
أفكار بين شقي الرحى
جـوهـر الحـريـة – عامر حسن فياض
ظهر التيار التحرري التقدمي بكامل إبعاده على يد الفيلسوف البريطاني (برتراند راسل 1872 – 1970م) الذي أكدت فلسفته على التعددية. فقد كان يعتقد بان العالم يتألف من عدد غير محدد من الكيانات المنفصلة والمستقلة عن بعضها، وقال أن أهل المنطق المثالي يتوهمون إن شيئاً ما يؤثر في الأخر على نحو يجعل ذلك الشيء يتغير بفعل علاقته بأشياء أخرى واعتماداً عليها، ولكن الأشياء لا تستطيع أن تتفاعل إلى المدى الذي يحدد فيه كل شيء منها خصائص الشيء الأخر، وآمن بنظرية تعدد الكيانات التي تقول بأن العالم يتكون من عدد لا نهاية له من الكيانات المستقلة المرتبطة بعلاقات بسيطة لا تغير طبيعة الكيانات مجرد صفات تصف الكل.
وقد أكد (راسل) أن أقوى أساس تقوم عليه معتقداته هو رفضه للافتراض القائل إن العالم وحدة، واعتباره محض افتراض فارغ، لان الكون كله مجرد بقع وقطرات دون وحدة ودون استمرارية ولا ترابط أو نظام منطقي.
وتتميز هذه الجوانب من فلسفة (راسل) بمضمونها الديمقراطي التحرري الاجتماعي، لان التعددية التي يأخذ بها تقابلها الفردية التي يكون فيها الفرد كائناً قائماً بذاته وهو الوحدة الأساسية وليس المجتمع بوصفه كلاً. وكان المحيط الفكري الذي عاشت فيه أسرة (راسل) وتأثرت به مشحوناً بالاعتقاد بقدرة كل إنسان على أن يجد خلاصة بنفسه وبمفرده، بفضل عقله وأيمانه الشخصي وسلطان دوافعه الخاصة، وكان مثل (راسل) الأعلى هو (جون ستيورات ميل) قديس الفردية العقلانية.
وتتجلى تحررية (برتراند راسل) بشكل واضح بعيداً عن الصياغات الفلسفية في موقفه من الحرية التي يرى أن الحياة تفقد نكهتها بدونها، وتأكيده في كتابه (دروب الحرية) الصادر عام (1960م) على إيمانه بتطور الحرية الفردية وتحقيق الذات عند الفرد. إذ ينبغي أن يكون النمو الحر للفرد، هو الهدف الأسمى لأي نظام سياسي يطمح إلى إعادة تنظيم المجتمع مما يجعل التأكيد على قيمة الفرد الآن أكثر ضرورة منه في أي وقت مضى.
خيبة امل
فإذا أتبع الإنسان حوافزه بحرية فسيكون سعيداً بقدر ما يستطيع ذلك، أما إذا منع من ذلك، فإنه يفقد السعادة ويشعر بخيبة الأمل، ويعتقد (راسل) أن هذه هي نقطة الضعف المميتة في حضارتنا التي تقضي على الشخصية الفردية لصالح تحقيق الانسجام والتوافق الاجتماعي. فالحرية هي الخير الأسمى وبدونها لا تكون للإنسان شخصية.
ولا يؤسس (راسل) قوله بالحرية الفردية على أساس الحوافز الفردية فقط، بل وعلى أساس أخر أيضاً هو المنافسة الفردية، لأن الكائنات البشرية العادية، لا تستطيع إن تكون سعيدة من دون وجود المنافسة التي هي الحافز لأهم فعاليات الإنسان منذ كان، ويستوجب ذلك عدم إلغاء المنافسة، والاكتفاء فقط بمنع توجهها وجهة ضارة كثيراً.
