تفاحة حواء.. منجز جديد لناطق خلوصي
كبح الدافع الملح للتنفيس
مهدي شاكر العبيدي
يهدي المؤلف الأستاذ ناطق خلوصي منجزه الروائي هذا الممتع والموسوم بـ (تفاحة حواء) إلى روح المرحوم الكاتب فؤاد التكرلي كونه أستاذاً له في كتابة القصة والرواية ، أي أنه يقتفيه ويجري على منواله ويترسم طريقته في تخير موضوعات مدارها مشكلات اجتماعية وظواهر شاذة قلما استلفتت نظر أحد من القاصين والروائيين وعني بها سواه ، ويلفي في انقطاعه لتصوير هذا الضرب من المخفيات والمخبآت من الأمور العارضة والنوادر المسكوت عنها كي لا تنفضح معها أسرار البيوت ويراع الناس نتيجة وقوفهم على ما جُبِل عليه رهطٌ منهم من الأطباع والأميال والغرائز المنافية لما توارثته المجتمعات الانسانية من الأعراف وآثرته من القيم والمقاييس الخلقية لتستقيم حياتها ، وسيان أكان ذلك امتثالاً وصدعاً بالتعاليم السماوية أم بفعل ما خلص له أرباب العقول الحصيفة والمدارك الراجحة والمفتكرين في كيفية تخليص بني النوع من البربرية والتوحش ، ومن ثم الايصاء بانتهاج ما يتلاءم ويستوي هو والمعقولات من المسالك والتصرفات ، قّلت يلفي أديبنا ناطق خلوصي في هذا النوع من الاهتمامات الأدبية ضرباً من الإبداع كفيلاً بأن يشهد المعني به بالتفرد والتميز من بين نظرائه وأقرانه .
ومن المعروف أن الراحل فؤاد التكرلي عمل قاضياً في دور العدالة بالعراق سنوات طوالاً ، سهل عليه اثناءها استمداد وحي أعماله القصصية والروائية من بعض الوقائع الغريبة والمستهجنة التي تعرض أمامه في كثير من الأحيان ليبت فيها ويقطع بحكم يدين المتسبب فيها ، ويفرغ من بعد لتضخيمها أو تحويرها لتستحيل عملاً فنياً يستهوي بعض القراء ، حتى إذا انهمكوا في مساوقتهم لسرده حكاياته ، صدموا بشناعة ما يطول الهيئة الاجتماعية من العقاب الرادع عن اجتراح مثل هذه الأوزار والخطيئات غير المألوفة أو المتواضع على منافاتها للشرع وتقاطعها هي والخلق الفاضل وسجاحة الطبع ، وكل ذلك يجري بمعظمه من المعالجة وكشف العلل وإراءة الغافلين ما عليه بعض أوساطهم من تدنٍ وحطة وتخلف يدمغها بالشنار والاختزاء ، قلت يتتابع ذلك بمبعدة عن حمل هموم السياسة والمجازفة بمصارحة ذوي الشأن عما يترتب جراء تفريطهم بالمصلحة العامة وإخلال مَن يرتبطون بهم بواجبهم الموكول لذممهم لا غير ، من خلو حياة العموم من الصفو والأمان وانتفاء التذمر والشكوى ، وما أخال أحداً من المسؤولين أيام العهد الملكي اكترث لأهمية المنجز الفني الذي توفر عليه فؤاد التكرلي أو وعى خطورته في تعرية الأدواء والأوبال اللاتي يعاني منها مجتمعنا ، وساقته للتفكر في الوسائل الآيلة لمجاوزتها أو الحذر والخشية من شيوعها بيننا في أهون حال ، لذا أرى أن الكاتب حميد المطبعي كان مبدعاً ومجلياً في رسمه للصورة القلمية الرامزة لصاحب (الوجه الآخر) من أنه يلزم الصمت ويجنف عن الحديث السياسي ، إن ضمه ندي أو احتواه محفل ، وبحسبه أن يلذ سمعَه ما يشهد له به زمر الأدباء بالريادة ، فهو من هذا الجانب مضادد لصنوه عبد الملك نوري الذي غامر في اللعبة السياسية إبان سني الأربعينيات وتولى عن إضمامه من المقالات الاجتماعية والسياسية جمعها الأديب هاتف الثلج من مظانها التي هي جريدة الوطن على الأغلب ، وطبعتها دار الشؤون الثقافية أخريات القرن الماضي وصيّرتها كتاباً تداول الأيدي ونفد من الأسواق سراعاً ، مسفراً في ذلك عن دراية القارئ العراقي بالكتاب