ثورية عقيل أبو ذر ورواية صنع الله ابراهيم

ثورية عقيل أبو ذر ورواية صنع الله ابراهيم

سبعيني يعيش أحلام ظفار

احسان حمدي العطار

يحييني ابو ذَر بحرارة ويربت على كتفي ويجلس الى جانبي كلما تقابلنا وخاصة ايام جمع المتنبي أستطيع تميزه من بعيد عن طريق قبعته ( التي كنّا نسميها صغارا قبعة المثقفين ) والتي لا تفارق رأسه شتاءا وصيفا …

لكنه يحب الشتاء والبرودة فهي تمكنه من ارتداء المعطف الطويل وهذه القبعة بمتعة وفرح ..

قلبه ضعيف موصول بصمامات بقاءه على قيد الحياة معجزة هكذا قالوا الأطباء له ولنا وبرغم ذلك فأنت تراه دائما هو وقبعته الأنيقة يحمل دزينة من كتبه المفضلة ليهديها الى أصدقاءه ومعارفه دائم الحركة والنشاط يعيش حياته وافكاره بهمة وقلب شاب في العشرين …

في شارع الحمرا و الروشة و بيروت الغربية اجتمعوا شبابا مهووسين حد الجنون بمبادئهم الثورية و اشتراكيتهم العلمية بماركسية لينين وماو وتسكنهم اطياف جيفارا وحلمه التحرري هكذا كانت سيتينات وسبعينات القرن الماضي في لبنان قبلة الثورجية من مختلف دول العالم العربي ..

ابو ذَر كان احدهم هو وكثيرون عايشوا هناك هذا الأمل العملاق بالتغير هذا السعي المقدس لثورة تقتلع الرجعية من جذورها لتقيم يوتيبيا للكادحين والجياع ..

وبينما البعث يصفي خصومه الشيوعين في العراق والحزب ينهار بفعل الضربات القوية من الخارج والانشقاقات من الداخل وبينما عزيز الحاج يستسلم للنظام الحاكم وحافظ الأسد يستولي على سلطة سورية وينفرد بالحكم و بو مدين يقمع كل إصلاحات بن بلة في الجزائر والنميري ينقض على الحركة الثورية في السودان ويفتك بكوادر الحزب الشيوعي السوداني و بعد ناصر ومهزلة الاتحاد الاشتراكي وتفكيك الأحزاب الوطنية اليسارية في مصر توجهت أنظار هؤلاء الشباب الحالمين الى اليمن حيث أقيمت هناك اول جمهورية ديمقراطية اشتراكية والى ظفار جنوب عمان حيث كانت هنالك ثورة ؛ ثورة سيقف ضدها الكل حتى تفشل و تستسلم … في المتنبي وعلى بسطات الكتب المنتشرة فيه كانت تباع الكتب المسموح بها من قبل السلطة كتب مفلترة على مقاييس النظام الحاكم وافكاره ولا يسمح لك ان تقرأ شيئا لا يرضى عنه السلطان فالأفكار تمنع وتحرق بل وتعدم ايضا

كتب ممنوعة

ولكن تحت هذه البسطات المعلنة هنالك ما يبحث عنه متعطشو الممنوع و المهمش، ليست حشيشة او هيروين ما تخبئه تلك البسطات تحتها بل كتبا مستنسخة ممنوعة البيع والتداول .. تهرب الى داخل العراق نسخة واحدة من تلك الكتب وتتولى مطابع محلية داخل الشارع استنساخها وتوزع سرا على المثقفين هذا هو المشهد الثقافي في التسعينات ..

وهي الفترة التي تداول فيها المئات سرا رواية صنع الله ابراهيم ( وردة)

تقترب من رأسي قبعة ابو ذَر ويحدثني بصوته المهموس الهادئ : احسان يجب ان تقرأ وردة … يجب ان تتعرف على هذه الثورة الظفارية المجيدة ثورة ضد سلاطين و ملوك الخليج كانت ضد الاستعمار والرجعية .. الارض توزع بالتساوي والأرزاق بالتساوي ثورة اشتراكية

الزواج المتحرر والعلاقات الانسانية الحرة .. في جبال ظفار حدثت المعجزة احسان .. ووقف ضدهم الكل .. اقرأها رائعة

ابتسم انا فلازال ابو ذَر يسكن الماضي

ام ان الماضي لازال يسكنه !

