
خاطرة – حسام خوام آل يحيى
ديالى
كم أشتاق لبعضٍ من منشوراتي القديمة الضائعة؟
تلك التي حذفت مع حسابي الأول، وأعزها على روحي هي خاطرة قديمة كتبتها بعنوان (أجرة الباص وثمن لفة الفلافل واستكان الشاي المحترق الذي كان يقدم لنا في كافتيريا الكلية) ولكوني كاتب فأنا أقدر أن استحضر تلك المنشورات، واعيد كتابتها، حتى وإن لم تكن بذات الفحوى، لكنها ستكون قريبة بما يكفي لأن أعيد إليها روحها التي ضاعت مع حذفها. والحقيقة لا أعرف لماذا علقت تلك التفاصيل في ذاكرتيرغم مرارتها بهذا الشكل العميق رغم مرور كل تلك السنوات؟ أيام دراستي للقانون في كلية القانون جامعة بغداد. يوم كان المصروف شحيحاً، وشراء أي منا طقم ملابس مكون من قميص وبنطال وحذاء من ماركة رخيصة يعد بمثابة كرنفالاً من السعادة لا يضاهيه أي فرح أخر. في تلك الأيام التي كنا نحصي فيها ما في جيوبنا قبل أن نشتري أي شيء خشية أن نصرف خارج الحسبة الممضة، حسبة تقسيم المصروف لثلاثة أقسام لا يجب أن يتعداها الواحد منا أبدا. أجرة الباص من والى الكلية، ثمن ما نأكل في الكلية، ثمن استنساخ المحاضرات.
حدث ذلك في الزمن الذي كانت فيه العاصمة بغداد حرة، وشوارعها كانت رحبة غير مزدحمة، والبيوت كانت الحدائق فيها ما تزال موجودة، قبل أن تشوه تصاميم المنازل وتشطر لمساحات أصغر أشبه بالقبور. الزمن الذي كان فيه طلبة الجامعات رجالاً يعملون ليجمعوا مصروف الدراسة، وينفقون القسم الأكبر منه على أسرهم التي أنهكها الحصار الاقتصادي. الزمن الذي ما عاد يعرفه أحد سوى في منشورات نستولوجيا الذين عاشوا فصولاً منه. الزمن الذي لم يعد يتذكره أحد وأصبح طي النسيان، الزمن الذي ينبجس في ذاكرتنا فجأة اذا ما مررنا بشارع، أو رأينا بناية قديمة تأخذنا ملامحها الشاحبة نحو تلك الذكريات القديمة التي عشناها وحُفرت في ذاكرتنا للأبد.
























