بين جناحيها ترعرعت – قصي منذر

بين جناحيها ترعرعت – قصي منذر

كانت البداية يوم حط طائري في أفياء روضة (الزمان) وعلى فنن من أفنانها , وغصن من هذه  الأغصان الطيبة المعطاء , هذه المدرسة التي لا تبخل على طلابها ومريديها بالمعلومة الواضحة , والمنهج القويم وأنها تتعهد الشداة , الذين يخطون خطواتهم الاولى في طريق العمل الصحفي المضني الذي أحببت دروسه أكاديميا ونقلت ما حصلت عليه أثناء دراستي إلى واقع العمل , كيف يكتب الخبر والمقال الصحفي وكيف هي المقابلة واساليب استقاء المعلومة من مصادرها. ابصرت النور في عالم الصحافة وبين جناحي (الزمان) ترعرعت ، فتحت امامي بلاط صاحبة الجلالة لانهل من سواقيها الكتابة وفنون المعرفة حتى رأيت اسمي يذيل المقالات التي اكتبها ويعتلي تارة الاخبار والتقارير التي اعدها , لاشك ان الكلمة المسؤولة ركيزة الحياة لانها الاداة المعبرة عن الفكر المؤثر في الاقناع وتغيير الانطباعات ، وها نحن نكحل اعيننا بهذه المناسبة المتميزة (العدد 7000) لانتهز الفرصة واعرب عن شكري وامتناني وتقديري لرئيس مجموعة الاعلام المستقل الاستاذ (سعد البزاز),صاحب المبادرات الانسانية التي تنم عن شعوره الوطني تجاه ابناء بلده , وكيف لا وهو راعي الثقافة والفن والابداع, كريم النفس وريث العزة والإباء والشهامة ,يذكرنا بكرم حاتم الطائي عندما مرت على البيداء سنة قحطٍ شديدة، فجفت الأرض وأمحلت, ولم تعد تجود بما تقتات عليه الأغنام والحيوانات، لانقطاع المطر. ضاق الحال بالناس ، لا حبوب لصنع الدقيق، ولا أغنام يشربون حليبها أو يأكلون لحومها، حتى الأبل التي تعرف بصبرها على العطش أصبحت هزيلة. بكى صغار القوم من الجوع، وحارت الأمهات ماذا يفعلن؟ فما كان منهن إلا أن أصبحن يتحايلن على الصغار ليناموا فتخف عنهم وطأة الجوع. في ليلة وبعد انقضاء شطر منها ، وإذا بامرأة ترفع طرف الخيمة، فقال حاتم من هذا؟ فردت جارة لك يا أبا عدي ، جئتك من عند صبية جياع لا يكفون عن البكاء من شدة الجوع. فقال لها إئت بهم. فقالت امرأته لقد نام أطفالك وهم يبكون من الجوع وما وجدت ما تطعمهم به, فكيف بهذا؟، فكان رده والله لأشبعنكم. وقام من فوره إلى فرسه فنحرها، ثم أوقد ناراً، وطبخ وأشبع القوم. هكذا هو (ابو الطيب) يتدفق عطاء وخيراً بلا انقطاع , تحتار الكلمة في نسج حروفا تعبرعن قامة صحفية شامخة فاق وصفها الحدود,فهو ايقونة الصحافة والاعلام .. ابن الرافدين ونهريه دجلة والفرات. وللصحافة اسرار غير معلنة الا بعد خوض التجربة واكتساب الخبرة من قامات لها بصمة واضحة, كنت ارى البحر ولا اجرؤ عليه, حتى اخذ بيدي معلمي صاحب الفضل والرسالة السامية,رئيس التحرير الدكتور (احمد عبد المجيد) لاغوص في اعماق هذا العالم المكتظ بالخفايا والاحداث ,فهو الواعظ والموجه والمرشد والناصح , ويعلم بحاجتي قبل سؤالي ويحرص على ان اكون في الطليعة , يقول احمد شوقي .. قُـم للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا كـادَ المعلّم أن يكونَ رسولا ,أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي يبني وينشئ أنفـساً وعقولا. هو كذلك مربي الاجيال كالبحر الزاخر الذي ننهل منه العلوم, فنرتقي ونزداد علما على علم, ومهما قلت وكتبت فلا اقدر على وصف رمز وطني ونجم  متلأْلئ في عتمة السماء ,احد اركان الصحافة واقلامها البارزة عنوانا وصفة , جبلا شاهقاً وقمة بلغت الكمال او شارفت ,لا ينازعه احد ولا سلطة تعلو على سلطة عقله ورجاحته او حجة تسمو على حجته ,تواق الكلمة انيق المفردة يحوك جملا ويصوغ معاني ,تعلمت منه الكثير وما زلت اتعلم , فهو مدرسة شاملة لا تتكرر ابدا. ان زحمة العمل الصحفي اليومي تتطلب صبرا ومطاولة لكنها تحرف احيانا مجرى افكاري .. لكنني لم اوت بمخيلة بعيدة المدى ,فتذكرت لحظات هيجت بداخلي الاسى والالم واخرى عشت فيها البهجة والفرح حتى راودتني احاسيس قد اضعت فيها الخيط في لحظة شرود ذهني , ايام وانا اشعر بمشقة اعمق مما ينبغي لاني فقدت عزيزا وما اعظم لوعة الفراق , فكان لرحيل الزميل (صباح عبد الغفور) اثر في قلبي كنت اخشى فقدانه ,ولاسيما ان وعكته الاخيرة كانت مفاجئة .. حتى رن هاتفي صباح يوم ممطر ليخبروني بوفاته , فكان النبأ قاسياً وصاعقاً لم اصدق حتى رايت جسده مسجى داخل الواح خشبية وزوجته ونجلاه اسامة واحمد وصهره عمر الاسدي يخاطبونني (رحل صديقك) , حينها اقشعر بدني واغرورقت عيناي بالدموع وانا اودع زميلي الى مثواه الاخير, فارقنا على غير عادته دون وداع , ومضينا بعده بأحزان ثقال . يتفنن الموت في خطف الاحبة لكن هذه المرة تجسد بفقدان الزميل الراحل ابي سيف (منذر عبد عباس), الذي كان يتميز بانه صديق الجميع طيب المعشر صاحب حنكة ودراية ملم بكل شيء وبساطته تنم عن ذات محترمة ومجافاة واضحة لكل مثالب التكبر , وبعد رحيله بمدة ودعنا الاديب والكاتب والصحفي (رزاق ابراهيم حسن), الرجل العصامي الذي تفرد عن غيره بأسلوب خاص في كتابة الشعر والنقد والفنون الصحفية الاخرى , غادرنا بعد رحلة عطاء تواصلت على مدى نصف قرن في خدمة العراق. فالموت حق مكتوب لم يسلم منه الانبياء وهم اشرف الخلق مع علو مكانتهم ورفعة منزلتهم . فما كان عليّ الا الاستمرار في الدفاع عن الحقيقة ونقل معاناة الناس وانا اشعر يوما بعد اخر بالمسؤولية الكبيرة التي وقعت على عاتقي  مع زملائي الاخرين الذين ابادلهم اطراف الحديث للخروج من زحمة العمل وروتين الحياة الممل. فتارة اناقش بعض الحيثيات مع مديرة التحرير الست (ندى شوكت) , الشخصية الفريدة التي تتميز بالهدوء والتنظيم والصدق والتفاني من اجل عملها الذي تواصله حتى ساعات متأخرة من اليوم, واتذكر ايضاً ,كنت مع زميلاتي في مطبخ التحرير (داليا وشيماء وتمارا) نقضي وقتا ممتعا معها لالتقاط الصور او البحث في موضوع ما يخص العمل , فهي مثال للمرأة التي يحتذى بها من عفة وكرم واخلاق , واحد الاعمدة الصحفية الشامخة,واما الاستاذ (شكيب كاظم) , الناقد والكاتب الذي ينسج مقالاته بأسلوب محترف ليضفي جماليتها ورونقها على القارئ , لا يبخل عليّ في اية معلومة او توضيح سواء اكان يخص العمل ام خارجه, حتى خلال مدة انقطاعه عن العمل فانه يبادر عبر تطبيق الواتساب للرد عن تساؤلاتي بشأن التصحيح اللغوي لبعض المفردات , وذات مرة سألته, استاذ شكيب كيف تقضي وقتك في المنزل ؟، ولاسيما  كنت الاحظ انه يداوم باستمرارعلى قراءة الكتب ,فكان جوابه القراءة واشار بسبابته نحو الكتاب هذا صديقي. حقاً ان الكتاب هو الجليس الذي لا يطريك والصديق الذي لا يغريك والرفيق الذي لا يملك كما قال الاديب العربي ابو عثمان عمرو  بن بحر الجاحظ .

