تجار صغار وعمليات ترويج خفية أبطالها باعة جوالون

بغداد – اسراء القيسي – محمد الصالحي

من الصعوبة على الصحفي ان يتوغل داخل اروقة تجار ومروجي المخدرات في محاولته كشف الحقيقة  اذ ليس من السهولة ان يفتح هؤلاء ابوابهم حتى لاقلام الصحافة ليكشفوا النقاب عن اعمالهم .

لكن (الزمان) و في محاولتها كشف الستار عن حقيقة هؤلاء تمكنت من الحصول بداية على بعض من هذه المواد المخدرة قبل ان تحصل على الحقائق كاملة. (كيس صغير) يحتوي مادة صفراء كان بمثابة الحبل الذي ازال جزء من الستار الذي غلف هذا الموضوع بانتظار القانون ان ياخذ مجراه بازاحة الستار كليا و القضاء على هذه الافعال المشبوهة غير القانونية. احد الباعة الجوالين الذي اخفى حقيقة امره بمظهره المثير للشفقة واستجدائه من المارين به افصح عن حقيقته الخافية بعد ان عرضنا عليه شراء المخدرات فبادر الى تزويدنا بها، ربما لم يكن سؤاله عنها بتلك الصعوبة كونه احد المدمنين على المخدرات اذ فاجئنا بالاجابة فورا على عكس غيره ممن غلفوا انفسهم بالحيطة والحذر خشية الايقاع بهم. وسرعان ما بدأ بعرض قائمته مع اسعارها التي تراوحت بين الـ 5 الاف الى 25 الف دينار تنوعت بين اصناف ابو الصليب و الوردي و ابو الحاجب و غيره.  الغريب لم يكن في حصولنا على المخدرات بطريقة سهلة لكن كانت في الحصول عليها مجانا بعد ان تمت العملية بالاتصال مع البائع الرئيس الذي كان كريما لدرجة انه رفض اخذ النقود قائلا ان (هذه هي المرة الاولى و ان همه هو اكتساب زبائن جدد).

واسترسل قائلا (لدي زبائن كثر في السعدون لا سيما و نحصل على الادوية من مصادر خاصة لا يمكن ان اصرح بها فهم معروفون لدى اغلب الناس) وبدأ بعد ذلك بتعداد قائمة الانواع كي يتسنى لنا حرية الاختيار قائلا (هناك انواع عديدة منها الوردي و ابو الصليب والحاجب و توترام وسمائي منوم و ابو الطبرة و مكدون وتختلف الاسعار حسب النوعية فيتراوح السعر ما بين 5 الى 50 الف بحسب الانواع المطلوبة و مقدارها).

واشار المتحدث باسم وزارة الداخلية العميد سعد معن لـ (الزمان) امس ان (الوزارة مستمرة باعمالها من خلال حملات الدهم والتفتيش لاوكار التجار عبر مديرية مكافحة المخدرات و شرطة النجدة ودوريات الشرطة الاتحادية لكن هذه الحبوب ذات استخدام مزدوج لذلك من الممكن الحصول عليها بمجرد الحصول على وصفة طبية لانها تستخدم لعلاج بعض الامراض النفسية و الحالات المرضية الاخرى) واضاف (ان اكثر المناطق السكنية التي تعاني انتشار المخدرات هي السعدون والبتاويين و نحن باستمرار نلقي القبض على مجاميع المروجين و نقوم بتسليمهم للقضاء). واوضح ان (تنسيق عالي المستوى يتم بين ملاك الوزارة للحد من هذه الظاهرة من خلال مديرية المخدرات والمنافذ الحدودية و لا يوجد ابدا تواطؤ بالموضوع من افراد الشرطة او الاجهزة الامنية عكس ما يشاع). ابو علي كان احد ضحايا الاتجار بالمخدرات اذ فتكت هذه الاخيرة بولده، يقول (كان لدي ولد يبلغ من العمر 18 سنة و هو في مرحلة الاعدادية بدأ يتغير تدريجيا بحيث اصبح لونه شاحبا و بدا منزعج من كل الاشياء حوله و محبط، بعد مدة اكتشفنا ادمانه للحبوب و تاخره عن المدرسة). واضاف (ازدادت الحالة سوءا بحيث استطاع سرقة مجوهرات والدته و باعها ليوفر مستلزمات الادمان واصبح عنيفا يستخدم القوة في كل خلافاته حتى معنا حتى جاء اليوم الذي خرج فيه و لم يعد). اما ن. ع فقد كانت لها حكاية اخرى روتها بعد ان استنفد الادمان كل ما تبقى لها، قالت (بدأت بالادمان بعد قصة طويلة حين هربت من البيت بعدما اجبروني على الزواج بشخص اكبر مني بكثير و كنت حينها اعيش قصة حب مع شاب اخر، فقررت الهروب الى بغداد و لم اجد فرصة عمل اعيل نفسي بها سوى العمل في ناد ليلي تعلمت فيه بعد ذلك تعاطي الحبوب والمشروبات الكحولية، واليوم انا اسيرة هذه الحبوب ولا استطيع تركها).

و كان لحامد ذو الـ 39 عاما رواية اخرى حكاها جيرانه بعد ان منعه اختلال عقله من قصها علينا، اذ كان جندي في الجيش العراقي السابق وكان جنديا في صنف المشاة اثناء حرب التسعينات. اصيب في نهاية الحرب بمرض اختلال عقلي جراء رؤية اصحابه الجنود مقطعين الى اشلاء، عائلته الفقيرة جابهت الامر برفض ادخاله الى المنزل اذا لم يحضر النقود ليعيلها مما جعله يتسكع في الشوارع بلا مأوى. فكانت الحبوب المخدرة اول ما لجأ اليه ليهدئ بها حالته الصحيه المتدهوره جراء ادمانه على المخدرات والمسكنات.

