الجواهري في ذكرى رحيله العشرين

ثراء لغوي يوازي معجماً أو قاموساً
5- لقاءاتي الثلاثة مع الجواهري
د. خالد السلطاني
تسنى لي اللقاء بالشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري 1997- 1990 ورؤيته عن كثب، والحديث معه بشكل شخصي ومنفرد ثلاث مرات. وما برحت اتذكر، لحين الوقت الحاضر، “حرارة” تلك اللقاءات وبهجتها… و”لذاذتها”، رغم مرور تلك السنين، او بالاحرى… عقود من سنين على تواريخ عهدها! واعتقد ان باعث تلك البهجة يرجع، في الاساس، الى محبتي واعتزازي الكبيرين بالشاعر الفذ: شاعر العرب الكبير كما يحلو لنا تسميته بذلك!
كان الجواهري بالنسبة اليّ، انا الذي ترعرت على حب الجواهري والاهتمام به وتعقب اخباره، في مدينتي الصغيرة ” الصويرة” (وهي من اعمال واسط)، التى تكن له الاحترام والتبجيل، والذي كان اسمه فيها، ولدى كثر من مثقفيها، مرادفاً لتقييمات كثيرة ومتنوعة، من مثل: “الشاعر المبدع”، و”البطل” و”الوطني” و”الانسان الشجاع” و”المناضل” ، وحتى … “المتمرد”! وعندما حصلت على بعثة دراسية حكومية للدارسة خارج الوطن عام 1959 وجدتها فرصة مواتية لان ازور الجواهري في مكتبه بجريدة “الرأي العام” في شارع المتنبي ببغداد واللقاء معه. كنت تواً ، قد اشتريت “ديوانه” الشعري، من “المكتبة العصرية” المعروفة وقتذاك (ازيلت لاحقاً، وكان موقعها لصق مقهى الشابندر). كانت “حجة” الزيارة نيل توقيع الجواهري على ديوانه، ليكون لي تذكارا وفخرا في سنوات “غربتي” المقبل عليها! وعلى عجل تسلقت السلم الذي يوصلني الى الطابق الاول في احد مبان الشارع المكتبي العتيد، حيث مكاتب الجريدة التى كان يصدرها. بالطبع لم يكن وقتها ضرورة لما يعرف اليوم بـ”الحس الامني”. دخلت الى المكتب/ الشقة مباشرة، ورايته لوحده، يتمشى في غرفته رواحا ومجيئا. فدفعت بالديون له، طالبا ان يوقعه. وقد انساني خجلي “الريفي”، تحيته اولاً. لكنه، اخذ الكتاب مني، وبدا كأنه يمارس فعلا عاديا ومعتادا، في حين توقعت “ورطة” كلامية، عن هذا “الطقس” الغريب على الحياة الثقافية وقتذاك، والخاص بتوقيع كتاب، الذي يقترحه هذا “الريفي” الخجول! بعد ذلك القصة… معروفة! اذ تحدثت بمقال مسهب، نشر على صفحة كاملة في جريدة المدى البغدادية بتاريخ 27 تموز 2004 عن ذلك اللقاء واللقاءات الاخرى التى جمعتني بالشاعر الكبير.
ما اثارني في ذلك اللقاء، ليست “واقعة” رؤية الجواهري شخصياً واللقاء به، التى كنت اتوق الى تحقيقها منذ زمن؛ ما اثارني هي “اصابع” يديه! كانت اصابع نحيفة وطويلة؛…طويلة جدا! لم ارَ في حياتي اصابع بهذا الطول! وعندما طلب مني قلماً ليوقع الكتاب، تظاهرت باني لا احمله. اذ شعرت “بحسي الريفي”، باني اذا سلمته القلم (وكان معي في جيبي)، ستنتهي “المقابلة” سريعا، وهذا ليس في صالحي! في صالحي ان “امكث” عنده اطول فترة ممكنة. ومن حسن الطالع، فانه “فتش” كثيرا عن قلمه بين اوراق عديدة ومتناثرة في غرفته، حتى…وجده: “قلم باندان ضخم”! عند ذاك سألني عن اسمي، ثم وقع الكتاب مع تمنيات صادقة منه اليّ!.
