
حسن النوَّاب
ألم تجد جريدة الصباح الناطق الرسمي للحكومة غير هذا المانشيت السقيم؟ (السيد السيستاني يعود إلى البرَّاني) هذا المانشيت ركيك وساذج ومريب؛ ويُفهم من قبل أيّ قارىء بسيط كسخريَّة مُبطَّنة؛ ويبرهن على أنَّ من يشرف على تحرير الجريدة يجهل ألف باء الإعلام ويستخف بأهم شخصية مرموقة في الوطن عن قصد أو بدون قصد.على أمانة شبكة الإعلام العراقي استجواب الذي وضعَ هذا العنوان الهزيل، وإيقاف هذه المهزلة. ماذا لو كتب المحرر الجهبذ! (السيد السيستاني يعود مُعافى إلى منزله البسيط) وإذا كان المحرر الحصيف! يقصد السجع في المناشيت السخيف؛ فهذا سجعٌ بلا مشاعر وبمنتهى الغباء؛ إنْ لم يكنْ في منتهى الخبث.
أعلنت قبل يومين أسماء الفائزين بجائزة الإبداع التي تشرف عليها وزارة الثقافة والسياحة والآثار؛ وفوجئت مثل غيري أنَّ أحد الفائزين بلغ من العمر عتيَّا. بينما كنتُ أظنُّ سيتم اختياره من ضمن لجنة التحكيم وذلك لتجربته الطويلة في مجال اختصاصه، وإذا به يشترك في الجائزة؛ ومن المؤكد أنَّهُ وضع لجنة الإشراف على الجائزة بموقف حرج؛ فلا بمقدورهم مصارحته أنَّ اشتراكه في الجائزة لا يتناسب مع مكانته الفنية وسمعته الثقافية، ويكفي أنَّ قائد إحدى التيارات الدينية التي تتمتع بشعبية واسعة قد رشَّحهُ لمنصب وزير الثقافة في حكومة العبادي، على أية حال، صديقنا هذا كان يسعى إلى الجائزة في خريف عمره وهذا ما تحقق لهُ؛ بينما ذهبت نصوص الذين تنافسوا معهُ أدراج الرياح، لقد انتزع الجائزة منهم عنوةً ولا نملك سوى أنْ نبارك لطموحه الذي لم يكن في وقته؛ وليس بعيداً أنْ تكون لجنة تحكيم النصوص من زملائه أو تلامذته؛ فتصوَّر إلى أين وصل بنا العمى الإبداعي.
وزير الثقافة الدكتور عبد الأمير الحمداني، السومري الفارع مثل نخلة والمتواضع مثل عشب والدمث الأخلاق مثل راهب في كنيسة والعقل المتوهج مثل قنديل فوق ضريح مقدَّس هو أنجح وأنسب وزير ثقافة تسنَّمَ هذا المنصب في تاريخ وزارة الثقافة العراقية؛ فهو الأقرب إلى هموم وهواجس وتطلعات الأديب والفنان والصحفي، فهو يعرفُ أنَّه خرج من معاطف هؤلاء المبدعين جميعًا؛ ولذا ليس عجباً تراهُ يحرص الاستماع إلى نصائحهم ومقترحاتهم؛ لقد كتبتُ هذا التوقيع الخاطف عنهُ لأنَّهُ يستحق هذا الإطراء البريء، فهل سمعتم عن وزير ثقافة سابق يستقبل رسائل الأدباء عبر بريده الإلكتروني أو الماسنجر ويردُّ عليها بلا تأخير، برغم مشاغله الكثيرة. لكن المؤلم أنَّهُ جاء بالتوقيت غير المناسب في حكومة هزيلة لا يريدها الشعب، وأنَّ رحيله عن هذا المنصب خسارة لا تعوَّض لجميع المثقفين والفنانين والصحفيين وحتى الموظفين في الوزارة، فهو يحملُ في خزانة رأسه أحلاماً كثيرة لو أسعفهُ الوقت لتحقيقها على أرض الواقع، عسى أنْ يكون لنا في الطيب نصيب ويبقى وزيرًا للثقافة. ولعلَّ فطنته في إعادة النظر بجائزة الإبداع لتكون تكريمًا للرواد في شطرها الأول وتحفيزًا للمبدعين في شطرها الثاني وتكون برعاية رئاسة الجمهورية، وبذلك يبعد المخضرمين الأجلَّاء عن منافسة الذين مازالوا في ريعان الجنون والعذاب والأحلام، أجل هذا السومري النبيل لن نجد أفضل منه والأيام والسنوات بيننا.
مليونية السيد مقتدى الصدر المزمع انطلاقها بعد أيام، ليست هي الأولى، فلقد سبقتها عشرات المليونيَّات من قبل، لكن حصادنا من الماضيات لم يكن سوى قبض ريح بعد أنْ تلاشتْ أحلام الصدريين ونحنُ معهم أمام مطامع الآخرين من الأحزاب الفاسدة والسياسيين اللصوص، وأخشى أنْ تكون هذه المليونية جعجعة بلا طحين، ولن تصيب ضرراً ومقتلًا إلاَّ بثوّار ثورة تشرين العذراء.
الاغتيال والاختطاف للأبرياء صار أسهل من شرب الماء؛ بين يوم وآخر هناك مختطف وشهيد برصاص الكاتم؛ ولجان التحقيق لا ديدن لها سوى التسويف والانشغال بتجميل وجوه القتلة وحرق البخور للساسة الأجلاف؛ فلم نسمع بنتيجة تحقيق واحدة عن هؤلاء الضحايا الذين قتلوا غدراً، ولا يتسع المجال لذكر هؤلاء الشهداء الأبرياء؛ لكني أطلبُ من القتلة إذا ما نويتم اغتيالي؛ أنْ تتريَّثوا قليلاً حتى أكمل روايتي الأخيرة وأجد قبراً في وطني تُدفن فيه جثتي.
القلب الحنون لا يستوطنهُ سوى الحب.
hassanalnawwab@yahoo.com


















