تفاصيل الواقع من خلال اللوحة – وجدان عبدالعزيز

تفاصيل الواقع من خلال اللوحة – وجدان عبدالعزيز

الحقيقة ان الفن التشكيلي هو فن مرئي، ويعتمد هذا النوع من الفن على الذوق البصري المحسوس مهما اختلفت الوسائط، التي تُستخدم في عملية الإنتاج، ويجب التفريق بين الفن التشكيلي والفن الزماني الذي يقتصر على الرقص، والشعر، والموسيقى، حيث إنّ الزمانية تحمل صفة التشكيلية والزماني في آن واحد. يسعى الفنّ التشكيلي إلى مجموعة من الأهداف التعبيرية، ويُعطي المساحة التفكيريّة لكلّ من يشاهده للتمعّن فيه، واخذ الفن التشكيلي يتطور في مساراته التعبيرية، لانه اخذ يتبنى القضايا الانسانية في رسائله بين الاحساس والمسؤولية، التي تحوّل الفكرة في محتواه إلى علامات بصرية، وقد عرفت مسارات التعبير عن الواقع في الفن التشكيلي العربي الكثير من التوجهات، التي رسمت مساره وطريقة طرحه، فتجاوز التأثر الكلاسيكي بخلط تصوراته مع واقعه ودمج علاماته في رموز من هويته، فكان لذلك التعبير خصوصية الرؤى، التي فسرت القضية والإنسان والأرض جذورا وانتماءً وصراعات يومية مختلفة التفاصيل، من خلال هذا قدم الفنان احمد الانصاري، لوحات هي خليط من الواقع والخيال وذات الوان باردة تميل نحو الهدوء في التعبير عن اهدافها، فالانصاري فنان التصق بالواقع كثيرا وعبر عنه، وبذل مافي وسعه من أجل تعميق هذا الاتجاه عن المحيط تعبيرا يضمنه تعاطفه مع المستضعفين والمضطهدين في بلاده وفي كل بقاع العالم، مادامت الإنسانية هي الجانب المشترك بين كل البشر بغض الطرف عن اللون والجنس والأوطان، فالإبداع في حقيقته وسيلة تحمل ردود الأفعال إزاء الواقع، مما يحوله إلى مقاومة وإعلام بالواقع الكائن، والذي ينبغي أن يكون، والعجب أن كثيرا من الفنانين بعيدون كل البعد عن الالتزام بالتعبير عن الخطوب والبلايا وكل ما تعج به الساحة العالمية من تضارب في الإيديولوجيات والانتقامات والإقصاءات والتوجهات، مما يستوجب مواقف جلية تجاه ما يجري بصورة جمالية تعمق الشعور.

 لكن الفنان الانصاري استطاع اثبات ذاته ومواقفه في الكثير من اللوحات التعبيرية، ولم يكتفي باللوحة فقط، انما راح يطرق فن التصميم، حيث صمّم مجموعة من أغلفة الدوواين لبعض الشعراء، وكان له حضور في الملتقيات الفنية، اضافة لاشتراكه بالكثير من المعارض المشتركة لفناني بلده، وكانت له معارض شخصية مهمة انطبعت بالاسلوب التعبيري المعبر عن المشاعر

، أو العواطف والحالات الذهنية، التي تثيرها الأشياء، أو الأحداث في نفس الفنان، وذلك عن طريق تكثيف الألوان، وتشويه الأشكال، واصطناع الخطوط القوية والمغايرات المثيرة، حيث أشار الناقد جيرالد ويلز بأن المذهب التعبيرى هو أكثر مذهب فنى متأثر بالذاتية المفرطة، والمدرسة التعبيريه هى اتجاه فني يرتكز على تبسيط الخطوط والألوان، خروجا عن الأوضاع الكلاسيكية، التي تقوم على تسجيل معالم الجسم و الطبيعة، تسجيلا دقيقا، سواء في الخط، أو في تلوين الأشكال، فقد ركزت على دراسة الاجسام ورسمها والمبالغة في انحرافات بعض الخطوط، أو بعض أجزاء الجسم وحركته، وهي بهذا تقترب في بعض الأحيان من الكاريكاتور. كما أعتمدت هذه المدرسة على إظهار تعابير الوجوه والأحاسيس النفسية، من خلال الخطوط التي يرسمها الرسام، التي تبين الحالة النفسية للشخص الذي يرسمه الفنان، وقد ساعد على ذلك استخدام بعض الالوان التي تبرز انفعالات الاشخاص، بل تثير مشاعر المشاهد للموضوع التعبيري، إن التعبيرية وجه آخر للرومانسية،و إن المذهب التعبيري يعيد بناء عناصر الطبيعة بطريقة تثير المشاعر.. والمذهب التعبيري قد صار يعمل على التنظيم والبناء من جديد للصورة الرومانسية، ولكن في إسلوب تراجيدي يتسم بما تعانيه الأجيال في العصر الحديث من قلق وأزمات، ويعد الفنان فان جوخ أشهر فناني هذه المدرسة والرائد الأول لها، والفنان (مونخ) والفنان (لوتريك) وغيرهم، وهكذا اثبت الفنان الانصاري قدرته في التعبير عن رؤاه وافكاره من خلال اللون وعناق هذا مع الطبيعة والواقع ..