ثقافة المرأة ممتدة ومتجذرة في المجتمع – فاروق سلوم

مي مظفر : انا ورافع الناصري في التقاء الحرف واللون والرؤى النهرينية

ثقافة المرأة ممتدة ومتجذرة في المجتمع – فاروق سلوم

مي مظفر الكاتبة والشاعرة والناقدة العراقية ، تتنوع في الكتابة ومقارباتها بين جيل من الوعي والكتابة الابداعية في بلادنا . ومنذ مجموعتها القصصية خطوات في ليل الفجر 1970 وهي تطلق كتاباتها واصداراتها في القصة والشعر والنقد التشكيلي والسيرة والبحث الفني والترجمة ، حتى ليبدو ذلك التنوّع الأنتقائي نمطا ابداعيا من النشاط والفعل في المشهد الثقافي الى الدرجة التي تجعل من كتابها الصادر عام 2015 الموسوم ” الفن الحديث في العراق التواصل والتمايز ” كتابا مهما وجدليا تحول الى مصدردراسي مقرر. لقد جعلت من مضمون ذلك الأصدار يروي حقائق وتحولات المشهد التشكيلي العراقي من تشكيل المجموعات الفنية وطموحاتها الفنية الى المعارض الأستعادية الكبيرة للفنانين الفاعلين والمؤثرين عند جيل الستينات من التشكيليين واهميتهم . تقول “مي” في كتابها سيرة الماء والنار – انا ورافع الناصري ” توطدت علاقتي بالفنانين التشكيليين .. وبحكم حضوري النشاطات الثقافية اصبحنا نلتقي في جمعية الفنانين التشكيليين في المنصور ، كان كل من ضياء ورافع عضوين في هيئة الأدارة التي يرأسها النحات اسماعيل فتاح .وكان للجمعية انذاك برامج ونشاطات ثقافية ومكان للقاء مجموعة الرؤية الجديدة : ضياء العزاوي وصالح الجميعي وهاشم سمرجي واسماعيل فتاح فضلا عن طارق ابراهيم ومكي حسين” .

انها تقدم في كتابها سرديتها الخاصة هي ورافع ، وهما الكاتبة والرسام ، الشاعرة والرسام في ذلك التناغم الأنساني الفريد والتكامل الروحي والعلاقة الثقافية الأنسانية والفنية في انتمائها وحضورها الفاعلى في الرسم والبعد الثقافي والتربوي عند رافع وفي الكتابة القصصية والشعرية والنقدية عند مي . و مثلما تضع تلك الذكريات والتداعيات والرسائل والوثائق والصورلتمنح شهادات نوعية على تكوين ثقافي وحياتي وانساني فأن لقراءتها معنى خاص هو مزيج من روح نص السيرة الى لوعة العلاقة الوجدانية التي خلقت ذلك الثنائي المتكافيء في الأبداع والأنعكاس في مرايا الأدب والتشكيل البصري .

اسماء نسائية

مي عباس مظفر منذ الستينات اسمٌ ادبي له رنين الندرة والخصوصية مع اسماء نسائية لها حضورها في المشهد الأدبي والثقافي العراقي بصفتها كاتبة للقصة القصيرة وناقدة تتابع المعارض والنشاطات التشكيلية وتؤسس لنظرة نقدية لها طابعها التوثيقي من جهة ولها طاقتها الفنية لكشف الجماليات الأسلوبية للذين كتبت عنهم من جهة اخرى. وهي منذ مجموعاتها الشعرية ” طائر النار ” و” غزالة في الريح” كشفت جذورتلك الشعرية التي تتسم بها كتاباتها القصصية في مجموعاتها القصصية ” البجع ،وخطوات ونصوص في حجر كريم ثم بريد الشرق واخرها الم يبق منهم احد” انها تمنح تلك السرديات روحا شعرية تضيء المعنى عبر بنية لغوية مكثفة تكرس تلك الأسلوبية التي ترافق طريقة مي النثرية في دراساتها النقدية ونصوصها الأخرى وفي الأهم من الكتب التي ترجمتها مثل “صناعة الشعر – تيد هيوز واللوحة والرواية – جفري ميرز ، و الأوهام البصرية – نيكولاس ويد والشعر والرسم فرانكلين وماري روجرز وباريس عندما تتعرى – ايتيل عدنان والترجمة المهمة لكتاب حياتي مع بيكاسو ج1 و ج2 – فرانسوا جيلو وكارلتون ليك ” وهو من الترجمات المهمة والنادرة التي قرأها الرسامون وطلاب الفنون والقراء العاديين بنهم عجيب لفرط ما للغة الترجمة وروح السرد من خصوصية وجمال ومتعة نادرة.

