جلال الخياط ومنجزه النقدي منطق كالحرير وأسلوب عذب

جلال الخياط ومنجزه النقدي منطق كالحرير وأسلوب عذب
حتى مُلَحه وفكاهته كانت بالفصحى
شكيب كاظم
أول ماتعرفت إليه، يوم نَعْمِنا بالتَلْمذَة على يديه، استاذاً لمادة النقد الادبي، كانت محاضرته مشوقة، إسلوبه في عَرض المادة ومناقشتها يأخذ بالالباب والعقول، كنا طلبة الصف الرابع في قسم اللغة العربية بكلية أداب المستنصرية بقسمها المسائي، في السنة الدراسية 1973 ــ 1974، مافاه بكلمةٍ عامية طول تلك السنة الدراسية، يقدم لنا مادته النقدية بلغة فصيحة جميلة محببة، لا أرقى منها، وانا هنا استعير لغة الراحل مدني صالح، حتى مُلَحه وفكاهاته كان يقدمها بالفصيحة، وزادت معرفتي بمنجزه النقدي، يوم كان كتابه الشعر العراقي الحديث. مرحلة وتطور الذي هو أطروحته للدكتوراه، أحد الكتب المقررة، الى جانب كتب أخرى منها للباحث المصري المعروف الدكتور شوقي ضيف، في مادة الأدب العربي الحديث للصف الخامس، وكانت دراسة البكالوريوس في تلك السنوات، خمس سنوات، هذا الكتاب الذي قرره علينا أستاذ المادة الدكتور رزوق فرج رزوق.
كتب عنه حديثاً نقدياً نشرته جريدة الراصد الأسبوعية بعددها المرقم 312 الصادر في 8»من شهر شباط»1976، يوم كان يشرف على صفحتها الثقافية الاستاذ عادل العرداوي الذي كان له فضل الحدَب على كتاباتي وبقيت اتابع منجز الأستاذ الدكتور، الناقد جلال الخياط فكتبت عن كتابه المثال والتحول أراء ودراسات في شعر المتنبي وحياته حديثاً نقدياً نشرته جريدة القادسية يوم السبت 4»كانون الأول»1999 وأعدت نشره في كتابي أحاديث تراثية. حين يكون التراث مرجعاً وملهماً الذي نشرته دار الحقائق بمدينة حمص السورية عام 2008، كما كتبت حديثاً نقدياً عن كتابه الأروع، الذي يمثل خلاصة الفكر النقدي لأستاذي الخياط المتاهات نشرته في الملحق الثقافي الأسبوعي الذي تصدره جريدة التآخي كل يوم خميس الموسوم بـ أبعاد ثقافية يوم 19»من شباط»2009 ــ العدد5521 وأعدت نشره في كتابي إلتماعات ورؤى. مثابات في الادب والنقد الذي تولت نشره دار النايا ومحاكاة بدمشق سنة 2011، وما زلت احتفظ بكل ماأصدر الدكتور جلال الخياط، عدا كتابيه الاول الشعر العراقي الحديث والأخير جنون الشعر الذي صدر عام 2009، بعد وفاته بأربع سنوات، واحتوى على كتاباته اللندنية، التي اطلقت عليها الناقدة الباحثة الدكتورة بشرى موسى صالح تسمية المرحلة اللندنية التي امتدت نحو ست سنوات، كان خلالها يرفد جريدة الشرق الأوسط الصادرة بلندن بمقالاته الأدبية والنقدية أسبوعياً.
أما الناقدة الجادة الدكتورة بشرى، فتعود معرفتي الثقافية بها، يوم كنت أحضر الجلسات النقدية التي تعقد خلال أيام المربد، السنوية، ومازالت في الذاكرة دراستها الموسومة بـ مكانة المتلقي في نقد القرن الرابع الهجري التي القتها مساء الثلاثاء 29» من تشرين الثاني»1997 بالجلسة الثانية من الحلقة الدراسية المعنونة بــ الشعر والمناهج النقدية الحديثة التي عقدت في قاعة قرطبة بفندق المنصور» ميليا بمنطقة الصالحية من بغداد، لمناسبة مهرجان المربد الثالث عشر، فضلا على بحثها الموسوم بـ خيوط الحس الشعرية ــ قراءة اسلوبية في شعر نزار قباني الذي القته بالجلسة الثالثة من الحلقة الدراسية التي عقدت مساء الخميس 26»من تشرين الثاني 1998 والمعنونة بـ نصف قرن من الشعر العربي الحديث الشعر واللغة لمناسبة المربد الرابع عشر وعلى قاعة قرطبة بفندق المنصور» ميليا وأدمت متابعتي لما تنشره الناقدة بشرى من دراسات ومقالات في الصحف والمجلات. لذا ماأن وجدت كتابها المفكرة النقدية في معرض الكتاب المقام على هامش مهرجان المربد