خطوة مهمة جاءت متأخرة – مقالات – طالب سعدون

خطوة مهمة جاءت متأخرة – مقالات – طالب سعدون

إنتهت قبل أيام القمة العربية في القاهرة بقرارعُد الابرز بموافقتها من حيث المبدأ على تشكيل قوة عسكرية عربية مشتركة ، وهي خطوة انتظرها العرب طويلا ، لكنها جاءت متأخرة كثيرا ، وفي  وقت أصبحت الخلافات سمة بارزة في العمل العربي ، والمنطقة عموما ، وقد تحول هذه الخلافات دون تحقيق الحد المطلوب من الاتفاق على مثل هكذا خطوات كبيرة ..

وقد ترك الانتساب للقوة المقترحة إختياريا  للدول الاعضاء ، وليس ملزما حسب إتفاقية الدفاع  العربي المشترك ، التي لم تعمل بها جامعة  الدول العربية  ، حيث كان الجانب العسكري غائبا عن نشاطات الجامعة العربية وفعالياتها الرسمية ..

فلماذا لم تنشيء الجامعة  العربية مجلسا خاصا لوزراء الدفاع  العرب ، على غرار المجالس المتخصصة الاخرى ، كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي ، ووزراء الداخلية ، والاسكان والاعمار وغيرها  من المجالس ، ولها أمانات عامة ، وتعقد اجتماعات دورية ، رغم خطورة الظروف التي مرت بها الامة العربية ، ولا تزال ، وهددت وحدة وحياة أبناء دول عربية عديدة ، وكانت تتطلب وجود مثل هذا المجلس ..

وقد يوحي مبدأ الإختيار بالانضمام الى القوة العربية وجود أراء متباينة حول هذه الخطوة ، حالت دون  تحقيق الاجماع عليها ، وقد تتبعها خشية من عدم حصولها على الاجماع ، أو الاغلبية  في المناقشات اللاحقة للقمة بعد شهر ، وبالتالي سيكون تشكيل ما يسمى ( عاصفة الحزم ) في اليمن التي تشكلت بسرعة ، هي الاساس ونواة القوة العربية المقترحة ، وقد تفضي هذه الحالة الى خلق محاور وانقسامات داخل الصف العربي ، أكثر مما هو عليه الحال الان ، وستجهز على ما تبقى من تضامن لم يتحقق منه في المرحلة الماضية حتى حده الادنى .

وفي كل الاحوال  أن تشكيل قوة بمهمة تناط بها مسؤولية حفظ الامن القومي العربي والوطني للدولة المهددة ، يحتاج الى وقت طويل ، ومناقشات مستفيضة من المتخصصين تتناول كل التساؤلات التي تدور في الذهن حول عددها وقيادتها ومواردها المالية والتسليحية ، لكي يطمئن الجميع على نجاحها .

ورغم أن الوضع العربي الراهن ، لا يسر ، ولا يرضي ، لكن لا يخالجني أدنى شك أن العرب أمة حية ، ليس بأرادتهم إختاروا ذلك  ، بل هي حكمة الهية ، وإرادة ربانية ، عندما نزل القرآن  الكريم بلغتهم ، وهي لغة أهل الجنة التي وعد الله بها الصالحين ، ويتلى كتابه بلغتهم ، ما دامت الارض تدور ، ويكبر باسم الله في الليل والنهار ..

والاقراربهذه الحقيقة لا يعني تجاهل ما يعتري الواقع من سلبيات إنحدرت بالأمة الى ما هي عليه اليوم من تشتت وفرقة ، وإستباحة لأرضها من قوى ظلامية تخالف شريعة الله  ، ونظرة انانية عند البعض ، لا تتفق مع روح الجماعة  التي شدد عليها الله  سبحانه وتعالى  ، وأصبح التواصل بين الاشقاء عسيرا ، بعد ان  أغلقت الدول العربية أبوابها أمام  المواطن العربي ، وأقامت جدرانا عازلة ، وخنادق يصعب عبورها ، وأسوارا من المحال تسلقها ، واجراءات مشددة على مداخلها ،  والتشدد في سمات الدخول ( الفيزا ) ، قياسا الى دول اجنبية ، كان التواجد العربي فيها كبيرا ، والرعاية فيها  تفوق حتى ما يحظى به العربي في موطنه الاصلي .

 واذا ما تيسر لعربي ، أن يدخل بلدا عربيا ، فانه يتجرع  الألم  ، والمهانة  ، والمرارة ،  ويتمنى لو لم يكن عربيا ، إبتدأء من لحظة دخوله الى المطار، والاسئلة والاستفسارات  تلاحقه ،  وكأنه متهم ، وعليه أن يبرىء نفسه مما في ذهن المستجوب من ظنون وأوهام وعقد .

واذا ما حالفه الحظ ودخل  ذلك ( الفردوس ) ،  فأن عليه  أن يجتاز رحلة  أخرى من المعاناة والوقوقف على أبواب دوائر الاقامة عله يحظى بالاقامة .

 وتلك الاجراءات المتشددة لا تمت الى العروبة بنسب  ، ولا الى الديانات بصلة  ، ولا الى المصير المشترك برابط ، في حين يحظى حامل الجواز الاجنبي باحترام  ، وسرعة الاجراءات عند المداخل الحدودية ، والاقامة ، ولم يُسأل إن كان زار ( اسرائيل ) أم لا !!!!!!!

فهل يتفق ذلك مع ما نسمعه  من تهديد ووعيد ضد من يجرب ( حظه العاثر) وينال من كرامة المواطن العربي ، وهو يتعرض لهذه ( الاهانات ) والازدواجية في التعامل من اشقائه وبني قومه ..

 وفي كل الاحوال إن بناء منظومة أمنية عربية فاعلة ، وقوة عسكرية جبارة للدفاع عن الارض العربية ،  خطوة  مهمة طال انتظارها … ولكي تحقق هدفها القومي بنجاح وتنقل العرب من حالتهم الراهنة الى حالة اخرى مغايرة تماما لما هم عليه ، ويكون لهم مكان لائق  في العالم المعاصر لابد أن تستند  تلك القوة على قوة اقتصادية جماعية متكاملة ، وسوق عربية مشتركة ، وحرية تنقل البضائع والاشخاص بحرية  بدون قيود أو شروط ، وهي أمور اصبحت  متداخلة مع بعضها  في عالم اليوم .. وهذا ما ينبغي أن يضعه  العرب المعنيون  بمناقشة القوة العربية في جدول اعمالهم اثناء مناقشتهم ، بعد أن أخذت عشرات السنين من البحث والنقاش والاجتماعات في الجامعة العربية ، ولم تسفر عن نتائج مثمرة  ..

والعرب  ليسوا استثناء من قاعدة سبق أن طبقت ونجحت في بلاد الغرب عندما شكلوا السوق الاوربية المشتركة التي وحدت القارة الاوربية ، وأتاحت  لمواطنيها حرية التنقل  بين دول المجموعة ، وأمنت حدودها  بقوة جبارة وحلف يستمد قوته من الانسان بعد أن وفروا له قاعدة اقتصادية كبيرة تؤمن  له مستلزمات حياته وأمنه …

فهل يعي العرب الدرس من تاريخهم ، ومن تجارب الاخرين ..؟

نتمنى ذلك ..