ثورة الكتاب المطبوع

خير جليس

ثورة الكتاب المطبوع

(في طفولتي عندما كنت ألعب وأشاكس أحياناً. ويشتكي البعض من تصرّفاتي، ويصل الخبر لوالدي، كان يعاقبني. ليس بالضرب؟ ولكن بحبسي في غرفة المكتبة لساعاتٍ طويلةٍ. وهنا كان ليس أمامي سوى الكُتب وليس لديّ أيُّ خيارٍ آخر سوى القراءة؟ فأجلسُ أقرأ وأطالع. ومنذُ ذلك الحين تولّدتْ لديّ فكرة الصّداقة والتّوأمة مع الكتاب…). هذا جانب مّمّا تحدّث به أديب وكاتب عربي عن علاقة الفرد والمواطن العربي بالكتاب وتدهور وتدّني نسب القراءة في المُجتمعات العربية؟ وذلك في ندوة ثقافية استضافته. حيث عرض تجربته الشّخصية مع الكتاب… وهنا لا أُريد القول أن نضع أطفالنا في غرفة المكتبة ونحتجزهم لعدة ساعاتٍ عقاباً على فعلٍ أو عملٍ مُسيءٍ اقترفوه لأنّ هناك شريحة من الأطفال لا ينفع معهم العقاب. وحين تضع البعض منهم في هذه الغرفة فهو لا يبحث عن الكُتب لكي يقرأها فحسب، بل يبحث عن عودِ ثقابٍ لكي يحرقها ويحرق نفسه. ولكن هذا المثال الّذي ساقه في حديثه، ينطبق على مجموعةٍ من الأطفال الّذين هم مؤهلين للمعرفة وقابليتهم الفكرية مُنذ الصّغر قابلة ومُهيئة للصقل والتّعلّم. فلا يحتاج الطّفل من هذا النّوع سوى التّوجيه واتّباع الأسلوب الصّحيح والعلمي له وبالنّتيجة خروجه مُتعلّم ومتنوّر ويشق طريقه نحو الصّواب ويصل إلى مراحل متقدّمة من التّعليم. ولكن يبقى هذا نموذج نستفيد منه لشريحة معينة من الأطفال وليس كلهم. والحديث يطول ويطول عن تدّني نسبة القراءة في عالمنا العربي حيث كشف تقريـر (التّنمية الثّقافية) الّذي تصدره مؤسسة الفكر العربي: أن متوسّط قراءة الفرد الأوربّي يبلغ نحو 200 ساعة سنوياً؟ في حين يتناقص معدّل القراءة لدى الفرد العربي إلى 6 دقائق سنوياً، واصفاً نسبة القراءة المسجّلة في الوطن العربي بـ “المُخيفة والكارثية؟”. وأضاف التّقرير أن مستوى القراءة في الدّول العربية يتفاوت من بلٍد لآخر حسب العديد من المُحدّدات. أبرزها عامل السّن، والمستوى الثّقافي، والاقتصادي، والوسط المعيشي، والجغرافي، والبيئي. وبيّن أن بيئة التّعليم النّاقصة هي السّبب في تعطيل علاقة الإنسان بالكتاب، حيث حثّ على تطوير المناهج الدّراسية في المنظومات التّعليمية العربية من أجل تكوين جيل جديد قادر على رفع نسبة القراءة وتنمية مداركه. وبعد هذا التّقرير لا يمكن لأحدٍ أن يتكلم فالموضوع يحتاج إلى عملٍ كبيرٍ جداً من قبل الدّولة والمُؤسّسات الثّقافية للنهوض بمستوى القراءة للفرد العراقي وأعادة المقولة الشّهيرة قولاً وفعلاً والّتي غُرست في مُخيّلتنا وأدمنّا على سماعها في الماضي والحاضر وهي: (القاهرة تؤلّف، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ). ومن الجدير بالذكر بأنّ هناك محاولاتٍ رائعة بهذا الصّدد تقوم بها بعض مُنظّمات المُجتمع المدني بين فترةٍ وأخرى. وهي مبادرات جميلة ورائعة تبعث عن الأمل وتبث روح التّفاؤل على المستوى الثّقافي في عراقنا الحبيب، ففي كُلّ عام تقيم هذه المُنظّمات الثّقافية المتعدّدة وعلى حدائق أبي نؤاس تجمع ثقافي مدني أطلق على نفسه أسم: (أنا عراقي، أنا أقرأ). وسط العاصمة العراقية بغداد هدفه إعادة الصّلة واللُّحمة للكتاب مع القاريء والمُثقّف العراقي بعد فترةِ جفاءٍ وبعد الثّورة المعلوماتية الهائلة لما لها من تأثيرٍ كبيرٍ على إقتناء الكُتب والعناوين الثّقافية الجديدة. حيث عُرضت آلاف الكتب للقراءة وأُقيم على هامش الكرنفال الثّقافي عدّة فعاليّات وأنشطة ثقافية منها: الرّسم في الهواء الطّلق، والنّحت، وقراءات شعرية لمجموعة من الشّعراء، إضافة إلى عزفٍ موسيقيٍ مُنفرد على آلتي الغيتار والعود، كما أُقيم جدار حُر كتب عليه المشاركون أهدافهم وآرائهم بالمبادرة. وعُرضتْ أيضاً رسائل أُرسلت من أدباء ومواطنين في المهجر حيث قدّموا الدعم المعنوي للمشاركين، ومن بين هؤلاء قدّم الشّاعر الكبير مظفّر النّواب رسالته حيث قال: (أنا عراقي، أنا أقرأ) إنّه مشروع رائع… فتحيّة وألفِ تحيّةٍ لهذه المجموعة الرّائعة لما يقومون به من عملٍ تطوّعيٍ هدفهُ الأوّل والأخير التّرويج لخيرِ جليسٍ في الزّمان وهو: (الكتاب)… ومن هُنا يأتي الدّور الكبير على الدّولة، وجميع المؤسّسات المعنية بهذا الصّدد، وكذلك المُنظّمات والمراكز الثّقافية، ودور النّشر والطّباعة… أن تُعيد للكتاب هذه اللّحمة وهذه العلاقة مع الفرد العراقي، وانسجاماً وتأكيداً لقول الباري عزّ وجلّ وهو يُخاطب النّبي الأعظم مُحمّد بن عبدالله (ص) في أوّل آياته الّتي نزلتْ عليه قائلاً: (أقَرَأ بِـِاسِم رَبِـِكَ الَذِي خَلَقَ) صدق الله العلي العظيم.

رحيم رزاق الجبوري  – بغداد