حوار في معبد إغريقي
عبد الله العامري
المعبد فارغ علي غير عادته. وموحش جداً والريح تضرب من أقصاه إلي أقصاه. حيث لا شيء يصدها والسدنة قد أختفوا عن الأنظار. باختفاء فتيات المعبد. البرد قارس جداً. وقد أطفئت النيران المشتعلة. لذلك فليس هناك مشاعل للإضاءة تبدد هذه الظلمة.
جلسا تحت قاعدة الاله المتعامد مع السماء. يحدق فيها بنظرة غامضة. وقد أشتد ظلام الليل حلكة وغاب القمر في سماء منقوشة بالنجوم. كإنها ثقوب في قطعة سوداء يسطع من خلالها النور… كان حواراً بين الأثنين. وبصوت خفيض كأنه الهمس. مما زاد ظلام الليل ظلمة.
قالت بما أننا نحن الذين نخترع الكذبة. فلن نصدقها طبعاً نحن نضحك في سرنا. ولكن علينا ان نتكتم علي السر طبعاً. والمحافظة عليها ورعايتها كي تنمو وتترعرع وتقوي لتصبح عصية علي من يحاول إجهاضها هذهِ الكذبة لهم. وليس لنا. انها البضاعة المجدية الثمن. والتي نصرفها عليهم. نحن مجمع الكهان الموقر. هذهِ صنعتنا. لذا ما نقوله لعامة الناس. هو عارياً عن الصحة تماماً. وقد يكون سخيفاً. نحن لا نستطيع ان نؤمن بكل هذا الهراء. نحن ندعو الناس نعم وهذا صحيح جداً. أن تؤمن بما نخترع ونصور ونجاهد في أن يصدقوا ما نقول…!!
ستر الليل عريها الفاضح واضافت الغلالة التي توشحت بها ثوباً إضافياً. لكنها هي غير آبهة بالذي انحسرت عنه الغلالة. ورغم الظلام. فقد كانت القطع المكشوفة. من جسدها البض. يفضحها بياض جسدها اللدن. ترنمت بصوت أشبه بسقوط الندي. صوتاً يثير الشهوة الجنسية. سلساً مخملياً ينسحب مثل خيوط الحرير رهيفاً..!!
كان صاحبها الذي تماسك. ولوقت قصير لأنه كما يقول هو. الليل بينهما شيطان. يبحلق فيها كثيراً. قبل أن يفتح فمه. كان مرتبكاً جداً في هذه الخلوة. الخلوة التي أستفرد فيها دون مراقبة مجمع الكهان الموقر والذي لا تفوته فائتة ويزعم ان ما من بذيئة أو قول فاحش سار علي ألسنة العامة إلا وسبقهم إليه وتفنن فيه…!!
لذلك فالظرف ملائم وغير ملائم. فها هو إلاله بنظرته الغامضة يحدق في السماء والذي في ذات يوم سار في مقدمة الجيش. في حرب قال مجمع الكهان إنها عادلة. حرب يعرفها الجميع ليس فيها رابح كأي حرب تنشب عادة. وقد رقص الشعب في الليلة أياها. ورش الاله بأطايب العطور. وأما الفتيات فقد وزعوا القبلات بالمجان. ومارسن الجنس بشتي الأساليب. تحت الأشجار وخلف دكات الحانات وهن ينثرن الورود علي الاله تبركاً. وعلي الجيش المنتصر فخراً وإزدهاء. كما ان الشعب قد مثل بأسري العدو بشكل يرضي الغريزة الحيوانية. والشغف للدم. أراد ان يتفوه لما أصطدم بكف الاله المبتور. والساقط تحت قاعدته العريضة. مثلما هو أكليل النصر الذهبي والذي صار بحوزة الغزاة الذين ذبحوا الجند ودمروا المدينة. هو لم يعد له وجود أيضاً. عندما أسقطوا هيبة الاله. الليل يومي بالهزيمة وثمة أنين بين الأرجاء. أنين الجرحي. ورائحة نتنة تنقلها الريح لقتلي مخلفات الحرب. والتي تعفنت سريعاً. كل هذه المشاهد أرغمته أن يستعيد رباطة جأشه.
قال يخاطب نفسه وهو يحدق فيها. ان كاهنتي هذه جميلة جداً وشهوانية جداً جداً. يسيل لها اللعاب. وانا لا أستطيع طرد الشيطان. وابتسم لذلك في سره وهو ينظر إلي الاله المنكسر في الحرب بسخرية وشماتة..!
ها ان الشيطان يدخل من منخريه. ثم إلي جوفه يتسرب مع التنفس إلي الشعيرات الدموية الدقيقة. ثم إلي الدماغ ليثير غرائزه الشهوانية. ويساهم في أشتدادها الليل الساحر وعريها السافر. مما أضطر أن يعلن عن رغبته في أمتلاكها. قال لها تعالي إليّ كي أعانقك يا لؤلؤتي عسي ان تضمدي جراح قلبي. انا لست حزيناً علي المدينة والتي دمرت. ولا يهمني ما قتل من جيش. لكن يجب ان تعلمي ان مجمعنا الموقر أشد ما يخشاه هو ذهاب سلطتنا التي أقمناها منذ بداية الدهر. ورغم التغييرات التي طرأت فنحن علي مر الزمان بمقدورنا ان نبدل الهاً بإله آخر. شرط ديمومة سلطتنا. انَّ زعزعة المجمع لهيَ أشد خطراً من احتلال مدينة وفناء جيش!