المهم ، وعلمه بما سبق لمؤلفه أن تكشف عنه من فاعلية ودور في ميدان السياسة وما نسيه وبارح ذاكرته ، وشفع حميد المطبعي مقاله ذاك المحتوي على الصورة القلمية ، بمقالٍ ثانٍ لمناسبة نعيه أثنى فيه على صنعته الفنية مع إشهاره وجهره كونه عاش محظوظاً ، ولعله مبتغياً في هذا – أي حميد المطبعي – الايماء أو التعريض بتخير رئيس الجمهورية العراقية السابق مام جلال له من بين سائر الأدباء ليغدو مستشاره الثقافي وهو في الأردن ودون أن تطأ قدماه أرض العراق على أمل الإياب والعودة ، ودون أن يضن عليه كذلك بما تستأهله هذه الاستشارة الموهومة من مستحقات .
اقاصيص قصيرة
يتبدى على هذا التفصيل أن التكرلي لم يؤذَ أو يُضار يوماً في صميمه أو يُدان جراء مغامرته في نشر بعض أقاصيصه القصيرة بمجلة الثقافة الجديدة ربيع عام 1954م ، ومدارها حول التظاهرات الوطنية عام 1952م ، تكشف فيها عن تعاطفه وتجاوبه حيال استبسال الجمهور الكاثر في المناداة بأقل حقوقه في العيش الكريم ، وكان النشر ذاك في ظل الحرية النسبية والمتاحة أيام وزارة فاضل الجمالي ولم تدم غير آونة قصيرة أجهز عقيبها الحاكم الباطش على ما انتزعه الشعب من مكتسبات في ظروف تراجع حاكميه المتعنتين عن التمادي في مكابرتهم وغلوائهم ، ليحيا سنوات أربع بعدها هي التي تسمى في عرف الدارسين بفترة الخمسينيات ، وتنحسب هذه التسمية على السنوات الأربع الأخرى قبلها كي يتوجها – أي التكرلي ـــ بمواصفات الزمن الذهبي للثقافة العراقية ، فقد شام ازدهارها وتألقها وتصور حظوة أرباب القلم بما أفسَح لهم المجال فيه والتباري في ميدانه من حرية القول والكتابة أولياء الإمرة والنهي ومَن آلت لهم المهمات والمسؤوليات في البلد ، مغضياً في استعراضه لوقائع تلك الفترة المولية عن سوق المئات من الوعاة والمتحسسين بعذابات الناس إلى معسكرات التدريب بعد إقصائهم عن وظائفهم الأصلية ، بقصد إخافة الخلائق وقسرهم على ألفة الأجواء الكالحة والمضيّقة للأنفاس ، كي يمهدوا لفرض حلف بغداد ، وقد أبرموه فعلاً إثر رحيل من يعترضهم ويستهجن فعلتهم الشنعاء من الرجال الأماثل والمهابين في عين أخصامهم قبل أصفيائهم ولداتهم، أجل إن فؤاد التكرلي تبوأ منصباً رفيعاً طوال العهود السابقة جميعها ولم يُقصَ منها أو يُبعّد عنها ، وهذا من حقه وبحكم تميزه في تحصيله ، وما نحن من أولاء الذين يقيسون الوطنية بمدى ما لحق الفرد من حيف ونكاية ، وطاله من عقوبات الفصل والإبعاد عن مرتبته ومركزه ومكانته ، ومن حقه من نحو ثانٍ أن يتصّوَن ويعتصم ويحمي نفسه ويتحّرز من أن يتعلق ويمسك بغبار الشعارات البراقة التي تليح بها الهيئات والأحزاب من آنٍ لآن ، لكن لا محيص لنا من مناقضة رأيه وتفنيده بشأن تقييمه الخاطل لفترة خمسينيات القرن الماضي مدعياً أنها تمثل الفترة الذهبية في تاريخ الثقافة العراقية ، في غير جحد ونكران منا لما انجزته الحكومات العراقية المتعاقبة يومذاك من صنائع وأفعال في ميادين شتى ومنها تعبيد الطرق بين المدن وبناء السدود والجسور والمدارس والمستشفيات مستبقة في ذلك احتمال الزيادة المتوقعة في عدد السكان ، وسط تهيب الفئات الحاكمة المسؤولة من مخاطر وأوهام لا وجود لها أصلاً ، لذا أضرت وألوت وتشككت بنيات الوعاة والطامحين بحياة أفضل ، فلم تلق مشروعاتها التقبل المرجو والمنشود من لدنها ، إذ لا يستوي الخسف والاضطهاد النازل بالناس هو والصنيعة الزاكية والعمل المبرور .
