب من أتون الحروب، الساعي إلى البحث عن الذات في بلاد المهجر الأوروبية، حيث تنتفي القيم الشرقية مصطدمة وتابوهات المجتمعات الغربية؛ لتؤول الذات الشرقية إلى ذات أخرى تحاول الاندماج مع إحداثيات جديدة في مجتمع جديد يفرض على الوافدين إليه ارتداء اللبوس الغربي المنفتح الحرّ مقابل منحها أبسط حقوقها التي كان من المفترض أن تنعم بها في بلادها الأم؛ من مثل الأمن والسلام ومساحة لا بأس بها من حرية الرأي والفكر.)

وسعت البحث إلى تحليل صورة (الطوفان) بما تنطوي عليه من حمولات لغوية وفلسفية وأسطورية ضاربة في أعماق التاريخ الإنساني، والعربي منه على نحو خاص، وإخضاع هذه الرؤية لفاعلية سردية تتسردن فيها الأشياء والقضايا والأفكار والقيم، على النحو الذي يكشف عن قدرة الروائي على عرض الأحداث وتصويرها برؤية معاصرة، تستحضر التاريخ والأسطورة والذاكرة والمحكي المتوارث من أجل بعث رؤية جديدة تشتغل عليها الرواية:

توظيف الخيال

(لقد نجح الكاتب في سردنة هذه القضايا عندما أبدع في توظيف خياله الروائي الخصب وهو يختار لها عنونًا رمزيًّا جامعًا (الطوفان الثاني)، وقد اجتمعت معاجم اللغة على أنّ الطوفان هو ما كان كثيرًا أو عظيمًا من الأشياء والحوادث بحيث يطغى على غيره سواء كان سيلًا أو ريحًا أو ظلامًا أو نارًا أو أي شيء يزيد عن حدّه وتكون نتيجته الهلاك، وهي مشتقة من الطوف؛ أي ما يطوف ويدور، ثمّ أطلقت على الحادثة التي تحيط بالإنسان حين يكون الماء العظيم عاملها، وقد ورد في القرآن قوله تعالى:{ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمِ الطُّوفَانُ}، وقوله تعالى أيضًا{ فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ} إشارة إلى الهلاك المرسل).

لقد توغل البحث عميقا في باطنية العنونة ثم من بعد ذلك المتن الروائي للحصول على نتيجة قرائية، تؤكد تماماً غزارة الموضوع السردي في هذه الرواية وانطوائها على أبعاد زاخرة بالمعنى العابر للحدود التقليدية في السرد:

(أراد فاتح عبد السلام لهذا العنوان أن يخلق إلهامًا لدى مستقبله وهو يقلّب فصول روايته جالبًا الأبعاد الترميزية المحتملة للطوفان الثاني لكي تعينه على قراءة أكثر عمقًا ودراية، على اعتبار أن الراوي كان راويًا عليمًا بالسرد وفق ما أراده فاتح من توظيف عملية التبئير السردي لراويه، بحيث يحيط علمًا بالحقائق الواقعة والتي ستقع لاحقًا، ولكن يهمّه أن يخلق حسّ الإلهام والشغف القراءاتي لدى المتلقي وهو يبحر في سرديات الطوفان الثاني مستذكرًا دائمًا أنّ ثمّة طوفانًا آخر يسبق هذا الطوفان. لقد أحاط هذا العنوان بأحداث منعطف تاريخي كبير شهدته المنطقة العربية (الشرق أوسطية) عبر بوّابة العراق، حيث بدأت خريطة جديدة للشرق الأوسط؛ ممّا أفرز معطيات جديدة على المستويات الديموغرافية والإيديولوجية والعقائدية إلى جانب المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية خلقت قوانين جديدة، وأفرزت دستورًا جديدًا في علاقات الشرق الأوسط العربي والسياسة الأمريكية الأوروبية، وكل هذا وذاك حمّله الكاتب رمزية العنوان” الطوفان الثاني” الذي اكتسب أهميته على أبعاد ثلاثة هي: البعد التركيبي والدلالي والتداولي.)