للأيام 14 ــ 16»نيسان»2011 بالبصرة، حتى اقتنيته ومن قبل ذلك إقتنيت كتابها النقدي الجميل من المعرض الدائم لدار الشؤون الثقافية العامة ضحى الأثنين 7» من شباط»2011، الموسوم بـ منطق كالحرير جلال الخياط ناقدا الذي درست من خلاله الجهد النقدي الثر لأستاذنا الدكتور جلال الخياط، واقفة عند كل كتاب من كتبه النقدية، عند البدايات التي تمثلت بكتبه الشعر العراقي الحديث و التكسب بالشعر و الشعر والزمن و المثال والتحول واسمتها الناقدة بـ المرحلة الصادمة أو المتمردة والمرحلة الثانية مرحلة النضج والثبات، التي يمثلها كتاباه الأصول الدرامية في الشعر العربي و المنفى ــ الملكوت و وسمتها الباحثة بشرى بـ المرحلة القارة او الهادئة والثالثة المرحلة الاسترجاعية، التي تمثل استرجاعا لما كتبه، او سبق أن كتبه الناقد جلال الخياط، وأعاد نشره في جريدة الشرق الاوسط الصادرة في لندن، خلال سنواته الست الاخيرة التي أمضاها في لندن وحيداً، بعد أن ضربه المرض الوبيل بغدده، وبعد صراع طويل ضده، واستقرار وضعه الصحي كانت مقالاته الأدبية والنقدية تلك بدءاً بسنة 1999 تأريخ وصوله لندن تمثل استرجاعاً واعادة كتابة لما سبق أن كتبه من أراء نقدية، نشرته مجلة حراس الوطن ببغداد بداية التسعينات، وانتهت هذه المرحلة الأسترجاعية أو الكتابة الاسترجاعية بموته في لندن عام 2005، ولقد علمتُ بوفاته ــ رحمه الله ــ من خلال دراسة قيمة نشرها زميلنا في الدراسة الجامعية، الشاعر والباحث الآكاديمي الدكتور على جعفر العلاق، بجريدة المدى .
يعجبني كثيراً هذا الوفاء الجميل، فإذا كانت الباحثة الناقدة الدكتورة نادية غازي العزاوي، قد كتبت مقالات إستذكار ووفاء لآستاذها واستاذي الدكتور علي جواد الطاهر، فأن الناقدة بشرى، سيرا على طريق الوفاء، خصت استاذها واستاذي الدكتور جلال الخياط، بكتاب معرفي نقدي جميل أصدرته دار الشؤون الثقافية العامة ضمن سلسلة وفاء التي استحدثتها الدار الى جانب سلاسل أخرى، اطلقت عليه عنواناً موحياً صادقاً، يعرف مدى صدقه كل من تَلْمَذَ على يدي الخياط، وسمع صوته الدافئ الخافت الهادئ الذي يدخل حنايا النفس والروح منطق يحاكي الحرير رقةً وعذوبةً وفصاحة، وهجراً للعامي إنه منطق كالحرير. جلال الخياط ناقداً .
إذا اردنا دراسة إسلوب ناقدنا الخياط، فسنجد أن السمة الأكثر بروزاً فيه، سمة التكثيف إنه لايكتب كلمة في غير موضعها، كل كتبه ــ عدا الشعر العراقي الحديث ــ لاتزيد على المئة إلا قليلاً، فهذا التكسب بالشعر دار الآداب ــ بيروت 1970 يقع في 112صفحة و الشعر والزمن طبعة وزارة الاعلام ــ بغداد ــ 1975، يحتوي على 119 صفحة، وثالث كتبه المثال والتحول الذي كتبه لمناسبة عقد مهرجان المتنبي في تشرين الأول عام 1977، فأشتمل على 105 صفحات وصدر سنة 1396 ــ 1976، و الأصول الدرامية في الشعر العربي الذي نشرته وزارة الاعلام ــ بغداد سنة 1982، فكان في 135صفحة و المنفى ــ الملكوت الصادر ببغداد سنة 1989، فكانت صفحاته 124صفحة، واخيراً اهم كتبه المتاهات واشتمل على عشر متاهات فأنه جاء بـ135 صفحة، حتى محاضراته التي القاها علينا، نحن طلبته، ومازلت أحتفظ بها على رغم السنوات الطويلة، كانت مركزة مكثفة هي الاخرى، كأنها خارجة من انبيق مختبر، كتابته تأتي مصداقا لقوله، في تطابق رائع للمَخبَرْ مع المَظْهَر، فلكي تكتبوا ــ كما يقول ناقدنا الخياط ــ مايستحق القراءة، فهذا يعني أن تحبوا ما تكتبوه، فان كان في الحياة ما يستحق الحياة، فينبغي أن يكون في الكتابة ما يستحق الكتابة.
لا ان تتحول الكتابة ــ لدى بعضهم ــ الى لغو يشبه سحابة صيف، لاتمكث في عقل القارئ إلا قليلاً.