كانت فتيات المعبد يغازلن الغزاة والتهأوهات التي تصدر عن اللذة لها وقع بين ركام السور. والذي كان سوراً منيعاً. لقد دك بالمنجنيقات فأصبح ركاماً من الحجر الجبلي.
قالت يا له من شعب ساذج.
قال ساخراً ومضحوحكا عليه
قالت كيف يصدق هذا الشعب ان إلهاً ذهبي ينصر جيشاً.
قال وفي وسط البحر في المقدمة من سفينة قائد القوات.
قالت ينتصر تارة وتارة يهزم من جيش آخر. هذا امر محيرا حقاً!
قال انها الكذبة الأبدية ويجب ان تمر. وحك رأسه وكأنه يفكر
قال ان سبب تفوق الأعداء لامتلاك جيوشهم عدة متطورة. وجند ممتلئة بطونهم. اما نحن فقد هزمنا لأن جندنا جياع وعدتنا رديئة. عند منتصف الليل أحتواها بين ذراعيه. احس بنعومة جسدها ولما شهقت طوق عنقها. كان كانهما شخص واحد. اغمضت عينيها واستسلمت للذة. كان هدوء الليل وهروب فتيات المعبد أضاف نوعاً من السحر. وساد الصمت. ولكن أمرأة تندب قتلاها مرت بمحاذاة الاله المبتور الكف والمهزوم حتي النهاية. وعندما اصطدمت بقدميهما ذعرت. حاولا أن لا يأتيان بأي حركة ولا ان يتكلما. خوفاً من افتضاح امرهما. كاهن وكاهنة عرس الدين!
ولكن أي عرس هذا حاول ان لا ينساق مع أفكاره لأن من الأفضل ان يعيش هذه اللحظة الجميلة، وإنْ علي مصيبة هذا الشعب. لكن ليس مهماً انه لا يصعب عليه امرً وحتي وان ضبطوه فبمقدوره اختراع كذبة سيصدقها الناس.
قال وأنا في مرتبتي الكهنوتية هذي وفي يوم اجتمع فيه الكهان. والكاهن الأعلي حين ذاك والذي لا يناقش. عندما قلت لقد توصلت إلي ان الدين خير حاضنة للخرافة في بلدنا نحن الإغريق. عندها أحتج مجمع الكهان وكدت اخسر منصبي وحياتي. ولكن الكاهن الأعلي اخذني جانباً. أي في هذا المكان وأمام هذا الاله الذي كان محترماً. وقال يا عزيزي كلنا يعلم هذا وأنه ليس كشفاً عظيماً من جانبك ولكن. وشعرت بقساوة يده عندما ضغط علي كفي ونظرته التي تدخل الرعب إلي القلب. وقال: يا عزيزي الكاهن أبلع لسانك فلن تنعم بالحياة إن عدتها مرة ثانية..!
وابتسم قائلاً لا عليك يا كاهنتي الجميلة ومما الخوف الم نكن نحن الذين أشعنا اللذة.
قالت وبأمر من؟
قال أتصدقي هذا السخف لو كان إلهاً حقاً لدافع عن نفسه. انظري ما بال كفه مبتوراً؟
قالت من يسمعك سيجن جنونه تضاجعني وأنا خادمة هذا الرب. أي تمارس شيئاُ من الحرمات في هذا الحصن الطاهر. قاطعها قائلاً وبإزدراء. هذا الحصن المنهار والاله المهزوم. قالت في الباحة المقدسة تفعل شيئاً وتقول شيئاً مختلفاً.
قال يا لؤلؤتي الجميلة أنك حقاً ساذجة. لا تختلفي عنهم رغم إنك من طينة غير طينتهم. انت الآن بين أحضاني وهذا الرب المنكسر في حربٍ ثلم فيها سيفه. سيلعنه الشعب وسرعان ما سينساه لأنه خسر الحرب. ونحن نضع المسؤولية كلها في عنقه وغداً صباحاُ سيعقد مجمع الكهان الموقر جلسة يحضرها قائد جيش المنتصرين يفوض فيها المجمع ان يختار إله المنتصرين إلهاً لهذا الشعب. ونمرر هذه اللعبة والتي لعبت منذ هبوط الإله من السماء ليجاور البشر. يأكل ويشرب. يحب ويكره. يضحك ويبكي. ينتصر وينهزم يتزوج ويتناسل إله أرضي من صنع البشر. يفصل في أقدار حياتهم. وتوقف وظل صامتاً برهة ثم قال. أنتظري غداً سنقطع هذا الاله الذهبي. لنصنع منه عملة. فهو في كل الأحوال مفيد. وبالتالي سننصب إله المنتصرين إلهاً لهذا الشعب وسينسون ذلك الذي ذوي وانطأت شعلته. وبهذا سيبقي مجمعنا الموقر فاعلاً أبد الدهر. ولن نخسر شيئاً. ونحن المنتصرون أبداً.
/2/2012 Issue 4124 – Date 17- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4124 – التاريخ 17/2/2012
AZP09