وآن لنا الآن أن نقارن أو نقابل بين الرائد التكرلي وبين مترسمه في وقت لاحق ومتأخر ومشاكله في اهتمامـاته بخصوص ما ينجم عن الكبت الجنسي وكبح الدافع الملح للتنفيس عن الغريزة وضرورة إشباعها بشكل طبيعي ومعقول ومتعارف عليه بحيث لا يجر إلى لون من التصرف المستقبح الشاذ ، كأن يورط الفرد نفسه في اجتراح الآثام وانتهاك المحرمات ، مما يحوج المنشئ القاص إلى الإلمام بأسرار علم النفس والإحاطة بتأثيرات حوادث الطفولة في تكييف أطوار المخلوق الآدمي حينما يتقدم به العمر ، ويختبر نفسيات المحيطين به من الأشخاص ، وحصيلة الأستاذ ناطق خلوصي أراها جمة ووفيرة من هذا الزاد المعرفي على وجه يمتع القارئ ويغريه بمتابعتهم والجري وراء النهايات التي يؤول إليها الأفراد الذين يبتدعهم أو ينتحلهم ويتصورهم مقترفين لهذه الجريرة أو تلك ، ومشنوئين جراء ترديهم لهذا الخطأ وذاك ، أو انه يضفي عليهم من سمات الشرف والنجابة الكفيلة بقبولهم وتزكيتهم وتنزيههم في عيون الملأ ، بحيث يروق لهم جميعاً إعمام ما شهروا به من سلائق وأطوار بين الآدميين كافة ، وهذه هي مزية الروائي في استهواء قارئه والاستيلاء والاستئثار بإحساساته وجوارحه ، وعنده من قوة التعبير والبيان الطلي ما يأسره – أي القارئ – ويحمله حملاً على اللهاث خلف الكلمات والجمل كما قال الأستاذ حمدي العطار عبر مقالته بصدد رواية تفاحة حواء والمنشورة في عدد سابق من جريدة الزمان ، وتلك قابلية مشهود لها بالبراعة في الاستطراد والاسترسال والسرد والحكي قلما يماثله أحد فيها ، وهي من ناحية أخرى من الصفات والسمات النادرة وأخالها غير طبيعية أن يشوقك الكاتب ويجعلك تعاف مشاغلك لتنغمر في أجواء الرواية فتلفي ذاتك مشغوفاً بهذا اللون من الحبكة والصياغة المتفننة وما يتخللها من حوار قصير وظريف ودال ، بين الشخوص في هذه الصفحة وتلك ، بغية الوقوف عند خواتيمها وتعرف مصايرهم .
