
جدلية التغاضي والنسيانِ – رعد البيدر
مثّلَ مقالِي «شواهد وشهود» المنشورُ قبلَ أيامٍ قلائلَ بجريدةِ «الزمانِ» مُنطلَقاً لرصدِ ظواهرَ اجتماعيةٍ عامةٍ، بَيْدَ أنَّ صدى الكلماتِ أثارَ زوبعةً من اتهاماتٍ وتبريراتٍ، وشَمَمنا من أروقةِ وسائل التواصلِ الاجتماعيِّ (رائحةَ عطابٍ وشعواطٍ)؛ حِينَ توهمَ البعضُ بأنَّ النصَّ سياطٌ وُجِّهتْ لظهورِهم تحديداً، رغْمَ نأْيِ الطرحِ عن استهدافِ زيدٍ أو عمرٍ. تتباينُ ردودُ الفعلِ الإنسانيةِ تِجاهَ الكلمةِ المنشورةِ وتتشكلُ القناعاتُ حولَها ضِمنَ ثلاثِ فئاتٍ تحكمُها جدليةُ التغاضي والنسيانِ؛ نفوسٌ تتسامى وتصفحُ لتمضيَ بها الحياةُ، وأخرى تصفحُ بلسانِها وتختزنُ الوجعَ في ذاكرةٍ عصيةٍ على المحوِ، وفئةٌ ثالثةٌ لا تقبلُ بتراضٍ ولا تركنُ لنسيانٍ.
لِكلِّ قارئٍ «زَيدُهُ» الخاصُّ و»عَمرُهُ» المتخيلُ، ويعكسُ فِعْلُ الإسقاطِ النفسيِّ مضمونَ المَثلَ الشعبيِّ العراقيِّ: (اللي جُوّه ابطَه عنز يبغجْ)، دلالةً على أنَّ وخزَ الضميرِ يجعلُ المُقصرَ يرى نفسَهُ هدفاً لنقدٍ موضوعيٍّ حتى في غيابِ التسمياتِ. لو كانَ اللومُ شخصياً لكانَ الأجدرُ اتباعَ قنواتِ المراسلةِ الخاصةِ أو المواجهةِ المباشرةِ، بَيْدَ أنَّ عتابَ وتبريرَ الحاضرِ لا يملكانِ القدرةَ على إصلاحِ ما أفسدتْهُ نوايا الماضي؛ فما انكسرَ من عُرى الودِّ جراءَ تقلُّبِ الظروفِ وقسوةِ المواقفِ أكبرُ من قدرةِ الحروفِ على الترميمِ.
يغدو مِحكُّ التجاربِ كاشفاً لزيفِ الودِّ المصطنعِ، إذْ تفضحُ الخصومةُ مَن يتصنّعُ الأخلاقَ، وتخلعُ المصالحُ قِناعَ الحبِّ عن الوجوهِ؛ فلا رهانَ على مودّةٍ لم تختبرها منعطفاتُ الأيامِ القاسيةِ، والراحلونَ عندَ أولِ ضيقٍ هم المتصنّعونَ دوماً. يظلُّ النتاجُ الفكريُّ الرصينُ يستهدفُ كشفَ عوراتِ الزيفِ التي تتجاوزُ الأفرادَ لتمسَّ جوهرَ القيمِ الإنسانيةِ، ويبقى الصدقُ في الطرحِ معياراً لا يضلُّ طريقَهُ؛ (فَلَمْ يَكُنْ مَا أَشَرْنَا لَهُ حَدِيثًا مُفْتَرى، وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِينَا وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
وتتلخصُ النتيجةُ في كونِ المقالِ الواضحِ مرآةً يرى فيها المخطئُ إدانةً، وبناءً عليهِ تستقرُّ الذاتُ بينَ مساحةِ التسامحِ الواعيةِ وبينَ يقظةِ حقٍ لا يشيخُ، صوناً للمبادئِ من التآكلِ، وعلى اللهِ قصدُ السبيلِ.























