تطبيقات حجية الهاتف النقال في الإثبات الجنائي  –  أسماعيل الگريطي

الإرهاب في بعض الجرائم

تطبيقات حجية الهاتف النقال في الإثبات الجنائي  –  أسماعيل الگريطي

بالرجوع إلى قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005 عُرّف الإرهاب في المادة الأولى منه بأنه: (كل فعل إجرامي يقوم به فرد أو جماعة منظمة استهدف فرد أو مجموعة إفراد أو جماعات أو مؤسسات رسمية أو غير رسمية أوقع الإضرار بالممتلكات العامة أو الخاصة بغية الإخلال بالوضع الأمني أو الاستقرار والوحدة الوطنية أو إدخال الرعب والخوف والفزع بين الناس أو إثارة الفوضى تحقيقاً لغايات إرهابية).

وفي ضوء هذه المادة فإن جريمة الإرهاب في التشريع العراقي تتكون من عنصرين أساسيين هما العنصر المادي والعنصر المعنوي.

أما العنصر المادي لجريمة الإرهاب فيتحقق بارتكاب أي فعل إجرامي، بصرف النظر عن وصفه أو نوعه، سواء أكان من الأفعال الماسة بالمصلحة العامة أم من الأفعال الماسة بالأشخاص أم من الأفعال الماسة بالأموال، وسواء أوقع الفعل الجرمي من فرد أم من جماعة منظمة، مما يعني أن الفعل يدخل في نطاق الإرهاب وأن ارتكبه شخص واحد فقط، وإن كان هذا الفرض نادر الوقوع، حيث يتميز الفعل الإرهابي عادة بأنه فعل جماعي، يتم من خلال إعداد منظم، إلا أن المشرع أراد بذلك أن يسد ثغرة في التشريع يخشى أن تستغلها الجماعات الإرهابية بحيث ترتكب جرائهما من خلال أحد أفرادها، دون أن ينطبق عليها مع ذلك وصف الإرهاب.

واشترط المشرع لتحقق جريمة الإرهاب أن تستهدف الأفعال الإجرامية فرداً أو مجموعة إفراد أو جماعات أو مؤسسات رسمية أو غير رسمية أو ممتلكات عامة أو خاصة، وفي ذلك إشارة إلى توسع المشرع في قائمة ما شمله بالحماية بحيث تشمل الأشخاص والمؤسسات والممتلكات.

أما فيما يتعلق بالعنصر المعنوي لجريمة الإرهاب، فمن المعروف أن السلوك الإنساني ليس سلوكاً عشوائياً، بل هو سلوك غائي يستهدف غاية معينة، والسلوك الإجرامي لا يخرج عن هذا المعنى، أي أن السلوك الإجرامي وسيلة لبلوغ غاية معينة، فالجاني يحدد الغاية من سلوكه، ثم يتجه إلى الوجهة التي يدرك بها هذه الغاية، وعلى هذا النحو لا يكفي لتحقيق جريمة الإرهاب أن تقع أفعال جرمية لوحدها، وإنما يجب بالإضافة إلى ذلك تتجه إرادة الجاني إلى تحقيق غاية إرهابية معينة، تتمثل بالإخلال بالوضع الأمني أو الاستقرار أو الوحدة الوطنية أو إدخال الرعب والخوف والفزع بين الناس أو إثارة الفوضى.

عبارة مطاطة

أما الإخلال بالوضع الأمني فهو عبارة مطاطة تتسع لجميع الحالات التي تتجه إلى بث روح عدم الاطمئنان بين المواطنين، سواء على أنفسهم أو على أموالهم أو حرياتهم من خطر الاعتداء الإرهابي، أما الإخلال بالاستقرار فيقصد به زعزعة حالة الثبات في البلاد سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الأمنية، أما الإخلال بالوحدة الوطنية فيقصد به بث روح التفرقة بين صفوف الشعب، سواء على أساس القومية أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الجنس أو العرق أو الأصل أو اللون أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي…. إلخ.

وقد تتمثل الغاية الإرهابية بإدخال الرعب والخوف والفزع بين الناس، أما إدخال الرعب فيقصد به إثارة خوف جماعي في المجتمع لمثل قدرته على المقاومة ولدفعهم إلى الاستسلام أو لإجبار الحكومة التي تمثله على الخضوع، أما الخوف فيقصد به بث الوجل في نفوس الناس من أجل السيطرة عليهم، وشل تفكيرهم عن الجرأة الضرورية للتصرف عن الجرأة الضرورية للتصرف في مواجهة الفعل، أما الفزع فيعني ترويع الناس وهو مرادف للخوف، أما إثارة الفوضى فتعني بث حالة من انعدام القانون والنظام في البلاد.