زمن عجيب
أحقاً يصادف في هذا الزمن العجيب بغرائبه ومدهشاته ، أن يوجد بيننا مَن تمقت أمها وتهيم بأبيها شأن فتاتنا (سلافة) ذات الجمال الآسر الفتان ، والتي جرؤت على الاعتراف لعمها وهو أبو زوجها، وكان شبه معروف في الأوساط الأدبية لإيثاره الإقلال من النشر والكتابة والتردد على مقار الصحف ، فهو على هذا محسوب على رعيل المثقفين والمعنيين بالقضايا العامة والتفكير في مصير البلد ، كلما تفاقمت مشكلاته وتعاصت على الحل ، واعتاد أن يرفد صحيفة ما بعموده الصحفي المميز بأسلوبه المشوق والمنصب على تناول موضوعه من جوانبه وأطرافه كافة ، ولا يخرج عنه إلى الخوض فيما يعدم الصلة به ، فتفوت القارئ فائدته ، لكن أياً كان المستوى الثقافي لهذا المحسوب على (العمومة) والمشغوف بقراءة الكتب فضلاً عن إسهامه في النضال الوطني في أول عهده بالحياة حتى كلَّ وملَّ وصار إلى شبه اقتناع بأن المسافة بيننا وبين مشارفة اليوتبيا متنائية ، ولعل الجيل القادم بوسعه قطعها واجتيازها، يجد سهلاً ومستساغاً أن يختلي بسلافة في مطعم الكهف الذي يسميه زبائنه من المترددين عليه كهف العشاق ، وتدور بين عبد الوهاب معروف (عمها) وهذا هو اسمه في الظاهر ، أحاديثُ مبتسرة عن نزواته أيامم صباه من خلال استغراقهما في وصف المكان بانبهار واعجاب ، في خلوة تحت الأرض بقليل تطلبتهما بالنزول درجتين ، وما تصرف معها بهذا الشكل بعد أن أركبها في سيارته آخذاً إياها من دائرتها التي حدثت لها مشكلة فيها تواً حيث ائتمر بها بعض زملائها وكتب أحدهم باسمها مستنداً بمبلغ كبير ووقعّه من رئيس الشعبة وأوشك أن يطلع عليه المدير العام حتى عرفت سلافة بالمكيدة وهددتهما بفضح هذه الدسيسة لدى جهات أعلى ، فإنهار الجميع ولجأوا أخيراً لتسوية المشكلة بأن منحوها إجازة يوم لتستريح ، وإلا فبحجة أن يُسِّري عنها لغيبة زوجها (منير) في القاهرة نجاءاً من التهديد بالتصفية وتبين أخيراً أنّ مَن يُسمى (داخلاً) وهو ابن خالها والذي رفضت تزويجها منه ، هو الذي يوافي من آن لآن ، زوجَها من خلال هاتفه الخلوي بمكالماته بشأن اقتراب منيته ، علماً أنّ هذا الزوج لا شأن له بالعمل السياسي. وكذا تتكاثر أسماء الشخوص المتناوبين صنعة الرواية كلما تصاعدت حوادثها فهناك (عمران) رئيس الدائرة ، وشقيقها (محمود) رجل الشرطة التي يشاطر أخته سلافة في حنقها على أمهما القاسية في معاملة (زوجة محمود) هي التي تستقبلها بترحاب بالغ كلما دخلت بيتها متغاضية عن سوءات أمها التي ليس لها دخل في تصرفاتها مدركة ومتفهمة في ذلك أن لا يؤاخذ البنون بجرائر أدنى الناس منهم ، وأوثقهم صلة بهم . كما أن هناك دلال العقارات سيد كريم والدكتور سعدي عبد القهار وكل له مشكلته ، ذلك ان الدكتور لا يجرؤ على مقاصصة عامل خدمة في المستشفى لأنه محسوب على مدير المستشفى ومدير المستشفى محسوب على مدير الصحة ويأخذ التسلسل بالطفرة إلى منتهاه فيتصل بالوزير .
