خطاب الأنوثة وتعزيز الهويّة في يوميّات شفق الزّغلول لمنى ظاهر
شعر يزخر بجموح المعنى وبأوصاف النباتات البرية
لطفيّة الدليمي
منى ظاهر كاتبة وشاعرة مشغولة بذاكرة فلسطين ومهمومة بجماليات اللغة لتوظّفها في كل عمل ونص من نصوصها، وفي كتابها الجديد يوميّات شفق الزّغلول ــ الصادر عن دار فضاءات ــ الأردن2011 ــ تواصل منى لعبتها اللغوية وتؤكد ولعها بتخطي الحدود بين السرد والشعر واليوميات والتسجيل التاريخي والكتاب اقرب إلى النص المفتوح الذي لا يمكن إخضاعه لجنس أدبي محدد، فهو وإن أطلقت عليه الكاتبة مسمّى اليوميات إلا أنه ينعطف مرة إلى أدب البوح الذاتي ليعود إلى تدوين الأحداث ضمن حاضنة الطبيعة الفلسطينية وشجرها وطيورها ونباتات براريها وسهولها وجبالها..
سحر الطبيعة
يحتفي نصّ منى بشعرية العبارة وجموح المعنى ويزخر بأوصاف النباتات البرية والثمار التي تدرجها أحيانا في السياق العام على نحو مباغت أو تستوحي بتوصيفاتها سحر الطبيعة الفلسطينية الخلابة وما تزخر به من جمال وغرابة أهملتها النصوص الفلسطينية طوال عقود من الانشغال بالهم السياسي والكتابة المقاومة ..
تأخذنا منى في رحلة هذه اليوميات وتنبهر أنفاسنا ركضًا بين الأزمنة والأمكنة الفلسطينية وتمثّلات الأنوثة وتجليات التاريخ الذكوري في عنفه ودموية غزاته وفتكهم ..
تنشغل منى بعملية تشكيل صور المشهد الفلسطيني وتركيبه من مرئيات الحاضر ومخزون الذاكرة الأنثوية فتستخدم الكولاج لتوائم بين الصخرة والأغنية وبين العشق
والزهرة والدم ورحيق الثمار وريشة الطاووس وزرقة البحر ، وكما تعنى بالطبيعة ورخامها وأشذائها وألوانها وثمارها وشجرها، يشغلها تدوين الحدث وتؤرخ للنكبات الفلسطينيّة والعربية فلا يغيب لبنان والعراق عن هاجس الكاتبة وهي تروي تاريخ الألم الفلسطيني فالكل موصول إلى قضية الحرية وغزو الأرض واحتلال الهوية، تقدّم منى كل ذلك عبر منظور نسوي وحس رهيف يتحرّى أغرب التّفاصيل وأدقّها وأعمق الجراح وأشد العواطف جموحًا وأبهى النباتات زهرًا وشذا ..
تنهمك منى في هذا الكتاب وكتبها الأخرى في انسحار هيامي باللغة و تمضي مع الدفق اللغوي ليأخذها التمتّع بالمفردة والترادف الوصفي إلى ابعد من حيثيّات النص ويهيمن على عبارتها حتى ليبدو الهَمّ اللغوي وكأنّه هدف مستقل يجاور النص ويجمّله ويمنحه رواء سحريًّا مرّة أو يثقل عليه تارة أخرى فتجمح المفردة وتتفلّت من فورة الشعر في مخيال الشاعرة السّاردة لتحيا الكلمة مستقلة بذاتها، شأنها شأن الثمار والنّباتات والأعشاب التي تصفها منى بمعجمية علميّة مفارقة لسياق النص المسرود بشعريّة عالية ..
وهكذا تغدو اللغة لدى منى وكأنّها غاية بحدّ ذاتها وكأنّها تتشهّى عسل اللغة كما تتشهّى مذاق العنبيّات وترشف رحيق الأمل حتى تصير اللغة في بعض المقاطع شاهقة وبعيدة المنال بالنّسبة لقارئ عادي يعنيه تتبّع الحدث ويهمّه أن يفهم سرديّات الهوية ويتعلّم أبجديّة جماليات الأرض وفتنة الطبيعة الفلسطينية التي غيّبها هم المقاومة ومواجهة الاحتلال في كثير من الأعمال الفلسطينية ..
تدوّن منى أحداث حرب تمّوز 2006 وتحضر شخصيّة زهيّة كناية عن هوية حية معاندة ومهدّدة وروح جريحة تكابر وتقف بوجه الاحتلال ــ وعبر صوت زهيّة ورؤاها تكتب منى أنوثة الأرض وتستحضر صوت عناة ورمزيّتها وخصوبتها ــ عناة هي ذاتها سيّدة الحب والولادة وازدهار الحياة ومانحة الدّيمومة.
