بيان‭ ‬رقم‭ ‬واحد‭.. ‬مرة‭ ‬أخرى

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬

بعد‭ ‬الحركات‭ ‬التوليفية‭ ‬والتزويرية‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬تركيب‭ ‬أصوات‭ ‬على‭ ‬اشخاص‭   ‬وافلام‭ ‬لأحداث‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬وجود‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬أصلاً،‭ ‬مع‭ ‬صعوبة‭ ‬بالغة‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬كشف‭ ‬ذلك‭ ‬بالعين‭ ‬المجردة،‭ ‬للناس‭ ‬العاديين‭ ‬في‭ ‬الأقل،‭ ‬بات‭ ‬كثيرون‭ ‬ينظرون‭ ‬بعين‭ ‬الشك‭ ‬لأي‭ ‬تصريح‭ ‬او‭ ‬فيديو‭ ‬يصلهم‭ ‬عبر‭ ‬تطبيقات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ويحدثني‭ ‬بعض‭ ‬الأصدقاء‭ ‬دائما‭ ‬سائلين‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬وقوع‭ ‬حدث‭ ‬معين‭ ‬او‭ ‬اعلان‭ ‬تصريح‭ ‬ما‭ ‬لمسؤول‭ ‬او‭ ‬زعيم،‭ ‬وقد‭ ‬شاهدوا‭ ‬ذلك‭ ‬الحدث‭ ‬المصنوع‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يعلموا‭ ‬،‭ ‬ووصلهم‭ ‬عبر‭ ‬الرسائل‭ ‬المتبادلة‭. ‬

عاتبت‭ ‬صديقاً،‭ ‬وقلت‭ ‬له‭ ‬،‭ ‬حاول‭ ‬ان‭ ‬تتأكد‭ ‬بنفسك‭ ‬وتختبر‭ ‬عقلك‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬ما‭ ‬يردك،‭ ‬ولا‭ ‬تصدق‭ ‬ما‭ ‬يصلك‭ ‬بسرعة،‭ ‬وربما‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬نقله‭ ‬وتوزيعه‭ ‬وهو‭ ‬غير‭ ‬حقيقي،‭ ‬فردّ‭ ‬عليّ‭ ‬بأن‭ ‬قام‭ ‬بفتح‭ ‬هاتفه‭ ‬امامي‭ ‬واسمعني‭ ‬بيانا‭ ‬يقرأه‭ ‬زعيم‭ ‬عربي‭ ‬وهو‭ ‬يعتذر‭ ‬من‭ ‬شعبه‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬بدر‭ ‬منه‭ ‬من‭ ‬أخطاء‭. ‬كان‭ ‬الفيديو‭ ‬القصير‭ ‬متقناً‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬بما‭ ‬يجعله‭ ‬ينطلي‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬انسان،‭ ‬وتحداني‭ ‬الصديق‭ ‬بقوله‭:‬

‭ ‬كيف‭ ‬تستطيع‭ ‬كشف‭ ‬التزوير‭ ‬هنا،‭ ‬أليس‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬صوته‭ ‬نفسه؟

قلت‭ ‬له،‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬التقنية،‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أبين‭ ‬لك‭ ‬مواضع‭ ‬التزوير‭ ‬والتوليف‭ ‬وتغيير‭ ‬ذبذبات‭ ‬الصوت‭ ‬وتركيب‭ ‬الكلمات‭ ‬الجديدة‭ ‬بصوت‭ ‬ذلك‭ ‬الزعيم،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬يسهل‭ ‬على‭ ‬المرء‭ ‬كشف‭ ‬انّ‭ ‬الفيديو‭ ‬مفبرك،‭ ‬كون‭ ‬انه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬زعيم‭ ‬يكاشف‭ ‬شعبه‭ ‬بأخطائه‭ ‬وتجاوزاته‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬ضد‭ ‬حقوقهم‭ ‬ووجودهم‭ ‬واحلامهم،‭ ‬لذلك‭ ‬فانّ‭ ‬الفيديو‭ ‬مزور‭ ‬بامتياز‭.‬

يذكرني‭ ‬هذا‭ ‬باجتماع‭ ‬عقده‭ ‬الرئيس‭ ‬العراقي‭ ‬الراحل‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من ستة ‬شهور‭ ‬على‭ ‬غزو‭ ‬الكويت،‭ ‬وكان‭ ‬اللقاء‭ ‬مع‭ ‬الفعاليات‭ ‬الإعلامية‭ ‬المختلفة‭ ‬قبل‭ ‬ليلتين‭ ‬او‭ ‬ثلاث‭ ‬من‭ ‬نهاية‭ ‬مهلة‭ ‬التحالف‭ ‬الدولي‭ ‬للجيش‭ ‬العراقي‭ ‬للانسحاب‭ ‬من‭ ‬الكويت،‭ ‬وبعدها‭ ‬تندلع‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭ ‬1991،‭ ‬اذ‭ ‬تحدث‭ ‬احد‭ ‬المديرين‭ ‬العامين‭ ‬للإعلام‭ ‬عن‭ ‬إمكانية‭ ‬الامريكان‭ ‬ان‭ ‬يقوموا‭ ‬بتركيب‭ ‬خطاب‭ ‬بصوت‭ ‬يتطابق‭ ‬مع‭ ‬صوت‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬يدعو‭ ‬فيه‭ ‬الجيش‭ ‬للانسحاب‭ ‬الفوري‭ ‬من‭ ‬الكويت‭ ‬او‭ ‬الاستسلام‭ ‬،‭ ‬ويتم‭ ‬بث‭ ‬الخطاب‭ ‬على‭ ‬موجات‭ ‬تخترق‭ ‬البث‭ ‬العراقي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التفوق‭ ‬الالكتروني،‭ ‬فيحدث‭ ‬الاضطراب‭ ‬وتسهل‭ ‬مهمة‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬دخول‭ ‬الكويت‭ ‬واستعادتها‭. ‬فقال‭ ‬له‭ ‬صدام‭: ‬اقفلوا‭ ‬على‭ ‬هدفكم،‭ ‬“وانّ‭ ‬العراقيين‭ ‬يعرفون‭ ‬انّ‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬لهم‭ ‬استسلموا”‭.‬

وحين‭ ‬وقعت‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬عاصفة‭ ‬الصحراء‭ ‬بعد‭ ‬ثلاث‭ ‬ليال،‭ ‬لم‭ ‬يحتج‭ ‬الامريكان‭ ‬الى‭ ‬استخدام‭ ‬تقنية‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬النادرة‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن،‭ ‬لأنّ‭ ‬صدام‭ ‬أعلن‭ ‬بيان‭ ‬الانسحاب‭ ‬العشوائي‭ ‬من‭ ‬الكويت‭ ‬بنفسه‭ ‬وحدثت‭ ‬أولى‭ ‬نكسات‭ ‬الجيش‭ ‬الكبرى‭.‬

رئيس التحرير-الطبعة الدولية

[email protected]