تهجدات عبدالمنعم حمندي

تهجدات عبدالمنعم حمندي

إستعارة مجالات معرفية أخرى

عبد الحسين صنكور

حال ( عبد المنعم حمندي ) ، ليس مثل حال أي شاعر اَخر ،عند قراءته او الكتابة عنه . يضطركَ الى استعارة مجالات معرفية اخرى مع ادواتها كي تَسبرَ عمقه الشعري والمعرفي . هذا الأمرُ ، لمْ يأتِ من فراغ أو صدفة عابرة، بل جاءَ عَبْرَ وعيه العميق لمفهوم الخطاب الشعري ووظيفته واساليبه ولغته وتداخله مع المعارف الاخرى ، اضافةً الى ، خبرته وتجاربه الشعرية المنشورة في ثمانية مجموعات شعرية : أولها ” أتيتك غداً ” عام 1986 ? واَخرها ” معراج اَخر ” الصادر عن بيت الشعر الفلسطيني في رام الله عام 2009 . تأتي مجموعته الشعرية الجديدة ” تهجدات دم القرنفل ” في هذا السياق لتضيفَ لمشروعه الشعري ، اضافةً جديدة وتراكماً معرفياً ، بعد اجتيازه لتلك المسافات التي فَصَلَتْ بين مدارات انتاجه الأبداعي .

لا أريدُ في هذه الكلمة أن أتناول ، تاريخيا ، تطور الشاعر ( عبد المنعم حمندي ) الشعري عَبْرَ مجاميعه الثمانية السابقة ، لكن يكفيني القول ، ان مجموعته المتميزة ” أول النار ” الصادرة في بغداد 1993 ? تُعَدُ علامة النضج المبكرة لهذا الشاعر ، وعلى رسمها ، توالتْ مجموعاته الأخرى . تلك المجموعة بَشَّرتْ وأسَسَّتْ لشاعر حديث ، مؤظر بقيَّم فنية ، غير متهاون في لغته ،ماسكا جمرة الشعر ، (( ماضياً قُدُماً في مسيرته الشعرية )) على حد وصف المرحوم الشاعر ( خليل خوري ) في مقدمته لتلك المجموعة .

المجموعة الجديدة ” تهجّدات ” ،تتقاسمها ثلاثة فضاءات : أولها ، جدل الزمن بين الماضي والحاضر والمستقبل ، بمختلف تنويعاته وتصنيفاته وظواهره ، الثاني ، حوار الذات مع النفس والاَخر بتجلياته ودرجاته المتباينة ، نفسياَ و اجتماعياً وسياسياً وتأريخياً ، والثالث ، محور الحب ، بتجاربه ومفهوماته وأتجاهاته . لذا كان الشاعر ، ربما ، مُنْصفاً مع نفسه وشعره ، عندما قَسَّمَ قصائد مجموعته تحت ثلاثة عناوين أو محاور رئيسة هي : ” وادي الأسى ” و ” وادي عشتار ” و ” وادي الشاَم ” .

في فضاء ( جدل الزمن الماضي والحاضر والمستقبل ) ، يلجأُ الشاعر الى تقنيات وأساليب شعرية ، منها ، ( جدل الأصوات ) وتداخلها ، ببناء شعري مُحْكَم وزاد معرفي عميق : يُشيرُ مرةً ويُلَمّحُ في اخرى ، ويُلامسُ ثالثةً ، بقوة مكامن (الجدل) و ( الوجع ) في ( زمانٍ جبانٍ ) ، تُغْسلُ فيه ( الأوجاع ) بالنار ، والملاذ : ( كأسٌ يتيمٌ وغناء ) .

يطرقُ الشاعر ابواب الموت ويدخل عوالم مجاهيله من نافذة الحياة ، بنفس الوجع والجدل بين حاضرٍ مُرعبٍ وماضٍ يناديه الشاعر :

(( هل يستطيع االأمسُ أن بأتي

ويرجم من تَعَهَّرَ بالعفاف ؟ ))

ربمأ ، أحسن وصف نطلقه على تعامل الشاعر مع هذا (الفضاء ) هو ” الشمولية ” ، من خلال اثارته الأسئلة الموجعة وغياب الأجوبة في زمن الخوف والرماد النازف ، اذ : (( للخوف رائحةٌٌ تُعَّرِشُ في البيوت )) في ليل المحنة الطويل . لذا فان مفردات : الموت ، الوجع ، الترقب ، الصراخ ، العمى ، النهش ، العُهْر ، و الشطّار والعيّارون ……الخ …. ، كلها مختلطة ، تنشرُ رائحة خوفها على بقاع الوطن / الرمل ، و التراب / البلاد التي لكأنَّ (( فجرها كان اعمـــــى )) .

