جولة في كنائس محلة الشفاء بمدينة الموصل

جولة في كنائس محلة الشفاء بمدينة الموصل

محطات تاريخية برزت في حواضر مسيحية حوّلها داعش لأطلال وخرائب

الموصل- سامر الياس سعيد

تعتمد رؤية المؤرخ على تجسيد الحقيقة وتاريخية المعلومة التي يقدمها للقاريء وهذا ما ابرز نخب اكاديمية اسهمت من خلال مقالاتها ورؤاها التاريخية في مد جسور التواصل بين الاجيال السابقة واللاحقة عبر المعلومات الدقيقة التي يوفرها من بطون الكتب والمصادر المعتمدة والموثوقة وهذا ما يعزز مكانة المؤرخ الذي يعتد بكل ما يقدمه من معلومات بناء على ما سبق وتمت الاشارة اليه فقد اسهم احد المؤرخين الاكاديميين من المتمرسين بالعمل التوثيقي في تصديه لتاريخ بعض المناطق الموصلية واضاءة ما خفي من تاريخيتها ومحطاتها مقدما مثل تلك المعلومات المهمة التي ترتكز على صدقية المصادر والمراجع التي استقى منها معلوماته .

تاريخ عوائل

لكنه في الجانب الاخر ومن خلال سرديته التي تناولت جوانب من تاريخية بعض العوائل التي استقرت في تلك المناطق يهمل بعض الجزئيات المهمة التي تتعلق بالحواضر الموجودة في تلك المناطق لاسيما الحواضر المسيحية التي كانت تجسد تاريخية تلك المنطقة وترسخ لقدميتها مثلما هو الحال مع منطقة الشفاء الواقعة في الجانب الايمن من مدينة الموصل ورغم انها محلة حديثة بحسب المؤرخ لكنها تترسخ على فاصل زمني مهم يرتبط بحصار القائد الفارسي نادر شاه للمدينة ويجعل مثل تلك الحواضر اسفارا تاريخية تستقي مكانتها مما حمله لها المؤرخون من معطيات مهمة فقد اكتفى المؤرخ بايراد كنيسة وحيدة في تلك المنطقة مكتفيا بابراز كنيسة الطاهرة الفوقانية ذات التاريخ الحديث نسبيا مقارنة بكنيسة اخرى تدعى كنيسة الطاهرة الخارجية او التحتانية والتي احالها تنظيم داعش الى مجرد خرائب كونها الكنيسة الوحيدة في مدينة الموصل التي تم تسويتها بالارض تماما وتم تحويلها في زمن داعش الى مراب للسيارات وساتوسع بشان تاريخيتها في السطور القادمة كوني اصدرت في العام الماضي كتابا عنها عنونته بالكنيسة الشهيدة وتناول في سياقه كل تفاصيل تاريخيتها اضافة لاحتواء الكتاب المذكور على صور نادرة توضح الكثير من اروقتها وشواهدها .

