

يوسف عزيزي
في متابعتي للاحتجاجات التي شهدتها مدينة الأحواز، تبيّن أن شرارتها الأولى انطلقت من السوق الرئيسي والوسط التجاري، مثل شارع نادري، وسوق عبد الحميد، وشارع الخميني، ثم امتدت إلى الشارع الرئيسي لحي الخالدية (كيان بارس). وهي مناطق مختلطة تضم عربًا وغير عرب. وقد اقتصرت الهتافات في هذه المناطق على اللغة الفارسية، ومنها: «الموت للديكتاتور» و«الموت لخامنئي». كما رددت مجموعات أخرى هتافات مثل: «جاويد شاه» (الخلود للشاه)، و«هذه معركتنا الأخيرة والبهلوي سيعود»، و«لا غزة ولا لبنان، روحي فداء لإيران». ويبدو أن هذه المجموعات تنتمي إلى غير العرب من ذوي الميول الملكية.
لكن سرعان ما شهدت الأحياء ذات الغالبية العربية—مثل الزوية، والعامري، وعين دويه، وكوت عبد الله، وحي الزهور (غولستان)—احتجاجات واسعة ردد فيها المحتجون هتافات كان معظمها باللغة العربية، من بينها: «ثورة ثورة عربية، لا للبهلوية»، و«بالروح بالدم نفديك يا أحواز»، إلى جانب «الموت للديكتاتور» و«الموت لخامنئي».
يمكن ملاحظة تماثلٍ نسبي بين الغالبية العربية والأقلية الفارسية في الهتافات التي تستهدف رأس النظام، إلا أن تناقضًا صارخًا يبرز بين الطرفين فيما يخص رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع والمقيم في الولايات المتحدة، والذي يقود التيار الملكي المعارض. وقد انعكس هذا التناقض ميدانيًا في طريقة تعامل أجهزة القمع، إذ واجهت قوات البسيج والحرس الثوري المتظاهرين العرب بعنف شديد أسفر عن مقتل عدد منهم، لا سيما في حي الزهور وحي الزوية، في حين لم يُسجَّل—حتى لحظة كتابة هذا المقال—مقتل متظاهرين من غير العرب، أو على الأقل لم تردنا معلومات تؤكد ذلك.
البهلوي عاملُ الفرقة
وفي سياق أوسع، يجدر التنبيه إلى أن الانتفاضة التي اندلعت في 28 يناير/كانون الثاني 2025، وانتهت في 9 يناير/كانون الثاني 2026، لم تشهد في أقاليم الأحواز وبلوشستان وكردستان وأذربيجان احتجاجاتٍ واسعة كما حدث في أقاليم ومدن إيرانية أخرى. ونتيجة لذلك، كانت وتيرة القتلى في هذه الأقاليم أقل بكثير مقارنة بالمناطق التي تحولت إلى ساحات مواجهة مفتوحة مع النظام.
وتعود محدودية المشاركة إلى جملة أسباب، أبرزها عدم مسايرة الأقاليم الفارسية لهذه الأقاليم—كما كان مأمولًا—خلال انتفاضة مهسا أميني عام 2022، الأمر الذي خلّف شعورًا عميقًا بانعدام الثقة. كما لعبت المخاوف من مصادرة نتائج أي انتفاضة جديدة لصالح المشروع الملكي دورًا حاسمًا في إحجام هذه الأقاليم عن الانخراط الواسع.
وقد تعززت هذه المخاوف عندما دخل رضا بهلوي على خط الأحداث في 7 يناير/كانون الثاني، إثر دعوته الجماهير إلى الاحتجاج، ما تبعه نزول كثيف للجماهير الفارسية إلى الشوارع خلال يومي 8 و9 يناير. وتشير تقارير صحفية، من بينها ما أوردته صحيفة صنداي تايمز البريطانية، إلى أن عدد ضحايا هذين اليومين بلغ نحو 16,500 قتيل. وفي هذا السياق، تتهم قوى المعارضة الجمهورية، رضا بهلوي بالمشاركة السياسية في المجزرة التي ارتكبها النظام، نتيجة سوء تقديره لعواقب التصعيد، وافتقاره إلى الحنكة السياسية، وانفراده باتخاذ القرار بعيدًا عن سائر قوى المعارضة، ما دفع الشارع إلى مواجهة غير متكافئة مع آلة القمع.
دحض مقولة “هروب غير العرب”
وحول التناقض القائم بين مكوّنات المجتمع، وما يُتداول بشأن «هروب غير العرب» من اقليم الأحواز في حال ضعف النظام أو انهياره، وهو افتراض راج لدى البعض، دحض مواطن أحوازي هذا الطرح بقوله:
«ساعة الصفر لن تكون لنا، بل ستكون علينا إن لم نصحح واقعنا. وفكرة فرار غير العرب ماتت مع الأربعاء الأسود عام 1979، ولم
تثبت في انتفاضة 2005، بل دحضتها اشتباكات المستوطنين الأخيرة مع النظام. هم لا يهربون، بل يقاتلون ويُقتلون دفاعًا عن أرض باتت وطنًا لهم. من يدفع ضريبة الدماء لن يرحل.
ضعف طهران سيحوّل الصراع من معركتنا معها إلى حرب أهلية بين مكوّنات المنطقة على الأرض والسلطة. سنواجه مجتمعات مسلحة متجذّرة، لا فراغًا نملؤه بسهولة. لذا، غياب السلطة لا يعني التحرير، بل فوضى أكثر دموية.
الخلاصة القاسية: ساعة الصفر ليست لحظة تحرير، بل اختبار وجودي، وعلى الأحوازيين الاستعداد العقائدي والتنظيمي لذلك اليوم قبل فوات الأوان».
جمال – ملبورن
الأربعاء، 21 يناير/كانون الثاني 2026
ورغم اتفاقي مع بعض ما ورد في هذا الطرح، وبالنظر إلى تصاعد المدّ الشوفيني الفارسي، ولا سيما داخل التيار الملكي المعادي للعرب، أرى أن مواجهة هذا الخطر لا تكون بالانكفاء أو التعويل على لحظة انهيار مفترضة، بل عبر العمل المشترك وبناء ائتلافات سياسية مع القوى الجمهورية والفدرالية والتقدمية داخل إيران، بما يحدّ من مشاريع الإقصاء ويمنع إعادة إنتاج الاستبداد بصيغة جديدة.



















