حسين سرمك .. أحلام المبدع المترع بحب العمل – احمد عبد المجيد

حسين سرمك .. أحلام المبدع المترع بحب العمل – احمد عبد المجيد

تمتد علاقتي المعرفية بالدكتور حسين سرمك حسن، الى عقد الثمانينات من القرن الماضي. هكذا بوسعي ان احدد ملامح تلك المرحلة التي احتدمت ذكريات وقائعها الصعبة في اذهاننا، كصحفيين ومستقطبي اقلام مبدعة.

  استوقفني نشاطه الابداعي، عبر محطات ومواقف، واكتشفت فيه جملة من الصفات الحميدة، قد يفتقر اليها معظم الكتاب والمشتغلين في حرفة الادب، بينها نأيه عن اللهو المعتاد في المنتديات الادبية وانصرافه الكلي الى الانتاج الفكري، سواء في النقد او الترجمة او التأليف او الادب الروائي والشعري، معّرفاً بجهود سواه ومبشراً بولادة تيارات. وكانت رغبته بالكتابة تعلو فوق اي صفة تلبّسها او حياة عرف بها. وبرغم انه طبيب معروف، الا ان شهرته الادبية طغت على مهنته ذات المنابت التجريبية. واغرقت اهتماماته بالدراسات الادبية، تجاربه البحثية في الدرس النفسي، لكن انشغالاته القلمية لم تبخل علينا بمؤلفات له في هذا الميدان المعرفي البارز. ورأيت، منذ عودة الدكتور حسين سرمك حسن، من ملاذاته بعد الاحتلال الامريكي للعراق، جهدا في التأليف غير مسبوق اضطلع به في غضون عقد واحد من الزمان. وبوسعي القول انه اكثر المبدعين العراقيين غزارة، فيما يتعلق بالجهد الفكري، فهو لا يعتزل او يعتكف الا ويظهر فجأة باعمال جديدة، وفيما ينصرف كثيرون الى حياتهم الخاصة وانغماسهم في الاستقطابات ويتحولون الى آلات للشكوى والتذمر والتنمر، فيطلقون اكاذيب كبيرة، فان الدكتور حسين يشهر، امامنا، قائمة بمشاريع واجتهادات تنم عن عزيمة ثقافية نادرة وقدرة على مواجهة التحديات، في بلد متصارع وصاخب.

ومثلما في المرات السابقة، فانه يتحفنا، اليوم بملف ضخم لواحدة من اكبر الحوادث التي هزت العالم.. ومازالت تذكاراتها وتداعياتها مستمرة، وتتعلق بحادث مصرع اميرة ويلز، التي مازالت بعد نحو عقدين من رحيلها حاضرة في اذهان الملايين حول العالم وتوصف بـ (ايقونة الجمال). وبعبارة فان الدكتور حسين سرمك يوقظ ديانا من الابدية، وينفخ في الاوراق السرية لمقتلها، الروح فيفصح عن جريمة بأركان مادية لكنها قيدت ضد مجهول.

ذيول الجريمة

  وبدا لي المؤلف، في كتابه (من اغتال اميرة القلوب: ديانا؟) انه سيكون اكثر الاستقصائيين الذين لاحقوا ذيول الجريمة، عزما، وابرز الذين يكشفون الحيثيات بعد كل هذه السنوات، مثابرة. انه يريد القول بما معناه، ان لا جريمة في التاريخ تبقى رهن الغيب الى الابد، وان المجرم مهما امتلك من الذكاء، لابد ان يترك دليلا، ولو بحجم شعرة، في موقع الحادث. ولاشك في ان امكانات حسين سرمك العلمية والعملية تؤهله لالتقاط هذا الدليل من نفق باريس وبالتوقيت الليلي.

