داعش ومنظومة الإرباك

داعش ومنظومة الإرباك

لاشك ان المنظومة القيمية الجديدة التي يحاول داعش فرضها بالقوة على المناطق التي يسيطر عليها اثارت الارباك في البناء الاجتماعي لتلك المناطق ، فتبديل العادات والتقاليد الموروثة والعلاقات الاجتماعية السائدة والدين كلها ادخلت تلك المناطق بنوع من الازدواجية المرعبة لا يمكن زوالها بسهولة من المجتمع بمرور الزمن . هذا اذا فرضنا ان تاثير داعش قد يزول سريعا . اما اذا لم ينته بفترة قريبة فان تلك المجتمعات مقبلة على تغيير خطر في الهوية الثقافية هو الاسوء على مر التاريخ . فالصراع الثقافي الديني سوف يكون على اشده . هذا الصراع لا يمكن فهمة من قبل المجتمع على انه صراع ، خصوصا وان المجتمع العراقي هو مجتمع فقهي اي لا يستطيع تبني اي عنصر ثقافي جديد دون الرجوع الى الفقه ليسال هل يجوز ام لا. واقرب مثال هو دخول الستلايت للعراق وما احدثه من ضجة على كونه حلال ام حرام . فمثل هكذا مجتمع سوف يفرض عليه الدين ، ليتخلخل بكل نواحي الثقافة ، ونحن نعلم ان الدين والثقافة لا يلتقيان في بعض الحلقات والمفاصل . وقد يحرم الدين بعض العناصر الثقافية وبعض الشعائر الثقافية حتى ، مثل التماثيل والغناء الفلكلوري .طبعا اذا كان الدين سمحا كديننا في مناطقنا ، فكيف في مناطق التي يسيطر عليها داعش ودينه المستورد . هذا الامر هو لثقافة المسلمين في تلك المناطق ومنظومتهم القيمية ، اما غير المسلمين فالطامة اكبر لان الثقافة الاسلامية معروف انها تختلف عن الثقافات الدينية الاخرى لا بل قد تتقاطع في احيان اخرى ، فالدين الاسلامي دين احكام وتشاريع ، فكيف تستطيع تغير ثقافة مجتمع غير مسلم لايؤمن بالاحكام والشرائع الاسلامية بشهرين اوثلاثة اشهر رغم جوار الاسلام لاكثر من الف واربعمئة سنة ، دون ان يغير الاسلام ثقافتهم . كيف يستطيع شخص غيرمسلم تقبل ثقافة جديدة في ثلاثة اشهر وتبنيها بل وفهمها ايضا. نحن نعلم ان الاسلام حينما دخل الى المناطق الغير مسلمة لم يدخل كما دخل داعش اليوم ، بهذه الصورة الغوغائية المرعبة وكانهم ياجوج وماجوج ،بل دخل عن طريق ما يسمى (التدرج الثقافي) عن طريق التجار والطلاب والمسافرين ,والطريف ان الاسلام نادرا ماكان يستعمل المبشرين في نشر تعاليمه في تلك المناطق ، وتم تقبله في المجتمع بصورة تدريجية .وتم انصهار التعاليم الدينية والاحكام والشرائع في الثقافة الاخرى دون المساس بها وبموروثهم الشعبي ، وبالنتيجة انتشر الاسلام بسرعة كبيرة في تلك الثقافات لانه لم يشوه او يغير تلك الموروثات . وعليه كل يوم يمضي على تلك المناطق وهي تحت سيطرة داعش هو يوم تمسخ فيه هوية تلك التجمعات الثقافية وكلما طال بقاء هذا السرطان سوف تتغير القيم والموروثات الثقافية في تلك المجتمعات الى ابد الابدين …

والسلام

سمير باكي – بغداد