كما اود الاشارة الى فاصلة اخرى مما تقدم وتناوله المؤرخ المذكور بشان مطرانية الكلدان التي قال عنها انها تضررت كثيرا ابان فترة داعش لكن في الحقيقة ان المطرانية التي تم تاهيلها واعمارها بتغليفها بالحلان الموصلي ابان فترة التسعينيات وخلال عهد مطران الكنيسة الكلدانية كوركيس كرمو تم تفجيرها بواسطة العبوات الناسفة بعدما تم اخراج عائلة مسيحية مكلفة بحراستها حيث كان ذلك في احد اشهر عام 2004 وامام انظار جموع احتشدت من مدينة الموصل . اما الكنيسة الاخرى التي تم اغفالها من السرد التاريخي الخاص بمحلة الشفاء هو كنيسة سيدة النجاة الواقعة على مفترق شارعين يؤديان لدورة قاسم الخياط وهي تعود لطائفة السريان الكاثوليك وهي تعود لعام 1946 وتعرضت للترميم في عام 1962 فيما تركت في سبيعينيات القرن الماضي قبل ان تستثمرها طائفة السريان الارثوذكس في منتصف التسعينيات حيث اقامت فيها قداديسها بسبب تعرض كنيسة الطاهرة الخارجية للترميم والتاهيل وذلك في عام 1994 اما عن كنيسة الطاهرة الخارجية فيجهل تماما تاريخ انشاؤها الا ان هنالك من يذكر ان تاريخ بعض محطاتها ارتبط بزمن الامير ناصر الدين محمود الاتابكي وذلك في عام 1219 من خلال كتابات اشارت الى ذلك العام نقشت على قطع الرخام الابيض كما تم تناول سبب تسميتها بالفوقانية كونها تقع على مرتفع بالمقارنة مع الكنيسة الاخرى التي تسمى شائعا بكنيسة الطاهرة لكنها في الحقيقة تحمل اسم كنيسة الدير الاعلى وهي المجاورة لدائرة صحة نينوى وقد اشار اليها الخطاط الراحل يوسف ذنون في احدى لقاءاتي الشخصية معه من ان الكنيسة الاخيرة ترتكز على سرداب كبير تحتها كان يوظفه الموصليون لنقل المؤن والامدادات ابان حصار نادر شاه فيما يشير الاب الخوري يوسف البناء الى تلك الفترة بكون تعرض السور الذي ترتكز عليه تلك الكنائس لضربات القائد الفارسي فكان بنائي الموصل يسارعون لسد اي ثغرة نماشئة من تلك الضربات فكان من يسقط شهيدا بسبب الضربات يدفن مع مواد البناء من اجل الاسراع بسد الثغرات وتفويت الفرصة على المهاجمين من ان يسارعوا لغرض النفاذ من تلك الفتحات التي يحدثوها في السور لغرض احتلال الموصل الذي فشل و اضطرارهم للتراجع والتقهقر حيث اقسم مسلمي ومسيحيي المدينة اضافة لليهود على التعاون وتوحيد الصفوف لتفويت الفرصة على نادر شاه واذا ما تمكن الاخير من غزو المدينة فسيسارعون الى قتل نسائهم وبناتهم خشية التنكيل بهم وتعريضهم للسبي والاعتداء على اعراضهم.

اعمار كنائس

والغريب من ان المؤرخ في سياق ايراده لتلك التفاصيل لم يتلتفت لتلك الحقبة او لما قام به والي الموصل حسين باشا الجليلي حينما امر بتاهيل واعمار كنائس الموصل التي حملت اسم الطاهرة وتحديدا اسم السيدة العذراء كونها ارتبطت بحادثة اعجازية تمثلت بصد العذراء لضربات القائد نادر شاه في تلك الفترة . ونعود لسبب تدمير داعش لكنيسة الطاهرة الخارجية والتي عرضت للتاهيل في عام 1994 وتغليف واجهتها بالحلان مما اسهم ايضا بوضع صليب كبير على تلك الواجهة لكن تنظيم داعش ومن خلال عناصره الذين استخدموا رافعة تستخدم من قبل دائرة الكهرباء قاموا بتشويه ذلك الصليب وقاموا بنشر تلك الافعال على مواقعهم الخاصة وذلك في عام 2015 كما نشير الى ان عام 2009 وبالتحديد في 15 كانون الاول من هذا العام قد شهد تفجيرا بعربة مفخخة استهدف الكنيسة ودمر واجهتها كما اطاح بسور الكنيسة ولابد من ذكر ان الكنيسة ايضا استثمرت وقفية من احد ابنائها لتشيد عليها عمارة تقع مقابل الكنيسة واسمتها عمارة الطاهرة وخصصت لاسكان العوائل المتعففة وذوي الدخل المحدود كما انتقلت مدرسة الغسانية التي كانت تقع في محلة الساعة وبالقرب من كنيسة مار توما الى مجاورة الكنيسة وذلك في عام 1991 والمدرسة الغسانية كانت من اوائل مدارس الموصل وخرجت الكثير من النخب المميزة فيها وفيما انتهت رحلة كنيسة الطاهرة الخارجية وذلك في ايلول من عام 2015 وكانت رغبة عناصر جاعش من خلال تهديم الكنيسة والعمل على ازالتها من الوجود تحقيقا لما ذكره الاب الراحل يوسف حبي في كتابه الذي اصدره في عام 1981 بعنوان (كنائس الموصل ) حيث ذكر بان الكنيسة بنيت على اثار اسلامية الامر الذي دفع بعناصر داعش الى ازالة الكنيسة وعدم الاكتفاء بذلك بل الحفر الى عمق نحو اكثر من مترين لغرض البحـث عن تلك الاثار المزعومة.