مغامرات صحفيّة جريئة خرائب حلب بعد مرابع الخير والجمال جواد كاظم غلوم 1) انتوني شديــد وموته الدراماتيكي أحزننا كثيرا الموت المفاجئ للصحفي الاميركي الجنسية /اللبناني الاصل “انتوني شديد” بنوبات شديدة من الربو في السادس عشر من شباط من العام الفائت حينما كان ينوي الدخول الى سوريا عبر الاراضي التركيّة خلسةً ، وكان يمكن علاجه وشفاؤه في احدى المشافي لولا انه دخل الاراضي السورية متخفّيا لتغطية الاحتجاجات العارمة التي تعصف بالشارع السوري حيث استخدم الجياد في تسلله وتنقلاته كواسطة نقل بعيدا عن عيون الجيش السوري وشبيحة الأسد ، فهذا الصحفي البارع يعدّ من اكثر الصحفيين مهارة وتخصصا في الشأن العربي وشؤون الشرق الاوسط عموما اضافة الى فهمه العميق لما يجري في هذه البقاع ويمتلك جرأة ومغامرة قد لانراها في غيره وسط الأحداث الساخنة من خلال تتبعه لأوضاع الناس ورسمه صورا دقيقة عن معاناتهم وظروف عيشهم ، نراه يلتقي بهذا ويلاحق ذاك وينقل بصدق احاديث الناس دون أيّ تحريف مع تميزه بالدقة في كتابة تقاريره الصحفيّة عاش في بلادنا ردحا من الزمن ، أحبّ ارض العراق وناسه حينما عيّن مديرا لمكتب العراق في صحيفة /الواشنطن بوست الذائعة الصيت وعاصر التغيير العاصف في 9/4/2003 لكنه لم يغادر بغداد وقتذاك رغم مخاطر البقاء وقدّم للعالم اجمع حكايات العراقيين وقصصهم المريرة المروّعة من فقر وتهجير وعنف لايطاق ابان الاحتلال الأميركي وكان وسط الاضطرابات التي عصفت ببلادنا ورغم ذلك كان يقول وهو في الولايات المتحدة :” مازلت أحنّ للعودة الى هذه البلاد والى اصدقائي العراقيين ” وقبل /2003 وبالتحديد في الضفة الغربية سنة/2002 وأثناء تغطيته للأحداث الساخنة في الأراضي الفلسطينية اصيب بالرصاص من قبل القوات الاسرائيلية ولكنه آثر البقاء رغم سخونة الوضع حتى يكمل مهمته في ليبيا كان “انتوني شديد” وسط معمعة الحرب وتحت وابل القنابل التي كان الناتو يسقطها على الاراضي الليبية محدثة الخراب والدمار ولكنه بقي رغم المخاطر الهائلة الى ان وقع أسيرا من قبل قوات القذافي وظل في الأسر مدة من الزمن حتى تم إطلاق سراحه والمذهل ان هذا الصحفيّ العنيد يرفض ان يحتمي بالقوات الأميركية التي كانت متمركزة في العراق وفضّل ان يقوم بدوره دون مساعدتهم على العكس من بقية الصحفيين الذين استعانوا بالمحتل لحمايتهم وكانوا يرافقون المارينز ويحتمون بهم خلال جولاتهم لتغطية اخبارهم اذكر مرة خلال احدى زياراتي المتكررة للنجف بعد عام /2003 رأيته يلتقط بعض الصور مع رفيقه المصوّر الصحفي وبجانبه حشد من الناس وراح يتكلم معهم بالعربية بطلاقة ، كان رابط الجأش مستخفاً بالاخطار التي قد تحيق به فجأة حيث تعلّم العربية منذ ان امتهن العمل الصحفي في جامعة ويسكنسن الاميركية وزادها إتقاناً حينما حصل على زمالة دراسية في الجامعة الاميركية في القاهرة ناهيك عن عقده صداقات واسعة مع