ثقافة التخريب

ثقافة التخريب

أرى أنّ حمّى الأغاني والمسسلات الهابطة، وبعض برامج المنوعات، أصبحت عملاً ممنهجاً يجري على قدم وساق ورأس وظهر وبطن، وعلى أكثر من صعيد الغاية منه تخريب أذواق المتلقّين وتسفيههم والعزف على هذا الوتر ذي النغم النـــشاز، إن كانت هذه الغاية الكسب الماديّ أو أيّ سبب آخر، بالمحصّلة النهائيّة وفي الحالات كلّها، يتمّ خلق جيل غير مسؤول، فالكبـار عقــلاً وإدراك لا يُخاف عليهم فهم واعون لهذا كلّه، ولكن خوفنا الكبير على هذا الجيل -جيل (أحبك يا حمار.. وصديقي باك (سرق) محفظتي وبعض برامج المنوعات غير المحترمة…. الخ من تفاهات).

 أقول أن الخوف على هذا الجيل يتمحور على ضوء مانراه ونسمعه من سخافات تكاد تكون يوميّة، في أخطر سلاحيْن ذويْ حديْن هما التلفاز والإذاعة، فهناك من يستغلّهما لخلق جيل راقٍ مثقّف متعلّم يرتقي ببلده إلى مصافّ الدّول المتقدّمة، والآخر يستخدمه لتخريب هذا الجيل من المراهقين الذين يتلقّفون أيّ شيء يرونه ويسمعونه. المسؤوليّة تقع على عاتقنا جميعاً آباء ومعلّمين، مربّين ومراجع قادة وساسة، كلٌّ في مجاله وفلكه الذي يدور فيه، ولاسيّما أهل الإعلام والثّقافة والأدب والفن، فهم من يمتلك الوسائل المؤثّرة والأدواء الناجعة لعلاج تلك الأمراض المتفشيّة، والتي تسير في طريق وجودها أمراضاً مستعصية مزمنة أصبحت تنهش جسد المجتمع الذي بدأ يتفكّك نتيجة عدم الاستقرار السياسيّ ليس في العراق حسب، وإنّما في بلدان الشرق الأوسط جلّها، لذا يجب أن يكون هناك وعي يمهّد لهجوم ثقافيّ إعلاميّ أدبيّ وفنيّ مضاد وفي الاتجاهات كلّها، لإيقاف هذه الحرب التخريبيّة الشنعاء..

فتخريب العقول والأنفس أعظم بلاءً من تخريب البناء، فالأخير -إن خُرّب- يمكن إصلاحه وإعادته مرّة أخرى كما كان عليه بل أفضل، أما تخريب العقول والأنفس -إن وقع- فلا يمكن إصلاحه بيسر وهو ما نراه الآن بكل أسف، لهذا كلّه يجب أن تتضافر الجهود جميعها لإيقاف هذه الحرب، ولا نتصوّر أن ثمّة سهولة بهذا بل سيكون كارثة كبيرة يصعب معالجتها، حين نرى المختصين الذين يمتلكون الوسائل والأدوات التنفيذيّة واقفين مكتوفي الأيدي ملجومي الألسن إزاء مايحدث، حينها تكون المسؤوليّة مضاعفة والجهد يجب أن يكون كبيراً ممنهجاً ومازال هناك أمل لإصلاح ما خُرّب، وإن توافرت الإمكانات تسبقها النيّة الصادقة للإصلاح، حينئذ لا يوجد مستحيل وسيكون مانصبو إليه ممكناً.

هيثم السلمان – بغداد