اما “حادثة” اللقاء الثاني، فقد كانت وقائعها، اضافةً، الى … “طرافتها”، فانها ظلت حاضرة في ذاكرتي دوما. اذ عرفت، وقد كنت وقتها، بمطلع الستينات، طالبا في مدرسة العمارة بموسكو، من ان الشاعر الجواهري سيحضر مؤتمرا عالميا في العاصمة السوفياتية، خاصا بالسلام العالمي (عقد (1962فقمت باعداد تخطيطا شخصيا “بورتريه” لتقديمه له، عندما التقي معه في ذات المقهى الموسكوفي الواقع في اروقة الفندق الذي سينزل به، والذي كنت مع اخرين نعتبر انفسنا روادا دائمين له؛ اذ كان ذلك المقهى، وقتئذٍ، هو “المقهى” الوحيد في موسكو على الطريقة الباريسية. كانت هديتي تلك، مشفوعة بتوق شديد ان اقدمها له مع “تقبيل يديه”، تماما كما كان صديقي “مجيد بكتاش” يعيد ويكرر امام مسامعنا فقرة من رسالة كان الاستاذ الجواهري قد وجهها الى “زميله” الصحفي “طه لطفي البدري”، التى كانت صحيفته “تذود” بضراوة في الدفاع عن الجواهري ومؤيدي ثورة 14 تموز، ابان اشتداد الصراع الدائر بين اليساريين وما دعي، وقتها، بالقوميين! كان مطلع تلك الرسالة الشهيرة، التى بعثها “علانية” على صفحات جريدته الرأي العامالى الصحفي القديم، كما يلي: عزيزي طه لطفي البدري، اقبل يديك الراعشتين! (كناية عن بلوغ البدري عمرا طويلا!).
وقد نشدت انا، ايضا، وانطلاقاً من واقعة “تقبيل الايادي” تلك، الدالة على إبداء إحترام عميق ومميز، (هي التى امست عند مجيد بكتاش لازمة يكررها دوما على مسامعنا)، ان اقوم بالفعل ذاته، وان اقبل “يدي” الجواهري عندما اسلمه التخطيط / الهدية، اعرابا مني على المودة والاحترام اللذين اكنهما له! وامام حضور حشد من اصدقائي ومعارفي (من بينهم غائب طعمة فرمان، وعبد الوهاب البياتي، ومجيد بكتاش ذاته!وخالد الزبيدي وعبد الامير الربيعي، بالاضافة الى عزيز شريف والشاعر حسين مردان عضوي الوفد العراقي الاتيين من بغداد بصحبة الشاعر الكبير، وغيرهم كثيرين)، فتحت “محفظتي” الورقية، واخرجت “التخطيط”، حالما وصل الجواهري للمقهى، واتخذ مكانا له، وقدمت التخطيط مباشرة له. كانت لحظة مربكة بالنسبة اليّ، وازعم بانها كانت مربكة للجواهري…ايضاً، اذ انه لم يكن يتوقع هذه الهدية، كما ان الامر كان مفاجئا و…مباغتاً له! ورغم ظهورعلامات قبول الجواهري الايجابية للهدية، وفرحه بها، فان ذلك لم يساعدني كثيرا في سرعة “تفعيل” الخطوة التالية التى كنت انوي القيام بها، ويترقبها جميع اصدقائي ومعارفي من الحضور. وامام هذا التلكؤ الذي اصاباني فجأة، صاح اصدقائي بصوت واحد: “قبله…قبله!”، مناشدين اياي، بعدم التباطؤ و”اجراء” المرحلة الثانية بتقبيل يدي الجواهري، كما هو منتظر مني! لكن الشاعر الكبير، فهًمً من ان تلك المناشدة، موجه له “شخصيا”، فقام من توه بتقبيلي، شاكرا ومقدرا جميل صنعي، وانا في حيرة من امري. اذ بدلا من ان اقبل يدي الجواهري، امسيت ، فجأة، الشخص “المُقبل”، اي عكس تماما لما خططت ونويت!