لقد لفتت تلك الثنائية الأبداعية ” مي مظفر ورافع الناصري ” في تناغمها الوجودي والأبداعي في البيئة الثقافية العراقية حيثُ اثمرت ابداعا نوعيا في الكتابة عند “مي” ازاء النقد والقراءة والترجمة،وجماليا وتربويا في اعمال “رافع” التشكيلية في المعارض وفي التأثير في اجيال من طلاب الفنون الذين درسوا وتدربوا على يديه .

وفي مقدمة مجموعتها الشعرية ” غياب -1914″ تقول مي ” كتبت قصائد هذا الديوان مابين 2009 – 2014 ولدى اكتمال جزء كبير منه ، عرضت القصائد على رافع ، قارئي الأول والأهم ، فلامست مشاعره اول مالامست ، بنبرة صوتها الخافته وتماهت مع مايعتمل في وجدانه من مرارة الفقد .”

مجموعة غياب

 وفي دراسة الشاعر الكبير سعدي يوسف عن مجموعة ” غياب ” يقول مؤكدا ذلك التواشج والثراء الروحي والفني والشعري بين مي ورافع ” موضوعة مي مظفر التي استغرقت ديوانها ، بل حياتها هي ، بأختصار : رحيل رافع . رافع الناصري الفنان الرفيع حقا . رافع رفيق حياة مي الذي رحل عنها وعنا كما يفعل السحاب .  العلاقة النبيلة بين مي ورافع ، اثمرت فيما اثمرت تواشجا بين فنين الرسم ” غرافيك” والشعر . نجد ذلك في اعمال رافع الناصري التي تستلهم نصوصا شعرية ً .. ونجد ذلك في نصوص مي مظفر التي تحفل بأهتمام تشكيلي . اي مقاربة لمجموعة مي تستدعي الأنتباه الى غيابين : غياب رافع الناصري الذي اختطفه الموت من بين احضان مي .. وغياب العراق الوطن الذي اختطفه المحتلون وعملاؤهم الحاكمون ” ..

في سردية كتابها ” مي مظفر انا ورافع الناصري سيرة الماء والنار – 2021″ تتجلى صورة الثنائي المتكافيء في شراكة نهرينية رفيعة في عاطفتها وحنوّها وابداعها المشترك في الحياة العائلية المشتركة من جهة وفي شراكة الحياة العراقية بمفرداتها الجمالية والثقافية والاجتماعية . وقد وضعتنا مي مظفر في كل تفصيل يومي عن حياتهما الأبداعية والمشتركة عبر المدن واماكن العمل والمعارض والناس والأصدقاء والفنانين العراقيين ومن مختلف انحاء العالم حيث اعتنت المؤلفة لسنوات طويلة لتحكي كيف يمكن ان تثمر العلاقة المتناغمة في بيئة الأبداع الكثير من الضوء واللون وبهاء الحرف .والحق انني ارى انه لم يكن غريبا ان تلفت مي مظفر نظر الكثير من الأدباء العراقيين و العرب خلال سيرتها السردية وشعريتها ودراساتها النقدية في الفنون البصرية وعلاقاتها الثقافية في الوسط الثقافي العربي من امثال الأدباء والشعراء سعدي يوسف وانسي الحاج وادونيس ونزار قباني وجبرا ابراهيم جبرا ونجيب المانع واخرين وجدو في كتاباتها الحرف المضيء والفكرة النهرينية النبيلة .