الأوساط الصحفية العربية ومنها العراقية خلال وجوده في العراق فزاد إلمامه بلغتنا وتعلّق بها حاز على عدة جوائز قيّمة ومتميزة عن عمله المثابر وبراعة تغطيته للاحداث الدولية وبالأخص في الوطن العربي والشرق الاوسط عموما إذ حصل على جائزة /البوليتزر مرتين كما حصل ايضا على جائزة /جورج بولك لمرتين متتاليتين ايضا وتم تكريمه سنة/2007 من قبل المعهد العربي الاميركي وتثمين جهوده الصحفية ومثابرته والثناء على تقاريره الدقيقة ومتابعته للأحداث ونقلها للملأ بكلّ امانة وصدق .ولديه عدة مؤلفات اهمها ” ارث النبيّ ” وكتابه” اقترب الليل” الذي تحدث فيه عن شعب العراق خلال الحرب الأميركية وسنوات الغزو. لكن اهم كتبه هو ” بيت من حجر” وفيه يروي قصة أجداده الذين كانوا يعيشون في “مرجعيون ” بجنوب لبنان والكتاب عبارة عن مذكرات عاشها شديد في جنوب لبنان قرابة العام ويسعى الى استعادة البيت القديم الخاص بأجداده والعودة الى الجذور وإعادة بناء البيت ومدّ جسور المحبة بين الشرق والغرب وقد كتبه بسرد رائع شيّق عاش شديد في أتون الحرب واكتوى بنارها لكنه لم يمت في ساحات الوغى ، إلا ان نوبات الربو الحادّة قتلته وهو يمتطي صهوة حصانه كفارس للكلمة الحرّة حينما أراد أن يغطي الأحداث الدامية في سوريا ويرصد عنجهية العسكريتاريا وقسوة التعامل مع الشعوب المقهورة لكن الأجل المحتوم رصدهُ قبل ان يكمل مهامه . 2)تجاربُ خلاّقة في التقمصّ كثيرا ما تلفت نظرنا تجارب بعض الصحفيين المغامرين حينما يتقمّصون شخصيات غير شخصياتهم ويظهرون كأبطال لقصص وحوادث فيها الكثير من الغرائبية بهدف الوصول الى الحقائق ، وقرأنا عن صحفيين تخفّوا وتقمّصوا شخصيات ملفتة للأنظار ومارسوا التسوّل والأعمال المضنية كعمال يعيشون في ظروف عمل صعبة ؛ لكن الصحفي الالماني الذائع الصيت (غونتر فالراف )كانت له مغامراته الصحفية المثيرة للإعجاب حقا ، فهو لايكلّ ولا يملّ عن التنكّر باية شخصية طالما توصله الى حقائق واسرار لم يصل اليها غيره فهذا الشيخ العجوز الذي قارب السبعين عاما تعرض مراراً الى ملابسات ومواقف لايحسد عليها ؛ فمرة يتنكر بصفة عامل في مصنع ويصف اشياء لاتصدق عن اعمال السخرة التي يعانيها العمال المهاجرون في بلده المانيا وغالبا ماتعرّض هذا الصحفي الى اصابات موجعة جرّاء مشاركته العمال في مواقع عملهم حتى انه احترقت يداه في احدى المرات حين تقمص شخصية عامل مخبز ليعرض المآسي والاصابات والحروق التي يعاني منها عمال المخابز في اجواء ساخنة قد لايحتملها الانسان في ظروف عمل قاسية جدا كما عمل عدة اشهر عاملا لنقل الطرود البريدية الثقيلة ، وفي احدى مغامراته الصحفية تنكر كعامل تركي بائس في المانيا وادّى مختلف الاعمال المضنية التي لاتطاق ومن ضمنها التحوّل الى مايشبه ” فأراً للاختبار ” في احد مراكزالبحوث لكن الحادث الاغرب في مغامرات “فالراف “حينما تقمص شخصية رجل افريقي صومالي باحث