لم يكن”التخطيط” المُهدى، كاملا، بالطبع، من الناحية الفنية. فهو مشغول من قبل “فتى”، يدرس العمارة، لكنه غير فنان بالمهنة. وكان “غاصاً” برموز ودلالات تلك المرحلة ومزاجها وذائقتها… وطموحاتها، كما يراها ذلك “الفتى”! فمخطط الصورة الشخصية للشاعر، كان يتقدمه في زاوية بالامام رسما تجريديا يرمز الى حمامة سلام، في حين وضعت “شعلة الحرية” خلف المخطط الشخصي، وهجها المتعالي من فوهتها يشي بتشكيل ظلي Silhouette “للمطرقة والمنجل”، او هكذا كان يراد لذلك “التشكيل” ان يظهر! لكن الامر الاهم في كل هذه “القصة”، بقي يتمثل في “حرص” الشاعر الجواهري، في هذا المخطط واهتمامه الزائد به. بحيث تنقل معه من مكان الى آخر. وطبع، مرة، على صفحة احد اجزاء مجلدات “ديوانه” الكامل الذي صدر في بغداد. وهذا بحد ذاته كان بالنسبة الي، يمثل حدثا مهما ورائعاً، ما انفكيت اعتز به، واشعر بامتنان كبير للشاعر المعروف بحسن تقبله لتلك “الهدية” الطافحة بالاخطاء الفنية والاسلوبية، كما اراها الآن.
عندما تعينت في كلية الهندسة بجامعة بغداد استاذا في القسم المعماري عام 1974 كان معي يعمل، ايضاً، استاذا في الكلية وإن كان في قسم آخر، صديقي د. كفاح الجواهري، ابن الشاعر الكبير. وذات يوم من سنين منتصف السبعينات، اخبرني كفاح بان “المخطط” الذي سبق وان اهديته الى الاستاذ الجواهري، لا يزال سالماً، وانه “معلق” الان على جدار غرفة الضيوف في مسكنه البغدادي الواقع بحي القادسية (كما اذكر)، حيث يسكن الشاعر مع عائلته. وابديت لصديقي كفاح رغبة ان ازور الجواهري في بيته واتعرف عليه عن كثب بعد مرور تلك السنين الكثيرة، عن اول لقاء معه في نهاية الخمسينات، وليكن هذا اللقاء هو اللقاء الثالث بيننا. بعد فترة، اعلمني كفاح بان الجواهري يود ان يراني ويدعوني الى بيته.
وفي الموعد المحدد، ذهبت برفقة الصديق كفاح الى بيت الشاعر الكبير، تملئني الغبطة من اني سارى “شاعري” المبجل، الذي اكن له التقدير والاحترام الكبيرين، ليس فقط بسبب موهبته الشعرية التى لا تضاهي، وفقاً لكثر من النقاد الجادين، وانما ايضاً، لمواقفه المشرفة العديدة كانسان مناضل، ووطني غيور. لست الوحيد، في محبتي وتقديري للشاعر، كان كثر من العراقيين يشاركونني هذا الاحساس تجاه منجز الشاعر الابداعي، ومواقفه الفذة في الدفاع عن حقوق ومصائر الاخرين. ولعل قصائد شعره بلغته الفريدة والاستثنائية في جمالها، التىي يحفظها كثر من الناس (كما احفظها انا شخصيا)، تدلل على تلك المعاني والمقاصد النبيلة، هو الذي كان، دوما، سباقا في قولها والمناداة بها، والتأكيد عليها واستذكارها. كل هذا كان يجري امام ناظري سريعا وانا مع كفاح في سيارته لزيارة الشاعر في بيته، متذكرا كم كنت مولعا ليس فقط بشعره، وانما بنصوص تلك <المقدمة> الشهيرة و”سرديتها” التى لا مثيل لها، والتى لا يخلو جزء من اجزاء الديوان العديدة من حضورها البهي. دعى الشاعر تلك المقدمة، بـ “مقدمة الديوان”، وعنونها: <على قارعة الطريق>هي التى كنت احفظ نصها: كلمة وراء كلمة، مثلما كان يحفظ كثر قصائد الجواهري الشعرية عن ظهر قلب!واستقبلنا الشاعر بحفاوة وحرارة، وقد ذكر كفاح له ولضيوفه، باني صاحب التخطيط المعلق الان في هذه الغرفة. ولمحت “التخطيط” معلقاً على الجدار وهو في اطار خشبي، وقرأت سريعا ما كتبته، سابقاً، في اسفل التخطيط <الشاعر والانسان الجواهري، مع حبي واعجابي العميقين، 14 تموز 1962>. كانت غرفة الضيوف تعج بضيوفه عرفت منهم د. مهدي المخزومي ، ود. على جواد الطاهر وغيرهم، والذين اثنوا جميعا على “مهارتي” الفنية، وحسن هديتي للشاعر بعد ان تكفل الجواهري بسرد قصة ذلك التخطيط ومناسبته التى تعود الى اكثر من خمسة عشر سنة الى الوراء!