ومن كل ما تقدم يمكن إن نرصد توسع المشرع في تحديد العنصر المعنوي لجريمة الإرهاب من خلال استعماله لألفاظ وعبارات مطاطة يمكن إن تتسع للكثير من الحالات.

فإذا توفر العنصر المادي والمعنوي المشار إليهما سلفاً، فإن الجريمة توصف بالإرهابية، ويترتب عليها العديد من الأحكام الخاصة التي تتعلق بالعقوبة والتدابير الاحترازية.

وهكذا وتأسيساً على ما سبق وتطبيقاً للمادة /40/ من الدستور الدائم يمكن تطبيق نص هذه المادة على جريمة الإرهاب وبالتالي إمكان استخدام الدليل المستمد من الهاتف النقال في إثبات جرائم الإرهاب.

وتجدر الإشارة إلى أن العديد من الأحكام القضائية العراقية ذهبت إلى اعتماد الدليل الصوتي للهاتف النقال كدليل في الإثبات الجنائي في ظل غياب النص القانوني أو النصوص المنظمة لهكذا دليل لاسيما في جرائم الزنا والخطف والقتل ومنه قول محكمة التمييز يجب الاستعانة بخبير الأصوات لمعرفة مطابقة صوت المتهمة مع صوتها المسجل من قبل مراقب الهاتف، وذلك يدل على أن القضاء العراقي في الغالب من أحكامه لا يرفض هذا النوع من التسجيل معتبراً هذا التسجيل قرينة على نفي الجريمة أو نسبتها إلى المتهم.

خلاصة لما سبق يمكن القول يبدو أن القانون العراقي في اتجاه القوانين الرافضة لمشروعية هذا الدليل المستمد من الهاتف النقال أكثر من كونه من القوانين التي تقبل به ضمناً، سيما إذا عرفنا أن المادة (213/أ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي عددت الأدلة المشروعة في الإثبات الجنائي صراحة، فضلاً عن الأدلة التي يقرها القانون بالقول “تحكم المحكمة في الدعوى بناءً على اقتناعها الذي تكوّن لديها من الأدلة المقدمة في أي دور من أدوار التحقيق أو المحاكمة وهي الإقرار وشهادة الشهود ومحاضر التحقيق والمحاضر والكشوف الرسمية الأخرى وتقارير الخبراء والفنيين والقرائن والأدلة الأخرى المقررة قانوناً”، ومن الطبيعي أنه لا ينسجم مع التشريع القول بأن القانون العراقي قد اعتبر التسجيل الصوتي الهاتفي أو مطلق التسجيل الصوتي من قبيل الأدلة الأخرى المقررة قانوناً، ومما يؤكد وجهة النظر هذه أن قانون السلامة الوطنية العراقي قد أجاز في المادة الثانية عشر منه مراقبة وسائل الاتصال السلكية اللاسلكية في أضيق الحدود، وهو ما يدل على أن الأصل في التشريع العراقي هو رفض مختلف وسائل التسجيل أو التنصت أو المراقبة في الإثبات الجنائي.

اصول محاكمات

ومع ذلك فأن نص المادة /74/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي قد نصت على “إذا تراءى لقاضي التحقيق وجود أشياء أو أوراق تفيد التحقيق لدى شخص فله أن يأمره كتابة بتقديمها في ميعاد معين وإذا اعتقد أنه لن يمتثل لهذا الأمر أو أنه يخشى تهريبها فله أن يقرر إجراء التفتيش”، وظاهر نص هذه المادة على نحو من الإطلاق بحيث يوحي باستيعاب مختلفا لأشياء التي تعين في إظهار الحقيقة في التحقيق ومنها التسجيل الصوتي، إلا أن الواضح أن المشرع العراقي في هذا القانون كان على استحياء من ذكر هذه الوسيلة التي تعد اليوم واحدة من أهم وسائل الإثبات، بل واحدة من أكثر أدلة الإثبات إثارة للمشكلات الإجرائية، مما جعل القانون متسماً بسمة رفض هذا الدليل من الأدلة أقرب من كونه مستوعب له، سيما إذا علمنا أن تلك الوسيلة غير مقبولة بموجب الدستور والمواثيق الدولية التي تؤكد على حقوق الإنسان، وبالاستعانة بالدستور العراقي النافذ (المادة/40/ نجد أن الأصل هو منع التعدي على تلك الاتصالات بأي شكل من الأشكال ومنها التسجيل إلا في أضيق الحدود وذلك بالقول “حرية الاتصالات والمراسلات البريدية والبرقية والهاتفية والإلكترونية وغيرها مكفولة، ولا يجوز مراقبتها أو التنصت عليها أو الكشف عنها إلا لضرورة قانونية وأمنية وبقرار قضائي”.

{ لواء حقوقي