وعالج (راسل) بأسلوب لاذع في كتابه (مقالات مشككة) ضرورة تشريع بعض القوانين لضمان مواجهة تهديد السلطة الاجتماعية للفرد، وإلا ستتوارى الحرية. فالحرية في نظر (راسل) تعني إزالة عوامل الكبح والتدخل والقيود الشرعية الظالمة والضغوط الاجتماعية المتولدة عن العادات واستنكار أوامر الحرمان بشتى أشكالها، لذلك فأن جوهر الحرية هو منح الحق لأكبر عدد ممكن وحقهم في إن يفعلوا ما يشاءون، على إن لا يتعارض ذلك مع حرية الآخرين وحقهم في إن يفعلوا الشيء نفسه.
وقد أعتقد (راسل) إن الالتزامات الاجتماعية تمثل قيود على الحرية ولا يستطيع الإنسان تجنب النتائج الشريرة لمثل هذه الالتزامات الاجتماعية إلا باستبعادها جميعاً، والعودة إلى مجتمع أكثر حرية واقل معاناة من القيود ومسؤولية الدولة إقامة نظام اجتماعي يشجع الحوافز الفردية الخلاقة نظام يستند على ديمقراطية تحررية لأن حكم القلة لا يمكنه ضمان الحقوق الضرورية لسعادة جميع مواطنيه وإن حكم الأغنياء لا يمكنه ضمان هذه الحقوق الضرورية أيضاً لأن الأثرياء يعدون أنفسهم سادة بالميلاد، ويزدرون الكائنات البشرية الأخرى، ولا يهمهم انحدارها إلى الحضيض.
ولكن مفهوم الديمقراطية عند (راسل) مفهوم خاص، إذ لا يؤمن بأن الديمقراطية هي حكم الشعب للشعب، ويشيد بسيادة الشعب، لكنه لا يريد حكم الشعب، وأن كان أن يؤمن بقدرة الشعب على أن يحكم على سياسات وأعمال حكامه وينتقدهم ويحاسبهم، ويشترط لامتلاك الشعب لهذه القدرة، أن يمتلك الشعب مستوى من التربية والحرية الكاملة في التفكير والتعبير والمناقشة ويصر على أطلاق هذه الحرية وعدم تقييدها، فحرية التعبير وتنظيم التظاهرات يمثلان شرطين ضروريين لبناء الديمقراطية حتى ولو أدى إلى الإثارة أو الثورة، لتكون نظرية راسل الطبيعية في التعددية الذرية مقدمة لنظريته الاجتماعية في الفردية الإنسانية مثلما هي النتيجة المنطقية لهذه الأخيرة.
وقد حدد (راسل) الوظائف التي يجب أن تتولاها الدولة في الأمن والعدالة التي وحدها وظائف ذات أهمية قصوى للسيادة، وإن الدولة هي الهيئة الأقدر على أدائها والقيام بمسؤولياتها. ولا تغيير انطباع (راسل) السلبي عن الدولة تبنيها للنظام الديمقراطي، لأنه ينتقد الديمقراطية ليس لأنها تعني حكم الشعب وهو لا يؤمن بحكم الشعب ولا يريده،
نظام تملك
وربما هذا هو سبب قوله باشتراكية الاتحادات المهنية كبديل عن كل من الدولة والديمقراطية، لأن هذه الاشتراكية هي التي تضمن للمبادرة الفردية تفتحها، ومن تم فأن موقفه من الملكية الاقتصادية، ليست له علاقة باشتراكية ماركس ولينين التي رأى فيها نظاماً يهدف إلى إقامة استبداد جديد بدلاً من استبداد قديم.
لقد دعا (راسل) إلى اشتراكية من نوع خاص أقرب إلى اشتراكية المكونات التي عرفت في عشرينيات القرن العشرين والقائمة على نظام تملك الدولة بمقتضاه وسائل الإنتاج وتمثل مصالح المستهلكين، بينما تكون المصانع والمناجم والسكك الحديدية والمستودعات… الخ تحت إدارة اتحادات من المنتجين، وتعتمد المبادرة الفردية أساسا لنشاطها معتقداً أن ذلك يمكن أن يحول دون نمو البيروقراطية المضطهدة التي يعيش المنتجين في ظلها، وكأنهم ببساطة قد استبدلوا سادتهم القدماء بسادة جدد.