… كان ذلك اللقاء اخر عهدي بالجواهري؛.مثلما كان اخر عهدي “بالمخطط”، الذي لا اعرف مصيره في الوقت الحاضر!.
{ معمار وأكاديمي
6- من جواهر الفقه إلى جواهر الأدب
د. صباح علي الشاهر
ربما أكون من المحظوظين الذين قيض لي أن ألتقي بالجواهري العملاق أكثر من مرة، آخرها في لندن في حفل تكريمه الذي أقامته جريدة “القدس العربي” في تسعينات القرن الماضي، نحن جيل يفتخر أنه عاش في عصر الجواهري الخالد، والجواهري قصيدة، مكتوبة أم مسموعة أم مرئية ، عندما تكون في حضرة الجـــواهري فأنت في حضرة الشعر كله.
كنت وما زلت أتهيب الكتابة عن شعر الجواهري، فشعر الجواهري جبل سامق يصعب إرتقاءه، لكنني أود أن اشير إلى أن الجواهري ظاهرة شعرية عربية فذه يستعصي على التأطير الأكاديمي ، هو المدارس الشعرية كلها ، ويخطيء من يحشر شعر الجواهري في مدرسة أدبية ، ويخطئ أكثر ذاك الذي يصنفه كشاعر كلاسيكي إحتكاماً لعمود الشعر ، أي للشكل، علماً أن الشكل ليس هو من يحدد المدرسة الأدبية بل المضمون، ومضامين شعر الجواهري لا تؤطرها مدرسة، هو كلاسيكي الشكل، رومانسي الأحاسيس، واقعي التناول، إنساني النزعة، عراقي الإنتماء، عربي اللسان والهوى، ثوري المواقف، ملتحم بقضايا شعبه وأمته ، والإنسانية جمعاء.
وهو مجدد ومطور في المبنى والمعنى ، ومبدع معان ومفردات ، إسميها بلا تحفظ ( جواهرية ) ، ولا يسع المجال إحصاء مفردات الجواهري المتفردة التي لم يسبقه إليها أحد .
” جربيني” قصيدة كتبها في عشرينيات عمره سبقت ما كتبه نزار بعقود، و” أنيتا” معلم إبداعي متجاوز لزمانه مبنى ومعنى ، ولسنا بصدد شعره النضالي ، فذاك ميدان لا يضاهي الجواهري فيه أحد ، ولا أظن أن الشعر سيحضي لأمد غير منظور بشاعر يلتحم عضوياً بقضايا شعبه وأمته ويعبرعن نبض الناس كما عبر الجواهري الخالد.لله درك يا أبا فرات، شرقوا وغربوا في محاولة تعريف ما لا يُعرّف، لكنك بلمسة عبقرية جواهرية أدهشتنا ( فواجد هم بث ما يجدُ )، وذلكم هو “أصل الحكاية” كما يقول أخوتنا أبناء وادي النيل، لقد حمل الجواهري همه، وهم الناس ، وهم الشعب ، وهم الأمه ، وهم الإنسانية ، ولم يتوان لحظة عن البوح مهما كانت الظروف والعقبات ، فأحتل بجدار موقعه في قلوب الناس ووجدانهم ، وحفر إسمه في سجل الخلود الأبدي .
{ كاتب واكاديمي
7- جوهــرة العصــر
عدنان الاعسم
تمر الذكرى العشرون على رحيل الجواهري العظيم. ترى أيرحل الخالدون حقا ؟ وكأني به يتقدم في وجهتين .. في عمق التاريخ والى اامستقبل بلا نهاية. فبه استوى الشعر وارتقى الادب ، واغتنت ثقافة البشرية بدرر عربية المظهر وانسانية /اممية/ الجوهر.
الذكرى العشرون لرحيله. وكأنه زمن طويل مضى وانقضى. لم أر بين الناس من يشعر بذلك.
في اللقاءات والحوارات يتحدثون عن شعر حي وكأنه قيل توا، ويستعينون به لوصف الاحداث الجارية والجديد في حياة ”الان” . وكأني بالجواهري في مقعده يرنو اليهم بعطف ليشاركهم الهموم.