عالج البحث الرابع موضوع الذاكرة وجاء بعنوان (الذاكرة والبحث عن الهوية الضائعة: اشتغالات الذاكرة في رواية (الطوفان الثاني) لفاتح عبد السلام) بقلم أ.د سوسن البياتي/ جامعة تكريت/ كلية الآداب، وقد ركزت الباحثة على فعالية الاستذكار بوصفها فعالية سردية تعرف في النظرية السردية بـ(الاسترجاع)، وحاولت من خلالها ضبط الإيقاع الروائي الزمني في هذه الرواية عبر الشخصيات التي تختلف في اعتقاداتها لإفراز مادة سردية مناسبة للرواية:

(في الرواية نجد الكثير من الاستذكارات التي نجد من خلالها فاعلية الذاكرة واشتغالها بحيوية وطاقة مركزية لتكون بؤرة سردية ينطلق منها اغلب الشخصيات، فهناك قصة شهاب وما حدث له مع الدبة، وفيه نجد اشتغال الموروث الخرافي وايمان الشخصيات بهذا الموروث المتعلق بتلبس الجان، وكيف يصبح الانسان تابعا له، وهناك قصة حج العمة نوال التي يرويها احدى الشخصيات المقربة من عم كمال، وكيف انه رأى العمة نوال وهي تطوف حول الكعبة في الوقت الذي لم تحج فيه العمة، دلالة على الكرامات التي عرفت بها، وهناك قصة سجن العم وكيف أطلق سراحه، وغيرها من القصص التي تعتمد على الذاكرة وترضخ لمتطلباتها السردية. لقد استطاعت الذاكرة ان تخلق مادة سردية قابلة لإعادة انتاجها وتركيبها من جديد، لاسيما وان مرجعيتها الواقعية تسمح بمثل هذا التحول المرن، وتستوعب نقاط التحول فيها، فذاكرة الشخصيات مرنة، توجه الأحداث على النحو الذي تسعى إلى ربطها بما تتعرض له من أحداث في حاضرها، وكأن بين الاثنين خيط رابط لا يمكن فصل أحدهما عن الاخر.)

جاء البحث الخامس بعنوان (الرؤية المكانية في رواية (الطوفان الثاني) لفاتح عبد السلام) بقلم أ.د. نبهان حسون السعدون، قسم اللغة العربية / كلية التربية الاساسية بجامعة الموصل، كي يتناول الرواية من خلال مجموعة من المفاهيم السردية حول الرؤية، وبما أن الرؤية السردية تعدّ أساسية وجوهرية في العمل الروائي فقد اجتهد الباحث في إخضاع الرواية لمقاربة تتسم بالبعد النظري، فبدأ بحثه بـ(مدخل: مفهوم مصطلح الرؤية المكانية) صال وجال فيه من خلال أهم المراجع السردية المعروفة في هذا المجال، وقسم بحثه على مبحثين جاء الأول بعنوان (الرؤية التشكيلية) تناول فيه ثلاث صور لهذه الرؤية هي:  (الرؤية الأفقية/الرؤية العمودية) ثم (الرؤية التشكيلية من الجزء إلى الكل) ثم (الرؤية التشكيلية من الكل إلى الجزء)، وجاء الثاني بعنوان (الرؤية السينمائية) وقد تناول فيه ثلاث صور أيضاً هي: (الرؤية الشمولية: الرؤية المشهدية: الرؤية التجزيئية)، وقد مثّل بمجموعة من الاقتباسات من المتن الروائي للتدليل على كل صورة من صور هذه الرؤية، مؤكّداً على وعي الروائي بذلك والعمل عليه بمعرفة وإدراك وفن وجمال.

عنون أ. د. إبراهيم مصطفى الحمد/ كلية التربية للعلوم الإنسانية بجامعة تكريت بحثه في هذا الكتاب بـ(مَتاهة العالم في رواية الطوفان الثاني)، فهو يشير في هذا البحث إلى جملة من القضايا الفنية التي أجاد الروائي في الاشتغال عليها، فضلاً عن جملة من القضايا الفكرية ذات الطابع الإنساني وقد استطاع الروائي الإحاطة بها بذكاء سردي واضح:

(إننا إزاء رواية مكتنزة بالواقعية السحرية، التي رسم معالمها الكاتب بمهارة عالية، استطاع من خلالها منحنا مشاهد متشابكة ومتداخلة حد الغموض، لكن معالمها واضحة، وخيوطها ممدودة بمهارة وحرفية باذخة، مما حدا بنا إلى القول إن الكاتب هنا يرسم متاهة العالم، وهو يجعل من عنوان الرواية “الطوفان الثاني” دالة أيقونية، تتجلى في كل تفاصيل المتن الروائي للرواية وتتقاطع مع أحداثها ومفاصلها كافة، فالرواية عبارة عن طوفانات متلاحقة ومتداخلة ومتشابكة على نحو سوريالي غائم مُحَيّر، غطى الكاتب فيها كل الحروب التي جرت في العصر الحديث، بدا من الحرب العالمية وليس انتهاء بما نعيشه الآن، لأن الرواية ذات نهاية مفتوحة ولا أقول سائبة، فهي مفتوحة على نحو قصدي يحتمل تأويلات كثيرة، مثلما هو الوضع الراهن الذي لم ينته إلى نهاية معينة واضحة لحد الآن، بل مازال مفتوحا على توقعات وتنبؤات واحتمالات لا حصر لها، تنظر إليها الشعوب بعيون راجية، بينما ينظر السياسيون بعيون مخاتلة ومريبة وبراغماتية نفعية لا تحسب للجوانب الإنسانية حسابا، بقدر ما يهمها البناء الاقتصادي الهائل للدول المتقدمة على حساب تدمير الشعوب، والسيطرة على مقدراتها وخيراتها في ظل سياسة العولمة والفكر الرأسمالي الذي يغذي الفكر الراديكالي الإسلاموي لدى شعوب العالم الثالث لتحقيق مآربها).

وجاء بحث طلال زينل سعيد بعنوان (مستويات الشخصيّة المحوريّة في رواية “الطوفان الثاني”) وقد قارب فيها عنصر الشخصية بمستوياتها المختلفة، وذلك على اعتبار أن عنصر الشخصية هو واحد من أبرز عناصر التشكيل السردي في الرواية، وبدأ مع الشخصية المحورية في الرواية من بداية تشكّلها في الحادثة السردية الروائية:

(تقدّم رواية “الطوفان الثاني” لفاتح عبد السلام شخصية “إدغار/كمال” بوصفها الشخصية المحورية الأبرز على طول مساحة الفعل والحدث الروائي، فبعد أن التقطه “كريستو” الإنجليزي هو وزوجته من البحر وقد غرق أبوه وأمه وهم يحاولون الهجرة من العراق بمخاطرة غير مأمونة العواقب، ويصبح على نحو ما ابنهما ليطلقا عليه اسم “إدغار” بدلاً من اسمه الأصلي “كمال”، ويتعهّداه برعاية سليمة مشفوعة بالإنسانية والوعي تبدأ شخصيته بالظهور تحت عناية كريستو على هذا النحو، الذي يجعل منه أشبه بابن حقيقي له لا يقصّر في تربيته على أفضل ما يكون)

إذ إن شخصية (كمال) هي الشخصية المحورية في الرواية وهي التي صنعت بؤرة التوتر في الفعالية السردية للحدث الروائي، وقد وجد الباحث أن الروائي نجح في صوغ مجموعة من التمثلات السردية لهذه الشخصية عبّرت عن جوهر الأطروحة السردية فيها، وقد توغل الباحث في أعماق هذه الشخصية للكشف عن وظيفتها السردية في تشكيل الرواية:

(يمكن القول هنا إن الشخصية المحورية “كمال” تفاعلت على نحو كبير من مناطق التوتر الرئيسة في الحدث الروائي، وذلك في مختلف مناطق وطبقات وتحولات السرد بحيث استجابت الشخصية لطبيعة الحدث استجابة كاملة، إذ إن كشف مناطق التوتر السردي في الرواية يتجاوز الأحداث الميدانية بواقعها الحركي الظاهر إلى الجانب الفكري في تمثلات الشخصية المحورية، حيث تبدأ هذه الشخصية من خلال ما تصادفها من توترات كبيرة في مسيرة الحدث بطرح أسئلة ذات طبيعة وجودية، تجعل من التوتر الحدثي سبيلاً لإطلاقها حتى ولو بدت وكأنها بلا إجابات ممكنة ومحتملة، وتصعّد من حدّة الإحساس الخطر بالحياة في ظروف حياتية ونفسية بالغة التعقيد)