لقد وصفت قصة الاميرة ديانا بانها (مروعة ولاقت مصيراً حزيناً). وتبارت وسائل الاعلام، ولاسيما الامريكية والبريطانية، في وضع سيناريوهات له كشفت بعض خلفياته واسبابه. وكانت الصحافة العالمية قد لاحقت ديانا، ورصدت تحركاتها ونشرت ادق التفاصيل عن حياتها الخاصة واسرار علاقاتها، التي تجاوزت الخطوط الحمر واحرجت الاسرة الملكية، ما شكل عامل ضغط على زوجها الامير تشارلز، وارث عرش الامبراطورية البريطانية المرتقب، فاضطر الى اتخاذ قراره بطلاقها او الانفصال عنها، انقاذاً للتقاليد الاسرية الضاربة بالتحفظ. ولم تسلم ديانا من هذه الملاحقة، التي اضرت بكرامتها كأمراة خلال حياتها، بل انخرطت صناعة السينما في (عرس التشهير) لتقدم فيلماً بعنوان ديانا كشف عن (شخصية متهورة تلاحق طبيبا باكستانيا عشقته الى الرمق الاخير). ويروي الفيلم قصة حياتها في العامين الاخيرين قبل مصرعها. ومثلت البطولة نعومي واتس ونافين اندروز ذو الاصول الهندية. وكان المحتوى ضاراً يهدف الى امرين، الاول النيل من المكانة العالية للاميرة الراحلة في قلوب الملايين حيث (احبها السود والبيض والمثليون) بحسب تصريح صحفي لها. والثاني تسويغ نسيان ما تبقى لها من اثر لدى الرأي العام البريطاني، ولاسيما اقدام الامير تشارلز على الزواج باخرى من منحدر شعبي في 9 نيسان 2005 اسمها كاميلا باركر. والفيلم مصنف في خانة الدراما ومن انتاج بريطاني فرنسي عام 2013 وقد اخرجه اوليفر هيرشبيغيل.

ويؤكد خبراء الاعلام ان كثيرا من وظائف الدعاية تتداخل مع الاعلام والاعلان في فضاء التعددية والاحتدام السياسي. ويوم كانت بريطانيا واقعة تحت ضغط سلسلة من التحديات، كانت بحاجة الى اداء الاعلام لصرف الانتباه عن المشاكل الاقتصادية والايحاء بوجود اجماع شعبي يؤيد الاسرة الملكية، مواطنون يفرحون بفرحها ويحزنون بتفاقم احزانها، وهكذا تم تفعيل قوانين الدعاية باطلاق التسميات والتركيز في بؤرة الحدث وتوظيف الرموز الدينية والاجماع واستخدام الرموز والاشارات الوطنية، وما تبع ذلك من استخدامات دعائية لمبادئ فرعية، كالايحاء باستتباب الامن واظهار مستوى انضباط الجمهور وتبسيط المشهد وتسليع الحدث.

  ومثلما كان زواج تشارلز من ديانا صاخبا، في التغطية الدعائية بحيث تصدر الصحف ومحطات التلفزيون والاذاعات – يومها – فان مصرع ديانا ومن بعده زواج الامير وليام حظي بتغطية غير مسبوقة للافلات من جملة اوضاع سياسية واقتصادية محلية ودولية. وكنت قد اعددت دراسة علمية عن (سيمياء العرس الملكي) عزمت فيها على تقديم تحليل دعائي وصفي، لزواج ابن ديانا، الامير وليام من عروسه كيت ميدلتون، في نيسان 2011 وفيه مراجعة شملت قصة مصرع ديانا والعلاقة الملتبسة مع دودي الفايد، التي يعتقد انها قادت الى النهاية المأساوية لهما.

  وبرغم مرور وقت طويل فان الصحافة لم تنس ذكرى ديانا ولعلها قلّبت مواجع ابنها الثاني هاري، فتحدث قبل ايام، عن المعاناة التي اجترحها والالام التي كابدها بعد غيابها عن مسرح الحياة.

  شخصيا، اعاد الى نفسي كتاب الدكتور حسين سرمك حسن بعد الاطلاع على محتوياته، ذكريات جميلة تركتها في لندن التي زرتها في شباط 1990 وعشت تفاصيل حياة مدينة جامعة للاطياف والهويات الثقافية، وتتنفس كبرياءها الامبراطوري، بما تبقى من تقاليد تحولت الى وجهات ورموز سياحية (معتّقة).

وهذه فائدة واحدة من فوائد جمة سيجنيها قراء كتاب (من اغتال ديانا؟) الجديد، المرتبط، في تقديري، بالوظيفة الاخلاقية للمبدع، الذي يعيش اوضاع شعوب الارض ويتحسس اوجاعها ويتولى مداواة جراحاتها. انها مسؤولية انسانية قد تساعد في تحقيق الهدف بحدود ما توفره الوثائق والمعلومات لدى المؤلف عن حادث دام، قيل فيه الكثير ومازال الجزء الغاطس منه لم يكشف حتى الساعة.

  تقديري العالي للدكتور حسين سرمك حسن على جهوده المضنية المفيدة، واحلامه التي لا تنتهي.. احلام المبدع غير المأزوم والمترع بحب العمل.

{ عن مقدمة كتاب ( من اغتال أميرة القلوب :ديانا؟)