مما ينبغي الأشارة اليه ، أن الشاعر استخدمَ اسلوب ( السرد ) او ( القص ) برؤية وادوات شعرية خالصة لكي يُبْرز حدة الجدل الكائن بين تداعيات الماضي والحاضر والمستقبل وتفرعاتها . لهذا السبب ، كان تبادل المواقع واستعارة الادوات وتناقضها الدائم ، واحدة من التقنيات الشعرية التي فرَضَها البناء السردي لبعض القصائد ، مثل : ( طائر) ، ( الرمل ورائحة الخوف ) ، (هرج ودخان ) وغيرها.

حيرة وجودية

اضافة الى ما تقدم،طرحَ الشاعر حيرةً وجودية عميقة تتناسب مع عمق المأساة الواقعية بأفق زماني / مكاني معروف ومحدد ، من خلال استخدامه ل ( قناع ) الرائي / المتأمل الذي يرى كل شيء ،في ظل ظلمة وعميان يتعثرون بين الظلمة والضوء : (( في الظلمة ابصرهم

هل أَغمضُ عيني ليراني العميان ؟)) .

ذاتُ الرائي ، هنا ، مُتخاصمة مع نفسها ومع الاخرين في جدل حيوي يقوده الى المستقبل في ( غيمة حب ) ، تحمله نحو ( سماء ناصعةٍ ) من ( لوث ونعيق الغربان ) ، والعودة الى ( الأنسان الأنسان ) ، لأن الحاضر الراهن ( محضُ دخان ) .

الأستشراف المستقبلي من خلال وجع الماضي وظلمة الحاضر ، كان واحداً من الادوات التي استدعاها الشاعر كي يُبرز قيمة التبادل الزمني في جدل المواقف والحياة والكون .

ان قناع ( الرائي / المتأمل ) الذي أكْثَرَ الشاعر من استخدامه في سياق لغوي وعلاقات ايحائية بين المفردات ، يكشفُ عن مقدرته في توظيف ( اللغة الجمالية ) ، عبْرَ تراتيبه في التواصل البلاغي ، وصولاً الى ( الشعريّة ) الخالصة :

((أفتشُ عنها ..

بلادي التي لا تراني

و مَنْ لا يراها .. يرانيَّ اعمى ))

——————

((أصيحُ بلادي … بلادي

أضاعوها …وأني ضعتُ

وفي ليل كرخٍ ينامُ بصبحِ الرصافة موتُ ))

اذا كانت مفردات : الموت ، الحلم ، الدم ، العمى ، تتقاسم معظم مجاميعه الشعرية السابقة ، فأن عدد تكرارها في مجموعته المتميزة ( أول النار ) كانت على التوالي : 43 ?33 ? 29 ? 19 ? الا أن مفردة ( الزمن ) بتنويعاتها المختلفة ، حصدت عدداً من التكرارات بلغَ 31 تكراراً ، في قصائد المجموعة الجديدة .

أما الفضاء الثاني، المتعلق بحوار الذات مع النفس والاَخر بمختلف تنويعاته وتصنيفاته وظواهره ، فقد تناول الشاعر فيه اسئلةً وجودية تتعلق بالنفس البشرية و ( عمرانها )، بصيغة قصيدة ملموسة ، تعتمد (الثنائيات) المباشرة او غير المباشرة ، بخطاب لغوي يسعى الى ايصال ( قصد ) الشاعر الى المتلقي مع المحافظة على ” الوظيفة الشعرية ” لذلك الخطاب :

((أنبَأتكَ أن العمران سجايا

وهيام العشاق بموج البحرِ

بعضُ ركوب الصعبِ

بما يرضاهُ الصعبُ ))

اسلوب التماثل

ان حوار الذات مع نفسها ومع الاَخر في عين الوقت ،مع تأثير الأحساس بالزمن ، تَطَلَبَ من الشاعر اعتماد اسلوب ” التماثل ” في الخطاب الشعري المستند الى ” الثنائيات ” :

((الساعةُ اَتيةٌ

وغدي اسوء من امسي ))

—————–

(( الخارج غابْ

الداخل غابْ

وزئير الغابْ

مذئبةٌ وكلاب ْ ))

ومع ذلك ، تبقى الاسئلة الحادة ، تحتل عقل الشاعر ونفسه بأعتبارها افكاراً تعالج هماً انسانياً وجودياً في كل زمان ومكان :

(( وأنا ليلُ ثعالب ْ

فأوزعُ نفسي كالأنخابِ

على الناسِ

ودمٌ ازرقِ يعوي في

الرأسِ

مدخنةٌ وعقارب ْ ))

ان عنصري ” التأمل ” و “الحكمة ” اللذَّين يزخر بهما هذا ( الفضاء )، جعلا الشاعر يلجأ الى ” افعال الأمر ” للوصول الى غايته من حيث المستوى التعبيري ، لغةً وكثافةً وعمقاً :