جوهرة العصر” لم يسبقه وما تلاه أحد فيما قال. وديوانه يحتل مكانه على الرف الاعلى الى جانب الكتب ذات الرفعة والقدسية…
وفي عقول وقلوب الناس. هذا هو الجواهري الذي اقتنص المجد والخلود وهو بعد حي يرزق . وستمر العهود والقرون وهو باق في العقول والقلوب ينعش الورود والزهور في الضمائر والصدور . تمر الذكرى العشرون على رحيل الجواهري العظيم. ترى ايرحل الخالدون حقا ؟ وكأني به يتقدم في وجهتين – في عمق التاريخ والى المستقبل بلا نهاية. فبه استوى الشعر وارتقى الادب، واغتنت ثقافة البشرية بدرر عربية المظهر وانسانية /اممية/ الجوهر. الذكرى العشرون لرحيله. وكأنه زمن طويل مضى وانقضى. لم أر بين الناس من يشعر بذلك. في اللقاءات والحوارات يتحدثون عن شعر حي وكأنه قيل توا ، ويستعينون به لوصف الاحداث الجارية والجديد في حياة ”الان” . وكأني بالجواهري في مقعده يرنو اليهم بعطف ليشاركهم الهموم.
ما تميز به الجواهري ثراؤه اللغوي بلا حدود. فلم يعرف الادب العربي شاعرا بمثل هذه السعة حتى لكأنه بين المعاجم والقواميس نهر يتدفق بلا فتور. وبفضله أخذ الخزين اللغوي لدى الادباء والشعراء، وعامة المثقفين، في العراق يغتني ويرتقي شيئا فشيئا.
وفي الفترة الاخيرة ظهرت اقتراحات للقيام بدراسة احصائية لتحديد كمية الكلمات التي استخدمها الجواهري. ولعل الفوائد التي سيجنيها الدارسون والادباء من نتائج دراسات كهذه لا حدود لها. وستؤدي الى انجازات علمية فائقة ولائقة.
وكان اختيار الجواهري واستخدامه موسيقى الاوزان الشعرية يخرج عما جرى التعارف عليه. واستطاع ان يوظفها لما يخدم التعبير عن المضامين. وبذلك حقق قفزات مذهلة في ايقاض العقل واستفزاز العواطف بالاستناد الى امكانات لم تكن معروفة تماما في الاوزان والتفعيلات. كما فعل في قصيدة ”أخي جعفرا” مع تفعيلة ”فعولن” … لم يكن استخدامه واخضاعه تفعيلة ”فعولن” ناتجا عن الضرورات الشعرية والمتطلبات الاخرى…كان يدفعها لتنسجم مع ضربات القلب وتقلبات العواطف ، وبذلك تمكن من التعبير عما يعجز عنه الكثيرون.
وشعر الجواهري كلاسيكي من حيث الشكل وحسب. أما المضامين فلم يسبقه اليها أحد. وحتى في السياسة والاندفاعات الوطنية السائدة آنذاك كان يخرج عن المألوف ويندفع لدعم تطلعات وتمنيات شعبه الحقيقية غير مبال بعنجهية السلطات.وفي توجهاته الوطنية والسياسية كان الجواهري يدعم الاحزاب الوطنية ومطالبها الشرعية. ولكنه في الوقت ذاته كان يمثل نفسه في كفاحهمن اجل حرية وسيادة الشعب والوطن. وكان فريدا في هذا المضمار، وكانت القوى الوطنية تنحني اجلالا لمواقفه وكلماته.
ولعل ديوان شعره هو الاوحد في تاريخ الشعر العربي ، بل والعالمي، بمحتواه الوطني الذي يضع مصالح ومطالب الشعب والوطن فوق الذات وكل شيئ آخر. وكانت كلماته النارية توحد صفوف الشعب في كفاحه من اجل الحرية وكرامة الانسان. وهنا يمكن القول فصلا:الجواهري لم يسبقه ولم يتله شاعر بمثل رقيه وقوته وصدقه في كل شيء. وهذا ما عزز نبله من جهة واحترام الاخرين من جهة اخرى. والاخرون سواء كانوا في العراق أو في بلدان العالم الاخرى. ”جوهرة العصر” لم يسبقه وما تلاه أحد فيما قال. ودبوانه يحتل مكانه في الرف الاعلى الى جانب الكتب ذات الرفعة والقدسية…وفي عقول وقلوب الناس. هذا هو الجواهري الذي اقتنص المجد والخلود وهو بعد حي يرزق. وستمر العهود والقرون وهو باق في العقول والقلوب …
{ اكاديمي ولغوي


















