تقنية السرد الشعري في قصيدة الكرسي

مضامين أنفعالية بتولد المعاني

 

تقنية السرد الشعري في قصيدة الكرسي

 

 علوان السلمان

 

 

 النص الشعري مغامرة ايحائية متجاوزة بخلخلتها اللغة المألوفة من اجل خلق تشكيلات فاعلة محركة للخزانة الفكرية للمستهلك(المتلقي)بتأمل وتأويل..باعتبار الفضاء الشعري خلق تتعانق  فيه الذات المنتجة(المبدع)وعوالم الحلم والخيال والكشف عن خلجات النفس وكل ما يعتمل داخلها من احاسيس تجاه الواقع وتعقيداته بلغة تمتلك امكانية توليد المعاني وخلق العبارات الموحية التي تفيض بدلالات متعددة تضفي على النص مساحات قرائية تسهم في حل رموزه واشكالاته..

 

 

 وقصيدة(الكرسي)..المنشورة على صفحات الف ياء الزمان بتاريخ 23/7/2014 التي نسجت عوالمها انامل مبدعتها التي تتوسد زوايا مدينة الضباب وغربتها الشاعرة وفاء عبدالرزاق التي تعبر عن رؤاها التي تستمد معانيها من سياقاتها التعبيرية بتكثيف دال على انفعالات ذاتية..فضلا عن اعتماد الانزياح للتعبير عن المعاني التي تأسست على ثنائية الحلم والواقع.. ابتداء من العنوان الفونيم الايحائي المشحون بدلالات معنوية عميقة شكلت حقلا دلاليا رامزا..

 

في هذا المكان ابواب

 

ترتجف حين يلعب الاطفال

 

بقطرات المطر

 

هم لا يريدون غير دفء القلب

 

يصنعون منه اقلاما

 

وحقائب مدرسية

 

في هذا المكان نوافذ

 

انكسر عمرها كزجاجة حلم

 

كمياه متدفقة بالحنين

 

لكن الوعد ضوء اعمى

 

  فالنص يتكئ على تقنية سردية فنية وجمالية للتعبير عن ذات الشاعرة والواقع ابتداء من المستهل بضمير المتكلم الذي يمنح دلالة مزدوجة تتمثل في الفعل والحركة..اضافة الى اعتماده على مقومات فنية واساليب تعبيرية كان السرد المتوالي الذي اضفى دينامية حركية عليه فضلا عن النداء والتعبير بالصورة من اجل خلق المتعة الجمالية وتقديم بنية اشارية قادرة على اضفاء بعد حسي على الرؤى الحدسية مما ادى الى اقامة حوار متنام مع البنية العميقة للنص من خلال اقترانها بدوال اسلوبية مشعة بخطابها الذي يعتمد المقطعية والايجاز والتركيز والتكثيف والصورة المتشكلة من اتساق الالفاظ سياقيا وتركيبيا والتي تقوم على اساس جمالي يمزج الرؤية بالرؤيا والانا بالانا الجمعي الاخر..

 

ايها الكرسي

 

سنغفر ذنب الشموس

 

لو اعتزلت شروقها

 

وفتحت خيانة الطريق

 

يغفر ذنب الشمس

 

لانها الراعية لضوء الكلام

 

لكن لن يغفر ذنبك

 

ياراعي الصمت والحجر

 

الابواب لا تريد المفاتيح الخطأ

 

ان كان بصرك شحيحا

 

دع نجومنا تعبر الفصول

 

تدخل قلوب العاشقين

 

وقلب ام

 

لا تجعل الابتسامات موجعة منك

 

دع ارغفتنا تطعم الجميع

 

تعودنا على اقتسامها

 

حين يشح الرزق

 

