
بل لا قيمة للفهم بلا أدب – علي الجنابي
أستوقفني نصٌّ عنوانه (لا قيمة لأدبٍ بلا فهم) بقلم كاتبٍ على صفحاتِ صحيفةٍ عربيةٍ غراء، وزبدةُ النص كانت في ختامه وفيها كان قد كَتبَ فقالَ:
(وإني لأعجب كل العجب من شاعر أو ناثر يأتي بغريب الكلمات وغريب المفردات وقدِ اندثرت في لفظها وإندرست في إستعمالها ولديه ما ينوب عنها من لفظ آنهِ وحاضرهِ. هذا هو [ التقعر ] بعينه وهذا هو النأي عن جادة الفهم وأحسب ذلك من التكلف ولزوم ما لا يلزم، ولا يفعل ذلك إلا من لم يدرك غاية الآداب وأهدافها وحاد عن جادة الإفهام وأثره). انتهت زبدة ما كتب. ومن باب حوار حرٍّ داكن على صفيحِ ضادٍ ساكن غير ساخن، أجد من الواجب تسويةَ ما لوى الكاتب وطوى من (تقعراتٍ) غريبةٍ لا تستند إلى منطقٍ لغوي سليم ولا إلى مبررات لسانٍ قويم إلَا منطق ومبررات التكاسل عن نَهمِ وعن فَهم لسان تاج اللغات وأسِّ الهوية لكل ناطقٍ بها، تلكم لسان القرآن الكريم، والتواكل على مفردات لغوية يحسبها الجاهلُ ضاداً، وإن هي إلّا ثغاءٌ في واد منقعرٍ يُكنَّى ” بوادي الجُمُود” ولا ريبَ أن سيّدَ الوادي هو مُفكِّرُ وصنّاجةَ العَرب في عصرنا هذا :”اللِّمبي المَشهود”.وغالبُ ظنّي يا ايها السيد الكاتب أنَّهُ قد فاتَك أنَّ للضَّادِ مُتعَةٌ يَنحَبِسُ نَبعُها ولا ينبَجِسُ إلّا بعدَ عشقِ عُمقِ مَعانيها لتستهويكَ وتُغنيك،
وما كانَ ينبغي لشاعرٍ أو ناثرٍ أن يخطَّ خواطره بِحَشُوِ حرفٍ ودُنُوِّ صرفٍ وبهما مهرولاً يأتيني ويأتيكَ، فذلكَ لغوٌ ولَهوٌ لا يُسمِنُ بل عن الإرتقاء سوف يُلهيني وعن إرتقائِكَ سوف يُلهيك. وكانَ لزاماً علي كلِّ شاعرٍ أو ناثرٍ أن يحطَّ بي وبكَ على قَناطِرهِ بنَشوِ ذَرْفٍ وبسُمُوِّ غَرْفٍ يُسعدني ويُسعدُكَ ومِمّا أُشكِلَ عليكَ سوف يُفتيك. ومن قبلُ كان بلطيفِ طرفِهِ ورهيفِ ذرفِهِ قد إرتقى بي وبكَ وبنا جميعاً في سُطُورِ بيانٍ وعطورٍ جنانٍ لمُشكلِ الرُّوحِ ترشِدُني وتَهدين، وتَرشِدُكَ وتَهديكَ. وإنَّما خيرُ حجةٍ وبرهانٍ في ذا وذيك هو ما أنزلَ ربُّنا عليَّ وعليكَ من سورة الفلق و(مِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) كي نستَعيذَ بها مِنْ شَرِّ الغَاسِقِ لمّا بأثقالهِ يَمتَطيني ويَمتطيكَ، وهوَ العَليمُ سبحانهُ بأنَّا من أمَّةٍ عمّا قريبٌ ستُمسي أمّةً جهولاً بمعاني (غَاسِقٍ) و(وَقَبَ)، وما يُدريك؟ لعلّك أنت الآن تجهلُ معنى الغاسقِ إذا وقب، ومايدريك؟ فلرُبَما ستُمسي أمتنا جهولةً في دَهرٍ قريبٍ آتٍ حتّى بحُروفِ ضادِها وما يُدريك. لكنّهُ جَلَّ في عُلاهُ أثبتَ (غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) كي أرتَقيَ وإيّاكَ بعُلُوِّ بيانِها ومن سُمُوِّ عنانِها نستقي، فَتهدين للسمو وتهديكَ.وإذاً فلا يَنبغي لشاعرٍ ولا ناثرٍ أن ينزِلَ إلى جُبِّ جهلِ الدروب في دَا دهرٍِ عقيمٍ ضحلٍ غضوب، وبِلسانِ جَهلهِم يكتبُ لنا غثاءً يضنيني ويضنيكَبل يَنبغي أن يَغزِلَ حَبلَ صهلٍ فصيحٍ مليح، علَّهُ يُرقِّيني ويَرقيني، ويُرقِّيكَ ويَرقيك.ثُمَّ إني أتمنى عليك في ختام عتابي أن تردَّ على تساؤل:ما مبرراتِ خلودِ (بانَتْ سُعادُ فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ مُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُفَدْ مَكْبولُ) و(حَكِّم سُيوفَكَ في رِقابِ العُذَّلِ وَإِذا نَزَلتَ بِدارِ ذُلٍّ فَاِرحَلِ) ؟
وما هي مكورات همودِ (اني اتنفس تحت الماء إني أغرق أغرق أغرق) وأختها (القدس عروس عروبتكم. فلماذا يا أولاد القحبة ادخلتم كل زناة الليل في حجرتها).
أفرأيتَ يا كاتبَاً يصفُ تراثَ امتهِ ب[ثراث الحرف المنقعر) كم هو نَاشز ذا الحَشوَ واللَّغوَ الكسيف ( ولك وحدكَ فيه ان تغرق تغرق تغرق) لكنه يُؤذي مَسمَعي رغم أنه لا يُؤذيك. فلا تصفْ بلاغة العرب وتراثك أجدادك النفيس (بالمنقعر)، فلا كلمات إلا كلماتهم على ظهرها ترويني وتشفيني وربما لو إطلعت عليها فسوف ترويك وتشفيك .
وإنَّما إلتجاءُ الشَّاعرِ أو النَّاثرِ لمعاذيرَ عن زَلَلٍ في بَهوِ بَيانهِ ومَلَلٍ في رَهوِ بلاغتهِ وعن عِلَلٍ في نحوِ فصاحتهِ لهوَ خيرٌ لهُ من يلبِسَ (تَقَعُّرِاتهِ) بمبرراتٍ رُبَما تُضنيني وتشقيني وتُضنيك وتشقيك.
ما لنا من محيصٍ يا أخا العرب إلّا إعتلاء سرجِ ضادِنا والإرتقاء، علَّ ذلكَ يشفعُ لنا بهويةٍ قد فقدناها بينَ الأمم في الأرجاء، فننتَزعَ توقيراً من تيك الأمم يُرضيني ويُرضيك. أحترامي.























