حفار القبور
ذاتَ صباحٍ خرجَ محمودٌ البالغِ مِنَ العُمرِ أحدى عشرة سنةً إلى مدرستهِ مبتهجاً وحاملاً كُتُبَهُ في حقيبتهِ المُعلقةِ على كتفهِ. لطالما كانَ محمودُ فرداً فرحاً طموحاً, لأنَّ أباهُ كانَ دائماً يُشجِعُهُ على عيشِ حياتهِ بِسعادةٍ وعيشِ كُلِ لَحظةٍ على أكملِ وجْه.
وفي أحدِ دُروسهُ كانَ المُعلِّم يتحدثُ لهم عنِ (الثَقةِ) ويُخبرهُم عنِ الأشخاصِ الذينَ هُم أولى بالثقةِ, كالصديقِ المُقربِ وأفرادِ العائلةِ والأحبابِ وأن لا يثقوا بالغرباءِ. كما قالَ لهمُ المُعلم: يجبُ أن تثقوا بِأنفُسِكُم و قُدِراتِكُم لكي تَنالوا ما تُريدون. وعِند نِهايةِ الدرسِ بَدأَ الاستاذُ يسألُ الطلبةَ عن أهدافِهمِ المستقبلية, فمِنهُم من قالوا بأنهم يريدونَ ان يكونوا مُحاسبينَ, فنانينَ, أطباءَ, مغنينَ ومهندسينَ و إلى ما ذلكَ, غيرَ أن الغريبَ بالأمر أن محموداً قد تغيّرت مَعالِمُهُ وتعابيرُ وجْهِهِ وانتابهُ الحزن. كانت أُمنيةُ محمود بأن يكونَ “حفّاراً للقبور” مما أثارَ حَفيظَةَ المُعلِّم ودهشته. فَبدأَ بِالضحكِ وكما بَقيّةُ التلاميذِ تَعالت أصواتهم بالقهقهاتِ والضحكات التي تحملُ في طيّاتِها نَغْماتُ السخريةِ على ذلكَ التلميذِ و أمنيتهُ!
هنا بدأَ محمود يَجْهشُ بالبُكاءِ قائلاً بصوتٍ تملئُهُ غَصّةُ البكاءِ: أُريدُ أن أُصبِحَ حفّاراً للقبورِ لكي أدفنَ أبي, أبي الذي تمسّكتُ بثيابِهِ عِندما خَرجَ, فَقبّلني وقالَ بإبْتسامةٍ تملأُ مُحيّاهُ ” يا بُني أنا ذاهبٌ لكي أُساعِدَ بِتحريرِ تُرابِ الوطنِ وأحميكمْ” إلا أنّهُ لم يرجِعْ مُذْ قالَ ذلكَ لي!
إنتابَ الجميعَ صمتٌ مدقعٌ وتحولتْ ملامِحُهم مِن الضَحكِ المُتعالي إلى التحديقِ والشعورِ بالخجلِ من ذلكَ الطفلْ… بَعدها جَمَعَ محمودُ كُتُبَهُ في حقيبتهِ المُمَزّقَةِ من جانِبِها الأيسر وخَرَجَ من الصفِّ ذاهباً الى بيتهِ.
حميد ضياء ثابت – بغداد
