و إذا كان العديد من النقاد قد اهتموا بالنقد النظري أو التنظيري، فأن ناقدنا جعل كل همه النقد التطبيقي النصوصي، ويعده امتحاناً قاسياً للناقد وفضحاً لجهله إن وجد، عازياً النقد النظري الى نوع من الأبتعاد عن وجع الرأس وإيثار السلامة، رابطاً إياه بنشأة الجامعات وإتساعها قائلاً فمن أين يأتي من يريد ان يتدكتر بموضوع يحصل به على الشهادة؟ لا علم لي برسالة جامعية قامت على النقد التطبيقي، فالنظري أسلم وأمن وأسهل، وماأكثر موضوعاته، النقد التطبيقي إمتحان قاس للناقد وفضح لجهله إن وجد ص43.
ويوم ناقشت الناقد العراقي الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، عن أرائه التي نشرها في مجلة دبي الثقافية خريف عام 2010، بضرورة أن تكون لكل ناقد نظريته النقدية، وأن ليس هناك نقد عربي منذ القرن الرابع الهجري، فكأن أرائي تتناغم مع أرائه، وكأن ناقدنا الخياط، قد اجتاز حُجُب الزمن، فيدلي برأي مخالف لراي الناقد لؤلؤة، فأنا اذا اقرأ في الصفحة الحادية والأربعين من كتابنا موضوع بحثنا هذا، أجد رأياً جديراً بالأحترام، لأنه يأتلف مع وقائع الحياة فتكريساً لهذه النظرة لايفترض ناقدنا أن تكون للناقد نظرية، ويجد في هذا كلام ضخم والنظرية مصطلح كبير وربما تكون للناقد نظرات أو أراء في قضايا معينة يمكن ان تجمع، وتجد صلة فيما بينها، وقد تخرج منها بنظرية لهذا الناقد أو ذاك. وحين يصر محاور الناقد في صفحة أفاق جريدة الجمهورية على ان يتحدث ناقدنا عن نظريته النقدية أو نظراته أو أرائه النقدية يجيب ــ هذا سؤال محرج، لانه يقودني الى الحديث عن نفسي، ولا أريد ان افعل، وأصارحك أنني لم أكن في يوم ما أتساءل عن موقفي النقدي إزاء نص أو قضية ما وقد يتبلور ذاك لدي دون أن أقصد، أي بصورة غير مباشرة، في اثناء الكتابة وطبقاً لطبيعة النص المنقود.
الباحثة الناقدة الدكتورة بشرى موسى صالح، قدمت لنا كتابها النقدي المفيد والممتع منطق كالحرير جلال الخياط ناقداً قدمته بلغة مركزة مكثفة،تحاكي لغة استاذها واستاذي الخياط، لكني وجدتها تكرر مقولاتها في مواضع عدة، مما تسرب الى نفسي رأي مفاده أن الناقدة، كتبت بحثها هذا في أوقات متباعدة، فحصلت هذه الهنة الهينة، فهي تقول بشأن شعر البياتي، وبدأ التجريب الحقيقي عنده في أقوال ، إحدى قصائد ديوان كلمات لاتموت الذي صدر عام 1960 أي بعد عشر سنوات من ظهور ديوانه الأول، بحضور شعري، وسياق لغوي، يختلف عما ألِفناه لديه فهذه قصيدة تخلصت من اي عائق لغوي يمكن ان يمسك بزمام المعنى، فيشد من وثاقه، ويحول دون إنطلاقه، ومن اي منحى بلاغي مصطنع يميت في القصيدة حيويتها فالكلمات البسيطة يمكن أن تصير شعراً، لكن هذا الرأي النقدي لأستاذنا الخياط، ستعيده على الصفحتين 123 ــ 124 وسيتكرر ذلك في نهاية ص117 ومنتصف الصفحة 119 وبداية الصفحة 139 في مواضيع اخرى كما وجدتها تستخدم عبارة إن صح الوصف، أو إن صح التعبير وهذه صيغة فاشية في كتابات أستاذي الدكتور عناد غزوان ــ رحمه الله ــ وهذا غير مقبول، فاذا كنا، ونحن على مانحن عليه من امكانات، لانعرف أن كان التعبير أو الوصف صحيحاً، فمن الذي يعرف؟
شاكراً في نهاية حديثي، الناقد والباحث والمترجم الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، الذي تولى ــ كما تقول المؤلفة الدكتورة بشرى ــ جمع كتابات الخياط الاخيرة في مرحلته اللندنية، يوم غادر اليها عام 1999، ليتطبب ويقضي لبانة العمر وبقيته، وقدم لها ونشرها في كتاب أصدر عام 2006 بعد وفاته بسنة واحدة أسماه الجنون بالشعر ليحفظ هذه المقالات كلها من عاديات الزمن الذي لا يرحم، مقالات تقف على الاعراف اسلوبياً مقارنة بكتابات الدكتور الطاهر، التي جمعت بين ثنائية طِباقية ضِدية بين الصرامة الاكاديمية أحياناً، وانفالات الانشاء في احايين أخرى، فجاءت كتابات الخياط، وقفة على الحدود بينهما، أو الاعراف بينهما ــ كما تقول الناقدة بشرى ــ كتابات بين بين على لغة الدكتور طه حسين. مبرأة من الصرامة، ومنزهة عن إنفلات القول والانشاء.
/5/2012 Issue 4206 – Date 22 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4206 التاريخ 22»5»2012
AZP09