جاء البحث الأخير في الكتاب بعنوان (البحث عن الذاكرة المغيَّبة/قراءة في رواية “الطوفان الثاني” للعراقي فاتح عبد السلام) للباحث مروان ياسين الدليمي، وقد عالج الباحث هذه الرواية برؤية جمالية وموضوعاتية حرة من خلال التركيز على الشخصيتين المركزيتين في الرواية وهما شخصية (كمال) وحبيبته (سالي) وعلاقتهما بالوطن:

الطوفان الثاني

(في رواية “الطوفان الثاني” للكاتب فاتح عبد السلام الصادرة عام 2020 عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت، يتحول المنفى إلى محرك أساسي لفعل السرد، وفي رسم مصير الشخصيتين الرئيستين، كمال وسالي، خاصة وأنهما لم يختارا العيش في المنفى بإرادتهما، إنما كان الخيار ابعد ما يكون عن إرادتهما، بسبب الحرب التي كانت تعصف ببلدهما العراق، وحتى بعد أن ابتعدا مسافات بعيدة عنه، اجتازا فيها بحارا ومحيطات، وحطت بهما الرحال في انكلترا، إلاَّ أن الوطن ظل يتبعهما. كمال الذي غادر العراق وهو طفل صغير في عامه الخامس، لم يكن يدرك حقيقة علاقته بالوطن، ولم تكن قد تشكلت معه علاقة وجدانية، خاصة وأنه في أثناء رحلة اللجوء، فَقَدَ والديه وشقيقته الصغيرة في البحر، لكنه بقي هاجسا غامضا يراوده، فبدت العلاقة بينهما تطرح عليه أسئلتها، وأمام سطوتها كان يحاول أن يقترب منها ليفهمها، ويفتح مغاليقها، حتى غدا العراق مكانا مجهولا يناديه بصوت هامس ويدفعه إلى أن يستكشفه، ولم يمنعه من الاستجابة إلى هذا الصوت، ما كان يسمعه من أخبار ترسم صورة عن بلد يسوده العنف والاقتتال، لأن هاجس البحث الذي يسري في عروقه، كان أقوى من أن يدفعه الخوف إلى التراجع عن محاولته في اكتشاف جذوره).

واستنتج الباحث القيمة المعرفية لهذه الرواية في الصراع المهم بين الواقع والمتخيّل، حيث إن الرواية تقدم واقعاً مستعاراً من المرجع الواقعي للأحداث لكنها تمضي في فضاء التخييل بدرجة مناسبة من درجاته، على النحو الذي جعل منها رواية تنويرية:(نحن أمام رواية فيها جهد فني كبير، لبناء عالم واقعي متخيل قرين للواقع الذي عاشه العراقيون في الأيام الأولى للاحتلال الأميركي، وتكتسب أهميتها في أنها تطرح لغة مفارقة، تتوغل في أعماق الشخصية العراقية التي عانت ظروف الحصار خلال تسعينات القرن الماضي، ثم رصدتها عند تخوم المنافي، وهي تواجه محنة الاغتراب، ومن ثم العودة إلى الوطن الأم، بحثا عن الجذور، ولتهرب مرة أخرى إلى المنفى بعد أن تحوَّل الوطن إلى خراب).إنّ هذا الكتاب بلا أدنى شك له أهمية تتجاوز حدود الاحتفاء بروائي عراقي تستحق أعماله الاحتفاء، وتنطوي على أهمية متنوعة من حيث تعدد البحوث وتنوعها ضمن مشروع بحثي ونقدي قاده الناقد الدكتور محمد صابر عبيد قبل سنوات، وكوّن له فريقاً بحثياً نقدياً أنتج فيه عشرات الكتب وصارت هذه المنهجية التي انتهجها مسارا نقديا سار فيه كثيرون، ويأتي هذا الكتاب النقدي الذي قارب وقرأ رواية (الطوفان الثاني) لفاتح عبد السلام ليتوّج هذه المسيرة؛ وليكون له شأن في المكتبة النقدية العربية الحديثة بكل قوة.

{ كلية الآداب/جامعة سامراء