حالة اكتئاب

وبين محمد. م (لجأت الى تعاطي الحبوب بسبب حالة الاكتئاب التي امر بها عسى ان انسى حالة البطالة التي اعيشها والظروف التي أمر بها، و لدي صديق يعمل في صيدلية احدى المستشفيات سهل لي العملية باحضاره لي كل اسبوع مجموعة من هذه الحبوب). الدكتور ايهاب الجابري باحث في امراض الادمان اشار قائلا (تقسم المواد المخدرة الى قسمين اولهما النباتية مثل الافيون والخشخاش و تزرع في ايران وافغانستان و باكستان ولبنان بشكل اقل و تستخدم بشكل كبير في بلدان الشرق الاوسط و اغلب هذه المواد تستخدم في الاصل بصناعة الادوية المهدئة بعد معالجتها كيمياويا من خلال معامل باشراف الدولة بشكل مباشر و هذه المواد تكون عقاقير وبالتالي تستخدم للادمان ايضا) واضاف (ادوية المخدر المعدنية تستخدم في غرف العمليات كمخدر او للتهدئة لانها تؤثر على الجهاز المركزي العصبي مثل الفاليوم والسوماردين و البسفين و ان اكثر الانواع خطورة هو البسفين اذ ان تناوله مرتين يعرض الشخص للادمان، اما الفاليوم فيكون استخدامه لمدة خمس مرات في الاسبوع ليدمنه الشخص و هناك دواء السعال يستعمل 4 – 5 مرات اسبوعيا لغرض الادمان ايضا). واوضح الجابري ان (المدمن لا يستطيع ترك هذه المواد والاستغناء عنها و حاجة الجسم اليها باستمرار اضافة الى رعشة الجسم و حالة الانتشاء اثناء تناولها والصداع من اعراض الادمان).

وتابع (ان الادوية ذات الاستخدام المزدوج من الممكن الحصول عليها بسهولة دون وصفة طبيب اضافة لرخص اسعارها، وهناك مصحة لمعالجة الادمان في مستشفى ابن رشد خلال 21 يوم يستخدم فيها ادوية مضادة للمخدرات بشكل تدريجي اضافة الى انها لا تسبب اعراض جانبية و قد نجحت المصحة في شفاء بعض الحالات التي كان معظمها من الذكور).

و اوضح القاضي علاء التميمي ان (المشكلة ليست بالمواد القانونية حكم تصدر بحق تحكم عليها التاجر والمتعاطي هي سنة و هي رادعة بشكل كبير لكن هناك سوء ادارة يرافق تنفيذ هذه الاحكام اذ ان اغلب المواد تنص على الحبس مثل المادة 40 عقوبات  والمادة 50 من قانون الصيدليات والمادة 39 من جرائم التخريب الاقتصادي و غيرها.و هناك مواد رادعة تصل حد الاعدام لكن الفساد الاداري ادى الى تعطيل تنفيذ هذه الاحكام بالشكل الصحيح). فيما اشار الاختصاصي بعلم النفس في جامعة بغداد الاكاديمي علي تركي لـ(الزمان) ان (سوء استخدام العقاقير والادوية متعلق بالحالة النفسية للفرد كأن يكون تحت ضغط نفسي او غير قادر على مواجهة مصاعب الحياة فيلجأ الى هذه الامور اضافة الى ذلك فان اهم اسباب الادمان هو عدم الاستقرار السياسي والامني و الخوف من المجهول) و اوضح ان (المناطق الفقيرة العشوائية هي اهم مناطق نشاط المخدرات فضلا عن الى المناطق التي تشهد اضطرابات امنية وسياسية). وتابع تركي (المشكلة هي ان هذه المواد تتلاعب بكيمياوية العقل لذلك فالشخص السليم حين يتناولها ليصبح في غيبوبة تشعره بالسعادة المؤقتة وحالة من النشوة تجعله اسيرا للادمان للهروب من الواقع). مبينا ان (مخططا سياسيا تبنته بعض الدول لجعل البلد شبيها بالفلبين التي تعتاش على المخدرات والدعارة وتجارة الرقيق) و اشار تركي الى ان (الادمان يبدا من خلال اصدقاء السوء اولا و ان دور العائلة هو الحاسم في التخلص منه من خلال المتابعة والتدقيق والتثقيف و حل المشاكل العالقة وابعاد الابناء عن التوتر والمهاترات) و اختتم تركي بعبارة (من الطريف ان مدمن المشروبات الكحولية يشعر بالشجاعة فيمارس سطوته بضرب زوجته على عكس مدمن المخدرات الذي تضربه زوجته و هذا تجسيد لسيناريو ساخر بين الاثنين). هكذا و بعد ان سجلت الاحصائيات ارتفاعا كبيرا في نسب المخدرات ومدمنيها داخل البلد لا سيما بعد افتضاح امور بعض الدول الجارة التي فتحت حدودها لتكون معبرا لتجار السموم حسبما افاد بعضهم، تبقى هذه المواد تشق طريقها لتنخر ما تبقى من عقول لدى شباب ان هم نجو من عمليات الاستهداف فالمخدرات و مستقبل الادمان بانتظارهم.