عن عمل واضطر الى صبغ بشرته باللون الاسود بمعونة عاملة مكياج جعلت شعره اشعث وكيف كان الناس يخافونه عندما يجلس الى جوارهم في حافلات النقل العامة ويتجنبون الاختلاط به في المرافق العامة ومع ان فكرة تقمص شخصية رجل اسود ليست فكرة مبتكرة فقد سبقه بخمسين عاما رجل اميركي أبيض البشرة يدعى ” جون هاوارد غريفين ” حينما تنكر كزنجي ملوّن واخذ يتجول في انحاء الولايات المتحدة في الوقت الذي كانت النظرة العنصرية في اوج اشتدادها ويقال انه تناول اقراصا أدت الى اسوداد بشرته لعدة اسابيع كما ذكرها في كتابه الموسوم/ في جلد اسود . لكنه لم يعش طويلا فقد تسببت الاقراص التي تناولها سرطانا بجلده ومات على اثرها ومنذ الثمانينات لمع نجم ” فالراف ” حينما نشر مغامراته على الملأ في كتابه المسمّى(الحضيض)حيث كشف معاناة الجالية التركية المقيمة في المانيا والتي يربو عددها عن مليونين ونصف نسمة من خلال شخصية احد فتيانها واسمه /علي وما لاقاه من عذابات جراء بحثه عن لقمة الخبز ونظرة الاشمئزاز له كونه دخيلا على البلاد بالرغم من انه يحمل الجنسية الالمانية مع اسرته حقا لقد جعل / فالراف من التقمص والتنكّر فنا قائما بذاته ومثيرا للاعجاب فهو لايكتب في غرف مكيّفة كبقية زملائه انما يزج نفسه في اتون البؤس والمعاناة ويندمج مع الناس المهمشين والشرائح المظلومة وهذا مالاحظناه في كتبه حين دوّن تجاربه ومغامراته في مؤلفاته مثل /كبش الفداء والحضيض ورفقة الخاسرين لم يخطئ من سمّى الصحافة مهنة المتاعب وحتى لو لم تغضب السلطة منها وتصالحت معها في شهر عسل قصير فان غضب المجتمع ومعاناة المسحوقين والمهمشين تشكّل متاعب اخرى لاتقلّ شأنا عن هموم ومتاعب نقل الحقيقة الى الرأي العام وتبصير الناس بما يقاسيه البعض من مرارة العيش والتعامل غير الحسن لكثير من الشرائح الاجتماعية المظلومة في مجتمعاتنا المتخلفة وحتى المتحضرة 3)الرحلة الاخيرة لمصوّر صحفي عجوز اعتزال المصوّر الصحفي البريطاني (دون ماكولين) العمل الصحفي كمصوّر مغامر عاش وسط محرقة الحروب بعد عمرٍ طويل قضاه بين النيران المشتعلة في المناطق الساخنة لم يمنعه من شدّ رحاله الى سوريا قاصدا مدينة الالام “حلب ” الشهباء سابقا والغبراء حاليا ورغم شيخوخته وجسمه المنهك بعد عناء طويل قضاه في سوح الحروب حيث خدم في السلطة الرابعة سنوات طوال مصورا بارعا دقيق الملاحظة والاختيار؛ فقد عزم هذا الرجل على ان يكون وسط نيران القنّاصة في احياء وشوارع حلب محاولا التقاط مايمكنه من صور ونقل مشاهد الحرب لما يجري هناك من معارك بين قوى المعارضة وجيش بشار الاسد وأتباعه ممن بقي في هذه المدينة ولم يرحلوا صوب الحدود التركية هاربين ، طالبين اللجوء ترى ما الذي يريد ان يُظهره هذا المصور الصحفي الانكليزي الذي اعتزل عمله قبل تسع سنوات بعد ان بلغ من العمر سبعة وسبعين عاما؟؟!! رغم عصر” الفوتوشوب” وقلب الحقائق واللعب على الانظار