… بين الشِّعر والكركم

… بين الشِّعر والكركم
احمد جارالله ياسين
ثمة فجوة مفزعة بين بعض الأكاديميين المختصين وظيفة بالأدب ونقده في حدود المحيط الجامعي من جهة أولى وبين المنشغلين إلى حد العشق بالأدب ونقده من مبدعين أو نقاد أو دارسين ممن هم خارج ذلك المحيط من جهة أخرى…
ويبدو لي أن أصحاب الصنف الأول تنتهي علاقتهم بالأدب وأخباره ومستجداته ومهرجاناته وندواته النقدية بمجرد الحصول على الشهادة العليا وكرسي دوار خلف منضدة أنيقة في إحدى الغرف الجامعية…
أما الصنف الثاني فان أصحابه قد تقمص الأدب حياتهم وأحلامهم في كل لحظة من لحظاتها.. وان كنت مخطئا فإنني بحاجة إلى إجابة سريعة تفسر لي غياب الصنف الأول عن المهرجانات الشعرية والندوات الأدبية لاسيما حين تقام في الجامعة.. أو قريبا منها كما حدث مع مهرجان أبي تمام الذي شهد غيابا شبه تام للمتخصصين أكاديميا بدراسة الشعر من منتسبي جامعة الموصل وباستثناء أسماء محدودة لاتتجاوز أصابع اليد الواحدة..
وفي كثير من الأحيان فان احدهم قد يمر قرب القاعة الجامعية التي تقام فيها مثل هذه النشاطات الأدبية من دون أن يكلف ربطة عنقه الصينية الأنيقة عناء الالتفات ولو لثانية واحدة إلى مايدور في القاعة من حدث أدبي أو نقدي يدخل في صلب اختصاصه الأكاديمي
ويبدو أن هذا الصنف مختص بالأدب إلى الحد الذي يوصله فقط وسط زغاريد الأهل إلى نيل شهادة عليا أو ترقية علمية وحرف دال يلمع قرب اسمه يعلقه على باب الغرفة وفيما بعد فان هذا الدال سيهجر الأدب وأخباره والنقد وأسراره ويتفرغ للبحث عن آخر المستجدات الفنتازية للرواتب ، فضلا عن متابعته الاستخباراتية للحوافز وحضور الطلاب أو غيابهم عن محاضرته العقيمة…
وذلك الغياب عن مثل تلك النشاطات الأدبية نسجله أيضا على عدد كبير من المنسوبين الى الصنف الثاني ممن يعتبون على اتحاد الأدباء في الموصل لأنه لايقيم حسب زعمهم أية نشاطات ثقافية في حين أنهم أول الغائبين عن تلك النشاطات حين تقام ، وذلك لأسباب على الأغلب نرجسية .. إن احدهم يتساءل
مادمت غير مشارك في مهرجان الشعر ، فلم الحضور؟
ومادام اسمي غير مذكور في الندوة ضمن عباقرة الشعر أو القصة أو النقد ، فلم الحضور؟
ومادام ذلك النشاط لايتضمن مكافأة مادية أو حتى زجاجة مشروب وقطعة حلوى فلم الحضور؟
ومادامت جائزة نوبل بعيدة عني فلم الحضور؟
ومادام رولان بارت وتودوروف غائبين عن الندوة ، فلم الحضور؟
أحبتي من الصنفين الغائبين كليهما.. صحيح أن ظروف الحياة صعبة جدا والوقت ضيق لكن لابد من ترك فسحة صغيرة جدا في القلب للشعر والقصة.. والأدب بنحو عام..إلى جانب تلك المساحات الشاسعة غير المبلطة التي خصصناها في نفوسنا وحياتنا اليومية لإشكاليات تخص مسائل مثل شحة الكهرباء ، وانقطاع الماء، ومصرف الموبايل والمواصلات والبنزين والحصة التموينية ومخاطر انفلونزا الطيور والموطا، وتوفيرالدجاج المشوي والاستعداد للعيد السعيد واجتماع الآباء في المدارس، وتسديد قوائم الديون، وتلبية الطلبات البيتية من عدس ورز وصمون حجري وكركم…
ياه أيستحق الكركم أن نبحث عنه في السوق لساعات.. ولايستحق الشعر أن نصغي إليه ولو لدقائق في مهرجان تاريخي مثل مهرجان أبي تمام جاء الشعراء إليه من محافظات العراق كله.. بينما كان آخرون في عالم الغياب.

/6/2012 Issue 4224 – Date 12 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4224 التاريخ 12»6»2012
AZP09