ثمة مثل شعبي دارج وسائر بين الناس في الحياة العامة بخصوص شطارة (الأستاد المعلم) وكيف أنها تنهكه وتستنفد حيله بمرور الأيام ، ويفتقد حرصه على جودة ما يصنعه بلا غش ومداهنة وتدليس ، فيتفوق عليه (صانعه) من ناحية إتقانه ما يخرج من بين يديه من سلع وحوائج ، ويبذه في حسن تعامله مع الناس فيلمون به حين تسوقهم الضرورات لذلك ، لذا قيل (إن صانع الأستاد استاد ونص) ، فإذا كان ناطق خلوصي قد جعل وكده كشف الفضائح المتعلقة بأمور الجنس محتذياً ما انصرف لتناوله في نتاجاته فؤاد التكرلي ، وأحتُسِبتْ أعماله ومنجزاته على الواقعية الاجتماعية في شرع النقدة – لاحظْ ان الطبعة الأولى لكتاب (الوجه الآخر) كانت من منشورات مجلة الثقافة الجديدة التي سارع الدكتور فاضل الجمالي رئيس الوزراء إلى اغلاقها لنشرها مقالة لخصّها المرحوم صفاء الحافظ عن الطبقة والأمة لكاتب من الغرب ، وذلك ربيع عام 1954م ، وليس كل ُ مَن نشر في المجلة تلك مقالة يُعَد مؤازراً أو مؤيداً أو حتى صديقاً ورفيق درب أو متعاطفاً ومتجاوباً مع أفكار المشرفين عليها من جماعات الناس – فإنه جاوز أو تحاشى ما وقع فيه (الأستاد المعلم) من هنات تتمثل في استهانته بشأن لغته على وفق ما ضممنه عامر رشيد السامرائي في مقالته ذات يوم في جريدة العراق من امتلائها بالأغاليط النحوية، وقد يصطنع ألفاظاً ومفردات ليست من العربية الفصيحة ، ولا يصح إقحامها على بيان وديباجة تتوخى الصدق والسلاسة وعفوية التعبير، ومع أن إحسان عبد القدوس جرؤ على تمزيق الأقنعة عن بعض المستور من قضايا الجنس ، وأفاض في سرده بصدد عثراته ومزلاته ، فإنه لم يتخط المقبول والمستساغة قراءته والوقوف عليه، ربما تهيباً وإذعاناً لتحذير الناقد الكبير مصطفى عبد اللطيف السحرتي ، من فشوها بين عموم الملأ من الذين تستهويهم قراءة نصوص أدبية تُعري الأدناس التي ينحدر إليها مرتكساً في هوتها مَن غادرت عقولهم السلامة ، وباينوا في تصرفهم العفة وطهارة الذيل ، وكذا اتسم بيان ناطق خلوصي بقدر طائل من الطلاوة والرشاقة ، وسَلِمَ من الهنوات والسقطات اللغوية والنحوية ، وجاء متساوقاً والتعبير الصحيح المعهود عن أيام الكتابة الزاهرة التي ازدهرت فيها الأساليب القوية لتأدية مختلف الأغراض والشؤون ، وتجسيد متنوع الآراب والشجون ، وانطلق فيها الكُتّاب بدافع من شدة نفوسهم لا غير ، وشدة النفس هذه كما تقّراها الشيخ عبد العزيز البشري لا تلزم الكاتب المنشئ بأن يكون مستوعباً لمحتويات الكتب بقدر ما تنظر لما تجيش به نفسه من الاحساسات والمشاعر والعواطف المحتدمة ، فتكاد قصص التكرلي تُعَد تجريدية بموجب هذا القياس لعدم التفاتها للهموم المجتمعية ، في غير انكارٍ منا لقابليته الفائقة ومكنته من تصوير مشاهد الطبيعة وأجواء المدن وحركة المارة في شوارعها في يوم مطير ، مثلما تجسد ذلك وعكسته قصة (غرباء) المنشورة بمجلة (أدب) التي هي صنو لمجلة (شعر) اللبنانيتين في بوادي ستينيات القرن الماضي ، بحيث يتذكر القارئ وقائعها ويسترجع في ذهنه الأحوال النفسية التي اعترت نفسيات بعض شخوصها ، ولو