فقد اثبت هذا الرجل للعالم بان الصورة مازالت “لاتكذب” فقد قال في تصريحاته خلال مغامرته الاخيرة هناك انه لم تكن امامه اية ادلّة مقنعة على حقيقة مايجري ولهذا قرر بمحض ارادته ان يخوض مغامرته الاخيرة ويذهب الى هناك وحده ليسجل ويلتقط بكامرته الصادقة المشاهد كما رآها بدون رتوش او اضافات او عمليات لقلب الصورة كما تفعل بعض وسائل الاعلام المغرضة فكلّ هدفه ان يُظهر للعالم حجم الخسائر البشرية التي سببها الصراع العنيف الدائر في سوريا ، اما الخسائر الماديّة فلا تعنيه ابدا وفقا لتصوّراته وآرائه وبعد عودته الى بريطانيا ارانا من خلال كامرته العجب العجاب حيث برع في تصوير مجموعة من الاطفال يتدافعون للحصول على الماء.. نعم الماء ولاشيء غير الماء.. فهذا العجوز المثابر لايأبه للدمار الذي يحلّ بالابنية والشوارع والمخازن وغيرها بقدر مايهمه ابراز الجانب الانساني قبل كل شيء والتركيز تماما على الجموع البشرية وهي تتنازع مع الحياة بكل قساوتها وفي ظروف غاية في الصعوبة التقطت كامرته اشلاء المصابين التي تناثرت في اروقة وعنابر المستشفيات ورصدت كيف تموت عوائل وتلقى حتفها حتى داخل بيوتها بفعل القذائف والصواريخ فهذا العجوز الهرِم رغم كبره وعجزه عن الركض والتخفي عن مكمن النيران كان لايبالي بمصيره امام ذلك الكم الهائل من الرصاص ويكتفي بسترته الواقية التي تحميه من النار الطائشة حيث كان هدفا سهلا وسط هذا الخضم الهائل من الأزيز المنبعث من القناصة ومع كل تلك المغامرة ؛ الا انه يقلل من اهمية وجوده هناك ويصف نفسه بانه مجرد حمامة زاجلة تنقل رسالة صادقة المحتوى الى العالم عمّا يدور هناك وقد رصدت عيونه الرقيبة حال الناس وحاجتها الماسة الى المساعدات الغذائية والطبية وعاب كثيرا على الغرب نظراً لقلّة المساعدات وانعدامها في بعض الاحيان فالطريق مقفر من اية قوافل للمعونات كي تصل الى حلب والتعهدات التي قطعها الغرب لتغطية حاجات الناس ذهبت ادراج الرياح فلا مساعدات طبية ولا أغذية سوى النزر اليسير الذي لايشبع بطنا انهكها الجوع ولاتطبب جرحا عميقا واسعا ويجدر ان نذكر ان السيد ماكولين تعرّض كثيرا الى الأذى في اوقات سابقة خلال عمله مصوّرا حربيا فقد صوّر مناطق النزاعات العسكرية في كل من افريقيا وجنوب شرقي اسيا خلال الستينات والسبعينات من القرن المنصرم وعاش في لبنان ايام الحرب الاهلية وقد اصيب مرّة بشظايا قنبلة هاون كما تعرّض للعمى المؤقت نتيجة تعرّضه لغاز(سي أس) كما زار العراق اثناء الغزو الاميركي عام 2003 بعدها عاد اخيرا الى بلاده معتزلا عمله الا ان الظروف السياسية العاصفة في سوريا حفّزته على خوض مغامرته الاخيرة هذه حيث بقي في حلب لاكثر من اسبوع قدّم لنا مشاهد مروّعة عمّا يجري هناك ليختم حياته الصحفية بتلك المغامرة العنيفة في “خرائب” حلب بعد ان كانت مرابع للخير والجمال والبهاء. [email protected]
