  فالنص يحاول الامساك بالنسق الحكائي والتوتر الدرامي الذي ينجم عن موقف انفعالي ويتكئ على حقول دلالية(انسنة الجماد/الثنائيات الضدية/الزمكانية/الحدثية…)مع اقتصاد في الالفاظ وتكثيف العبارات وعمق المعاني..وهو يكشف عن هواجس الذات الشاعرة بسردية غرضها فني وجمالي بامتلاكها طاقة من الافكار وما تختزن الذاكرة من معان..فضلا عن استغراقه في تصوير الجزئيات مع تاكيد على الغربة الذاتية بصورها التي صنعت انزياحاتها عبر التداعي انطلاقا من العنوان الذي هو نوع من الرؤيا(البصرية والحدسية والنفسية..)..واتخاذ الزمكانية حيزا فاعلا لتواشجه البعد النفسي والذاتي باعتماد لغة مسكونة بالرمزية التي تشكل فيها الدلالة بؤرة ضوئية تغطي عوالم النص مع اتسام بالقصدية والايحائية والجمع بين الحسي والذهني لتشكيل جمالية شعرية مستفزة لذات المستهلك..كونها تشتغل على العمق التصويري الباعث على الاسئلة..

 

ايها الكرس

 

ارفع وجهك عن كل الاقنعة

 

خذ ابرك المغروسة في قلبي

 

اعيد حياكة مرافئنا

 

ابعد اصابعك الملوثة

 

عن كل الزوايا المطفأة

 

عن رغبة الاحصنة بالجموح

 

وعني

 

ليهتز رحم قصيدتي

 

وتهتز زهرة الخدر طربا

 

بمجي نبي بين احرفي

 

  فالنص يقتحم اليومي/الاجتماعي/ السياسي/الاقتصادي/الذاتي/الخيال/الذات المغتربة في الاخر/الطبيعة..مما جعل جسده متقاسما ما بين الواقع بكل موجوداته وتشكيلاته والعمق الممزوج بالخيال والرمز والذاكرة التاريخية والمخيلة الشعرية..فصار نصا مكتنزا بالرؤيا القلقة مع الحفاظ على البنية الشعرية المتمثلة في الايحاء والاستعارة والتعبير المستفز للذاكرة باستخدام  تقانة السرد الشعري المتدفقة بلغة متجاوزة باعلى درجات التكثيف التي ميزته بانزياحات لغوية..لذا فهي تحاول تطويع لغتها وتفجير طاقتها من خلال معانقة الرؤية والحالة النفسية من اجل فاعلية الصورة الشعرية من جهة ولتجسيد المضامين والافكار من جهة اخرى..وهي تسير في مستويين.اولهما دلالي وثانيهما نفسي..فيحتضن جسد النص ثوب الواقع المؤطر بالخيال والذاكرة..فضلا عن توظيف تقانة التكرار لتكثيف المعنى وتنويعه والذي يعمل على تجسيم الصورة وانشطارها وتظافر الدلالة الايقاعية ودلالة المعنى الذي يكشف عنه التكرار الوظيفي المتمثل بتكرارالمقطع مع تغيير يكشف عن براعة في خلق البنية التكرارية المفارقة وتحقيق التتابع الايقاعي في الخطاب الشعري..

 

   ايها الكرسي

 

انا لا ابحث عن مائدة في وطني ابحث عن قمر استظل به

 

واعلم ابني سر الضوء

 

 فالنص بدفقه الانساني يحاكي الطبيعة والجسد والالوان والرمز الموحي  الذي يخلق دلالات متعددة  ومناخات نفسية تسهم في توسيع مديات القدرة التخييلية التي تمد دائرة الخطاب الشعري فتتسع باتساع فضاء الصورة وابعادها  من خلال تنوع الالفاظ الرامزة التي توظفها الشاعرة من اجل خلق الصورة الفنية بوصفها فعالية لغوية تشكل قوام البنية العميقة للنص..    وبذلك قدمت الشاعرة نصا ينبثق من نصوص متداخلة تلخص الواقع بصور فنية وسياق حسي متواصل مع الحياة من اجل توكيد ما يعتمل في خلجات الذات الشاعرة التي تبني نصها على مضامين انفعالية ووجدانية لخلق جمالية شـــعرية بتـــــوالد المـــــعاني.