بعد سنين وذلك بتأثير من براعة الكاتب في رسم ملامح ركاب الحافلة ولياذهم بالصمت والسكون وإذعانهم لمشيئة ما يأتي به القدر ، وكذلك حكاية عن الفتى الايراني الذي قصد العراق لزيارة قبر الحسين في كربلاء وهي إحدى قصص (الوجه الآخر) كما أتذكر غير أنّ ناطق خلوصي في تناوله مشكلة الجنس ورواسب الطفولة وما تتركه قساوة الأمهات في معاملة الأولاد وزوجاتهم جميعاً وأخذهم بالازدراء والغلظة خاصة بعد تقاعدها هي من نومة السرير إلى جانب الأب الموهون القوى والفاتر الرغبة حتى في إرهافه لها سمعه والأصغاء لحديثها متعللاً أنه ينوء بثقل السنين ، وكل ذلك تعيه (سلافة) جيداً ، والتي تنساق إلى التعلق بالأب وتدخل معه إلى الحمام بحجة معاونته في تدليك جسمه ، ويغضي وينصاع هو الآخر لطلبها مستهيناً بكل ما تعارف عليه الملأ من المحرمات ، وتُفسر هذه الخروجات والخروقات عن مألوفات الناس ، بأن تجسدت هنا مآتي عقدة الكترا التي لا مندوحة من الاستسلام لها وارتضاء ما ينجم عنها على أي حال ، مما يزيد القارئ شغفاً على شغف ويغري بقراءة الرواية إلى ختامها ودون أن يدعها جانباً ، وهي قدرة غير اعتيادية على اجتذابه ، أقول إن ناطقاً لا يعرض لهذا الواقع المقرف بمعزل عن النظر لما يحيطه في بيئته من أحوال متدنية تنذر بانحدار مجتمعه إلى حال منبية بانبتات صلته بالحياة الحضارية حيث يعي الأفراد مالهم من حدود لا يعدونها إلى حدود الآخرين ، ولا يشمخ على التابع فيها أنف متبوع
سلوك معوج
أما كيف شرك هذا النمط من السلوك المعوج بقضية الجنس ، فقد تجلى ذلك بشكل لا يبدو أنه مقحم ومفروض يتوهم القارئ معه أن الكاتب يبتغي التعالم عليه أو يبين أنه تدخل في خصوصيات شخوصه أو استخدمهم أوعية ضممنها شذرات من أفكارهم ومبادئهم ، على وفق المقولة الرخصة التي تنضح بها أقلام بعض النقدة في تقييم الأعمال القصصية والروائية . حقاً إن الاسلوب الطوعي والمطبوع في الكتابة هو خصيصة نفر من الأدباء الحقيقيين من غير المدعين أنهم يمتلكون أسلوباً ، وطريقة درج عليها رعيل من القُصاص يمتزج في بيانهم الفكر بالحدث بصورة عفوية . وإن معضلة الجنس هي معضلة البشرية منذ أزل الآزال ، من يوم أن ابصرت أمنا المصون حواء تلك التفاحة الحلوة المذاق تتدلى من غصن الشجرة ، فتشهتها بتأثير من غواية الشيطان ، ووجدت نفسها في حالٍ كمن وقع رهين قَرَم نفسه إلى طري اللحوم ، ويتطرف صاحبي الشاعر علوان الحبيب صاحب القصيدة الباذخة (الأسماء الأولى) ، والذي لا أدري ما حلَّ به وآل إليه من مصير في الحلة الفيحاء ، بعد أن تقطعت الأسباب بيننا منذ مغادرتها قبل سنين ، قلت أنه كان في حديثه معي بصددها واقعاً بشيء من الغلو ، إذ ربما كانت الدوافع الجنسية هي العامل الخفي وراء شدة الاقيال على احتراف السياسة والانخراط في التشكيلات الحزبية !! في بلادٍ كثيرة ، وربما أتى المرحوم عزيز السيد جاسم ، على شيء من هذا في أول عمل روائي له أذكر أن جّره حينها إلى التراشق والرد بقسوة على نفرٍ شاموا العصمة والتنزه عن الخبط والضلال في أي إنسان .