ما يلفت الانتباه أكثر من سواه في عمل منى ــ أنّها وهي أنثى الكلمات والواعية بكنوز اللغة وسحرها ــ تلقي بسنّارتها في مياه الغيب فتقنص لنا صورًا لحاضر ملتبس محتشد بالرّموز قدر احتشاده بالوقائع، وتقدّم لنا حكايات الخوف والبسالة والتعذيب والفقد والإصرار وتمزج بين ولادة أم فلسطينيّة في زنزانتها لطفلها وائل وبين تبعثر أزهار على شكل فراشات صفراء كثيرة من شجيرات الشيح في الجولان والجليل والكرمل وجبل يهوذا وتناثرت ورود العرفجة الزّغبية ببياضها من جبل الشّيخ النابتة فيه زراند الحرش صاحبة الثمرة الشبيهة بالفانوس الياباني، وظلت أزهار بشحوب أحمرها مختبئة داخل نبات الكداد القنفذي ولون الفضّة يتألق في نبات الكداد العندمي صاحب الازهار الوردية هذا وقد زادت التواءات ثمرات السيال اللولبي التي على شكل قرن ملتو تلك النابتة في المناطق الصحراوية لتخفّف عن قارئها فظاعة ما جرى في الزنزانة لسيّدة مقيدة الرجلين واليدين يأتيها المخاض وهي ترسف في قيودها وتلد وليدها بين صلصلة القيود والصرخة الأولى للوليد تبشّر بالغد القادم..
طبيعة المكان
تعوم منى في ينابيع الارض الأم ــ عناة ــ تتفحّص بصبر غوّاصة مثابرة جذر الذاكرة الأسطوريّة والتّاريخيّة لأرض كنعان وطبيعة المكان الفلسطيني من خارجه كمشهد مرئي ومن أعماق تاريخه وتلتقط عدستها اليقظة أشذاء وألوانًا وتقاليد وأحزانًا فاضت عن حدود الألم البشري وتحوّلت إلى أغنيات ندب أو أناشيد عرس تسهم في مقاومة الموت الذي يوزّعه المحتل بعدالة شاملة على الجميع ..
يعرّفنا كتاب يوميات شفق الزغلول على جمال الأرض الفلسطينيّة وغنى الطبيعة كما نتعلّم أسماء قرى ومدن وبلدات وأشجار وجبال وثمار طالما أهملتها وغيّبتها النّصوص والمرويّات الفلسطينيّة المفعمة بالألم والدم والعذابات الإنسانيّة، دوّنت منى وأرّخت لأحداث الوجع وعنف الاحتلال لكنّها كشفت في الآن ذاته مواطن الجمال والسّحر في الأرض المستباحة لترينا فلسطين أخرى غيبّها الخطاب السياسي والنّصوص التعبويّة، وهذا الجهد الإبداعي الذي أنجزته منى يمثّل سمة من سمات الخطاب الأنوثي في دمجه بين منابع الطبيعة والحدث التاريخي، بين جغرافيا الروح والوجدان والأرض وبين تقاويم الزّمن المرقومة بالصرخة والجرح والولادة والذاكرة الشعبية الجماعية، ولعل تصدّي منى لتمجيد الطبيعة وكشفها عن مفاتن الأرض الكنعانية وأساطيرها جاء ردًّا على ذلك الإهمال الطويل لها من قبل شعراء
وكتّاب كُثُر باستثناء أعمال الرّاحل حسين البرغوثي في كتابه السّيَري الساحر الضّوء الأزرق و أصداء السّيرة ــ سأكون بين اللوز .
تتنقل بنا منى ظاهر بخطابها المفعم بحسّ الأنوثة ــ بين أمومة الطبيعة وعنف التاريخ لتقدّم لنا نماذج ساطعة من النساء الشاهدات على عصور الوجع والاستلاب فتروي لنا أسطورة الأم وصلابتها وهي تهرب بأبنائها في حرب 1967 هذه الأم المكتملة بإنسانيتّها وهويّتها ويقينها بالغد، تركض بأبنائها وسط النيران والهلاك والصّغار يحتمون بها وطنًا وهوية بعد أن هرب الرّجال، مشهد ملحميّ لطالما تكرّر في الذاكرة الفلسطينيّة المجروحة والولد الذي غدا رجلاً تعي ذاكرته لحظة شموخ الأمومة في مجابهة الموت فيرى أمّه أكبر من الله والسّماء، الأمّ الأنثى السّيّدة الباهرة حاملة وشوم النكبات وعلامات الاصطبار هي جوهر كتاب يوميات شفق الزغلول وركيزته وهي العلامة الفارقة في علوّ همّتها التي منحت كتاب منى خصوصيّته ونبرته الأنثويّة عبر يوميّات زهيّة والأخريات اللائي يبرزن ويختفين خلال صفحات الكتاب، فأعادت بهذا الكتاب هيكلة العلاقات المتشابكة بين الجمال والأنوثة والمقاومة وشيّدت الذّاكرة الأخرى بجبلة من ذاكرة النّساء وتراب الأرض لتصير فلسطينُها أمثولة فردوسية لا يسعنا الإفلات من سحرها أو تجاوز خصائصها الجماليّة المعلنة التي أعاد لها الكتاب حضورها باعتبارها عنصرًا من عناصر الهويّة الوطنيّة ..
/4/2012 Issue 4176 – Date 17 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4176 التاريخ 17»4»2012
AZP09
























