
مكاتيب عراقية
سأقطعُ قدميَّ كي لا أشتري حذاءً جديداً . سأخلعُ أسنانيَ كي أكتفي بحساءِ العدس .
سأزرعُ صورةَ أبي فوقَ رفِّ النسيان ، كي أنسى البابَ البغداديَّ الشرقيَّ . سأطشُّ حنطةً بكفّي ، أصطادُ بها الطيرَ ، وأهشُّ سخامَ الأيام . سأُطفىء عينيَ كي لا أراكِ فيتفلّش قلبي .
سأكتبُ قصةً بالغةَ القِصر ، فلا أخسر طينَ لغةٍ كثير . سألوّحُ للسلطان بأربعة أصابع قائمات راسخات ، حتى لا يغضب من زيتِ إصبعي الوسطى . سأستعملُ تبغاً رخيصاً مدافاً ببعرور الغنَم ، كي أختصر المسافةَ الواصلةَ إلى الله .
سأبني كوخاً عند خاصرة البحر ، وأجعلهُ فخّاً رائعاً لسَمَك الغفلة . سأشتري ديوانَ المتنبّي ، وأسرقُ من بطنهِ ، ذهبَ سيف الدولة ، ومزامير الحروف الصعبة .
سأعلّقُ على حائطي ، روزنامةَ الأيام العاطلة . سأثقب الأرض من تحت قدمي ، وأخرج من القطب الآخر ، وأصيرُ قطْباً عالياً . سأشتري عشر دجاجاتٍ وديكاً واحداً وعلبة فياغرا ، فأنتج سلة بيضٍ طيبة .
سأشلعُ من قمصانيَ كومةَ أزرارٍ فائضات . سأكتفي بنصف أثاث الوجه .
سأتنازل عن وظيفة الجوارب وحزام الظهر وهيل الشاي . سأمشي بكتفٍ أهدلَ وأعاند صفير الريح . سأستخدم حرفاً وحيداً أُسمّي به ولديَ الجديد .
سأرسمُ غرفةً ببقيا طبشورٍ قديمٍ ، كي يتّسعَ بيتُ العائلة . سأكسرُ حنفيةَ الماء ، وأنجو من ناقوطها المُملِّ . سأحذفُ من صحبيَ سبعينَ واحداً ، كي لا يصير سبّورةَ طعنات .
سأسلقُ الماءَ بشمسِ الظهيرة .
سأركبُ سفينةً لا تمشي فوق ماء . سأحجُّ إلى وادٍ غيرِ ذي ثمرٍ ، فأبرأ من غناء المعدة .
سأحلمُ بتلِّ ذهبٍ ، وأُقسّمهُ في جسومٍ كثيرةٍ .
سأجفّفُ زبيةً يتيمةً ، أُعسّلُ بها أربعينَ فماً .
سأنسى سرَّ الليلِ ، كي أُوفّرَ للعريفِ ليلةً مُبهجة .
سأنزرعُ بعتبةِ مقبرةٍ ضخمةٍ ، وأحظى بتراتيل الأُمهات .
سأسدُّ مهاطلَ الدمعِ بزفتِ الزقاق .
سأرشُّ البذورَ فوق أرضٍ خلاء ، وأقيمُ عليها صلاةَ السقيا .
سأقومُ على حيليَ ، فيمُرّ من تحتيَ ، سطْرُ نملٍ عظيم .


