شغف القراءة

كما اذكر زميلي (حمدي العطار وعارف السيد) ، فالعطار شغوف بقراءة الكتب ومحب للاستطلاع على الثقافات الاخرى اضافة الى انه يتميز بعطائه الابداعي الغزير والثر  , اما السيد فهو مفعم بالحيوية والنشاط وينجز اعماله بسلاسة وهدوء, ونفس الحال لزميلنا في قسم الرياضة الذي اراه خفيف الظل (ساري تحسين) الملم بعالم الرياضة , ولاسيما كرة القدم, وكذلك الاستاذ (فائز جواد ) الذي يعرف بحبه للاذاعة الام (بغداد) فضلا عن شغفه في متابعة نتاجات الفنانين واعمالهم الجديدة. ولا يختلف انطباعي عن زملائي في القسم الفني وابتدأ برئيسه (اشرق صادق) الذي عادة ما اراه قلقاً وفي نفس الوقت حريص على اظهار الصفحات بأجمل صورة واحيانا دقته تستحوذ على وقته خارج ساعات الدوام المعتادة , اما كمال مصطفى فهو ينقش الجمال (انامله تلتف بحرير) على قول الاخوة المصريين وكأنه يرسم لا يصمم  فترى الصفحة تمتزج فيها الالوان والصور كأنها لوحة فنية متميزة , ولا يختلف الحال بالنسبة للزملاء خالد وعادل وخلود فلكل واحد منهم بصمة ابداع مؤثرة تنوعت ملامحها, اذ انهم ينحتون الصور كنحات يطوع الحجر ويقدم اشكالا ورسومات فنية بأسلوب تشكيلي ,حتى بشير الباكستاني برغم عربيته الركيكة , اصبح واحدا من اسرة الجريدة ولا يتردد عن تقديم العون وكان على الدوام من اول المشاركين,في تهيئة اجواء المناسبات التي دأبت (الزمان) على اقامتها احتفاءٍ بكتابها ومثقفيها ,وذات الحال ينطبق على حارسي الجريدة سيف وجاري, اللذين يحرصان على توفير بيئة آمنه للمؤسسة وللعاملين فيها بمهنية واداء عاليين, نعم يا سادة هذه (الزمان) صوت الفقراء ومنصة القراء وقبلة الباحثين , مدرسة علا بنيانها فهي كالنخلة باسقة غضة الافنان معطاء لا تحنيها الرياح ورطبها غذاء , زهرة يفوح اريجها في ارجاء المعمورة , فراشة تحوم بين الزهور ومن نداها تورق الاغصان , بها اناغي الزمن وادندن على اوتار شجوني , كالشمس تشرق كل يوم ، حاملة معها الأمل لتطل بشعاعها الفكري على قرائها وتنير قلوبنا الظامئة إلى الثقافة لتحول بصائرنا نحو سبيل المعرفة ، ابية وعصية تواصل الصدور المنتظم رغم المنغصات والتحديات ,كانت وما تزال خير معين على اداء الرسالة الاخلاقية والوطنية ,اتمنى مواصلة الابداع والمسير نحو عقود حافلة باصدارات جديدة متميزة.

لا ارغب بالاطالة ولربما ايماءة او اشادة تغني عن حديث طويل , فأقول مختتما حديثي, (الزمان) مدرسة مهنية يتعلم فيها الشباب مهنة الصحافة ومنها يدخلون الى الواقع ,وثانية ليس في (الزمان) مقص ورقيب , فلا رقيب فيها الا ضمير الكاتب وشرف المهنة , فالكلمة مسؤولة .