صنع الله ابراهيم كاتب متفرد لا يقدر على الإتيان بمثل رواياته الا هو ..

الرؤية البانورامية الضخمة وهذه المعرفة الواسعة بالسياسة والتاريخ السياسي وإدماجها بحبكة روائية فذة

هذا ما فعله صنع الله ابراهيم في روايته وردة ..

شهلا ( وردة اسمها الحركي) المرأة العمانية الظفارية الثائرة وأخوها يعرب متردد المواقف والشخصية هما بطلا الرواية ..

المصري الزميل السابق للأخوين يزور عمان ويبحث عن آثارهم ليعثر على مذكرات ويوميات وردة خلال مسيرتها الثورية في الجبل ..

في هذه المذكرات سنعرف مسيرة هذه الثورة ومسيرة حركات التحرر والثورة في اليمن ومختلف البلاد العربية في تلك الفترة -فترة الغليان الثوري المحموم ..

ويلخص صنع الله ابراهيم في النهاية مصير تلك الثورة عن طريق تبيان مصائر ابطال روايته :

فوردة – الثورة لا تقتل او تعتقل بل تختفي فلا رشدي المصري ولا نحن ولا عمان تعرف اين اختفت

يعرب الثوري المتردد الذي باع مبادئه يغير اسمه ليصعد في سلم الحكم ويحصل على مطامعه تحت رعاية السلطة بعد ان خان رفاقه وأخته وردة-الثورة …

في اخر لقاء سألني ابو ذَر هل قرأت رواية وردة التي جلبتها لك ؟

أجبته بأن نعم وكانت رائعة وساحرة

فرح بقرائتي للرواية واستمتاعي بها ..

نزلنا من مكان لقائنا وكان يوم الجمعة وعبرت من أمامنا جماعة صدرية متظاهرة تحمل الاعلام متوجهة الى ساحة التحرير في قلب بغداد لم نعلق على ما رأينا …

تسائلت بيني وبين نفسي هل كانت تلك الثورات كما يصفها ابو ذَر ورفاقه ثورية بالفعل ام هل كانت تحمل إرثا أعمق من مبادئ ماركس ولينين و ماو ..

إرث نزاعات قبلية وعشائرية ومناطقية ودينية ومذهبية ارتدت لبوسا فكريا وثوريا ..

هل كانت الثورة بريئة .. الم تدخلها مطامع بعض الدول في دول اخرى الم تدعمها مثلا قوى رجعية في سبيل احداث توازنات إقليمية معينة ؟!

هل كانت الثورة حقيقة ام كانت مجرد حلم وردي في ذهن شباب الوطن العربي وهم يتصايحون في مقاهي بيروت حول من الاحق في قيادة الحركة الشيوعية في العالم السو?يت ام الصينين !

كان ابو ذَر و قبعته يعبرون الشارع بنشاط استوقف سيارة كيا صغيرة وكان الجو خانقا بفعل ما تبقى في النهار من حرارة .. كم بلغ عمره يا ترى؟ بالتأكيد كان قد تجاوز السبعين .

صعد الكيا ولوح لي بيده التي لا تحمل رزم كتبه ولوحت له بأبتسامة جذلى ..

عرفت تلك اللحظة سر هذه الثورات وسر هذه الأحلام الوردية وسر جمالية رواية وردة ..

عرفتها لان هذا السبعيني وبقلبه العطب لازال يعيش بفضل هذه الأحلام بفضل تلك السنوات التي كان يحمل فيها السلاح ليقاتل اسرائيل في بيروت وأنظاره نحو جبال ظفار ..

انها عظمة الأحلام يا سادة حتى المستحيلة منها