بيرسترويكا العبادي – مقالات – علي الهنداوي
في النصف الثاني من عقد الثمانينات من القرن الماضي وعند وصول الزعيم السوفييتي ميخائيل غورباتشوف الى سدة الحكم اعلن ذلك الزعيم عن اصلاحات جذرية لأجراء تغيير عميق في بنية الاقتصاد السوفييتي اطلق عليها اسم بيرسترويكا التي تعني في اللغة الروسية (اعادة البناء )تلك الاصلاحات التي اثارت جدلا واسعا في الداخل السوفييتي وفي الخارج بين مؤيد ورافض ومتحفظ ففي الغرب كان الدعم لهذه الاصلاحات واضحا لأنها تسير بالاقتصاد السوفييتي نحو الرأسمالية اما في اوساط المحافظين من الشيوعيين فقد كان الامر مختلفا لان تلك الاصلاحات تمس جوهر مفهوم الملكية في الايديولوجية الشيوعية في حين تحفظ البعض من غير المتشددين على تلك الاصلاحات اما بسبب عدم فهمهم الكامل لطبيعتها او انها لم تكن واضحة وناضجة الى الدرجة التي يستطاع التعامل معها .ان علماء الاجتماع والسياسة يدركون ان الدول تمر بمراحل وانعطافات عديدة في الجانب السياسي والاقتصادي والعلاقات الدولية و تبعا لما يراه المختصون في السياسة والاقتصاد فقد اشروا الانعطافة التاريخية التي مر بها الاتحاد السوفييتي السابق على انها امر حتمي تتطلبه ضرورات المرحلة في صيرورة الدول .ان الدولة العراقية ليست استثناء من هذه الحتمية اذ ان جرس انذار انهيار الاقتصاد في العراق قد تم قرعه وبشدة من الكثيرين واذا كان جرس السوفييت قد قرع بسبب عجز اقتصادي سببه عقم ايديولوجية ملكية الدولة لكل شيئ فان اجراس العراق تقرع بسبب ايديولوجية السرقة الشرعية من كثير من المسؤولين والتغطية على تلك السرقات من بعض المتنفذين الكبار, الامر الذي جعل حكومة العبادي وبضغط من التظاهرات الكبيرة المطالبة بالإصلاح تطلق حزما من الاصلاحات لدرء خطر الافلاس الذي تسببت به السياسات الاقتصادية السابقة لحكومتي المالكي وانخفاض اسعار النفط ناهيك عن تكلفة ادامة الة الحرب على الارهاب , ولكن بدلا من ان تكون هذه الإجراءات استراتيجية بعيدة النظر تأخذ بنظر الاعتبار تغيير جذري ومدروس وفق مراحل زمنية معقولة وتفصيلية وشاملة لبيرس ترويكا عراقية بحيث يرى المواطن ضوء في نهاية النفق وبدلا من ان يحدد العاكفون على هذه الإجراءات سقفا زمنيا للتقشف وللحسم من رواتب الطبقات الفقيرة والمتوسطة وبدلا من الاتجاه نحو الموارد البديلة بجدية وجرأة كالخصخصة وتنشيط السياحة الدينية الخاسرة والتخطيط لسياحة اثارية مربحة وزراعة الاف الكيلومترات من الاراضي المتروكة وتنشيط الصناعات التحويلية وايقاف سرقة الملايين من الدولارات في مزادات البنك المركزي عبر جعل سعر بيع الدولار يتساوى مع سعر بيعه في السوق والضرب على ايدي حيتان الفساد وتقديمهم الى المحاسبة بدلا من هذا كله نرى الإجراءات اتسمت بالتسرع والارتباك ومجاملة الفاسدين والتخوف من مواجهتهم وعدم القدرة على وضع اقتصاد البلاد على السكة الصحيحة . لقد صاحب عملية اعادة البناء في زمن غورباتشوف -وهنا لا ازعم ان اعادة البناء في روسيا كانت عملية مثالية مفهوم (الغلاسنوست) اي الشفافية في تنفيذ الاصلاحات كي تتم عملية اعادة البناء في وضح النهار بعيدا عن الدهاليز المظلمة , لكن ماذا بشان شفافية اصلاحات الحكومة العراقية ؟ هل تمت محاسبة كبار المفسدين بشفافية بل هل تمت محاسبتهم اصلا؟ الجواب لا , لان المحاسبة اقتصرت على صغار الفاسدين وعلى بعض المسؤولين الفاسدين الذين يعملون لأنفسهم ولم تجري محاسبة الحيتان او دكاكينهم من المسؤولين في وزارات الدولة وهيئاتها وبين هذا وذاك ضاعت اموال الشعب وعليه الشعب ان يدفع فواتير لها اول وليس لها اخر.

