(( وأزرعْ في كل الربوات الراياتْ

وأعلمْ ان الباطنَ أعمى

والظاهر ماتْ ))

تُثير قصائد هذا ( الفضاء ) تزاحماً في الأيحاءات والدلالات ضمن سياقات وتركيبات لغويِة مُختارة بعناية ، الأمر الذي يجعل القاريء يعيش مدلولات تلك الحوارات ويلمس حرارتها وتنوعها وتناقضها بنفس الوقت . لذا كان الشاعر متمكناً من ايجاد شفافية واضحة تكشفُ عن التوازن والكثافة فيها :

(( اَتٍ أليكِ

في النبع لا ماء سوى حجرٍ وأحسبهُ المراكب والخيول

وأشقُ من صهواتها نهراً يُلَملِمُني أليكِ )) .

يضمُ الفضاء الثالث في المجموعة عدة قصائد ، يُعَدٌّ البعض منها ، مثالاً نموذجياً لما يسمى ب ( الأسلوب الحسي ) في كتابة الشعر _ حسب الدكتور صلاح فضل _ ? اذ ان الأيقاع الخارجي ( الوزن العروضي ) والايقاع الداخلي ( الهالرموني ) يحتلان الحيز الاكبر في تقنية هذا الاسلوب ، بالتلازم الفعّال مع ما يسمى ب ( الملامسة) المعتمدة على ( الحواس ) . يقول نزار فباني في كتابه ( قصتي مع الشعر – 1986 –) : “” لكي يكون اللون لوناً لابد ان يلامس العيون ، ولكي يكون اللحن لحناً لابد ان يُلامس الأذن ، ……… ويجعلُ الشعرَ حينئذٍ مجرد لمس بالكلمات )).

في قصيدته ( شوق مفاجيء ) ، ربما ، ترجمَ الشاعر عبد المنعم حمندي ما نظَّرَ له القباني ، في قوله اعلاه :

((اليكِ أبثُّ هوايَ شذى الاقحوانْ

وهذا الحنين الى قبلةٍ

شَهْدُها في رضابي وتحت اللسانْ

هواكِ أحتراقي

بحمى العناق

ولهف أشتياقي ))

طابع حيوي

ان التوازن بين ( الوزن ) و ( الهارموني ) داخل القصيدة ، يعطي طابعاً حيوياً للنسيج الشعري ، وهما متلازمان ، متفاعلان ، لا تناقض أو تباعد بينهما :

((في الليل ترفأُ بردَ شتاءٍ مقلوبْ

وترتقُ حباً مزقّهُ الحب المغلوبْ

ما أجملها .. ما أجملها

حينَ تَزمُّ شفاه …الاه

هل انسى كيفَ توزعُ بسمتها

يوم تنامى الجوع على الأفواه ؟ ))

تبقى هناك ملاحظة عامة ، ذات صفة توثيقية ليس الا ، وجدتُ من المفيد الاشارة اليها، وهي بأتجاهين : الاول ، ان بعض قصائد المجموعة الجديدة ، تضمنتْ مقاطع من قصائد منشورة ، او اعادة صياغة لتلك المقاطع بطريقة جديدة ، وهذا سياق ادبي ، اجدُ من حق الشاعر ان يمارسه في طريقة تعامله مع نتاجه الشعري ‘ خصوصاً ، اذا ما وجدَ في مقاطع تلك القصائد (المنشورة ) ، ما ينسجم مع فكرة شعرية تجول في خاطره تعالجُ موقفاً راهناً او تتعلق به بصيغة او اخرى ، كأن تكون تلك المقاطع هي نبوءة سابقة للموقف الراهن او غيرها . اما الاتجاه الثاني ، فيتعلق ب ( العروض) ،فقد توزعتْ قصائد المجموعة عروضياً بالشكل التالي : 8 قصائد من بحر ( الكامل ) ، ومثلها من بحر ( المتقارب ) ، و7 من بحر ( المتدارك –فاعلن –) ، و 6 من بحر ( المتدارك –فعلن –)،قصيدة واحدة من بحر ( الرمل ) واخرى من بحر ( الهزج ) وهما ( لزوم ما لا يلزم ) و ( نقوش )، اضافة الى ان قصيدة ( عواء الظل ) تناوب فيها ( المتدارك ) و ( المتقارب ) في نفس الوقت . اخيراً ، يبقى الشاعر عبد المنعم حمندي ، صوتاً متميزاً بين مجايليه ، عراقياً وعربياً ، وثقتي عالية انه سيبقى ويزداد ابداعاً وتميزاً… متمنياً ، ان اكونَ قد وُفِقْتُ ، في تقديم ابداعه للمتلقي . محبتي للجميع .