بغداد تفتتح أول حديقة تزحلق

بغداد‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬تحاول‭ ‬رقيّة‭ ‬الزبيدي‭ (‬22‭ ‬عاما‭) ‬بحذر‭ ‬لكن‭ ‬بشغف‭ ‬ركوب‭ ‬لوح‭ ‬للتزحلق‭ ‬استعارته‭ ‬من‭ ‬صديقتها‭ ‬بعدما‭ ‬سمعَت‭ ‬بافتتاح‭ ‬أول‭ ‬مساحة‭ ‬مخصصة‭ ‬لهذه‭ ‬الممارسة‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬مرّكزة‭ ‬على‭ ‬توازنها‭ ‬وتجربة‭ ‬بعض‭ ‬الحركات‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬قلق‭ ‬اجتماعي‭ ‬وجيز‭ ‬انتابها‭.‬

وتقول‭: “‬عندما‭ ‬سمعتُ‭ ‬من‭ ‬صديقاتي‭ ‬عن‭ ‬السكيتبورد‭  (‬لوح‭ ‬التزحلق‭)‬،‭ ‬كنت‭ ‬خائفة‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬جرّبته‭ ‬منحني‭ ‬طاقة‭ ‬جميلة‭”‬،‭ ‬معلّلة‭ ‬خوفها‭ ‬بمعارضة‭ ‬عائلتها‭ ‬ونظرة‭ ‬المجتمع‭ ‬العراقي‭ ‬المحافظ‭ ‬لهذه‭ ‬الرياضة‭ “‬الغريبة‭”.‬

وافتُتِحت‭ ‬أول‭ ‬حديقة‭ ‬تزحلق‭ ‬مجانية‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬الطلق‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬لتشكّل‭ ‬متنفسا‭ ‬لشباب‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬تتعافى‭ ‬تدريجا‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬والنزاعات‭ ‬التي‭ ‬أدّت‭ ‬إلى‭ ‬تهالك‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬وانعدام‭ ‬المساحات‭ ‬العامة‭.‬

وتضيف‭ ‬الشابة‭ “‬إنها‭ ‬المرة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬أجرّب‭ ‬فيها‭ ‬التزحلق،‭ ‬وأريد‭ ‬أن‭ ‬أستمرّ‭ ‬بهذه‭ ‬الممارسة‭ (…) ‬إذ‭ ‬أصبح‭ ‬لدينا‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬مساحة‭ ‬لذلك‭”‬‭.‬

وبينما‭ ‬تحاول‭ ‬الشابة‭ ‬المرتدية‭ ‬كنزة‭ ‬زهرية‭ ‬مبهرجة‭ ‬عدم‭ ‬فقدان‭ ‬توازنها‭ ‬على‭ ‬اللوح،‭ ‬يتداخل‭ ‬أطفال‭ ‬ببعضهم‭ ‬خلال‭ ‬محاولتهم‭ ‬إتقان‭ ‬حركاتهم‭ ‬فيما‭ ‬يتزحلق‭ ‬الأكثر‭ ‬خبرة‭ ‬برشاقة‭ ‬على‭ ‬منحدرات‭ ‬الحديقة،‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬موسيقى‭ ‬حماسية‭ ‬صاخبة‭.‬

وانضمّت‭ ‬رقية‭ ‬أخيرا‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬شابات‭ ‬عراقيات‭ ‬يتجمّعن‭ ‬منذ‭ ‬بضعة‭ ‬أشهر‭ ‬للتزحلق‭ ‬على‭ ‬ألواح‭ ‬في‭ ‬مساحات‭ ‬عشوائية‭ ‬وطرق‭ ‬فرعية‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهنّ‭ ‬عشتار‭ ‬عبيد‭.‬

وشاركت‭ ‬منظمة‭ “‬فرصة‭” ‬غير‭ ‬الحكومية‭ ‬التي‭ ‬أسستها‭ ‬عبيد‭ (‬40‭ ‬عاما‭)‬،‭ ‬مع‭ ‬منظمتَي‭ “‬ميك‭ ‬لايف‭ ‬سكيت‭ ‬لايف‭” ‬Make‭ ‬Life‭ ‬Skate‭ ‬Life‭ ‬البلجيكية‭ ‬الأميركية‭ ‬و‭”‬أون‭ ‬بونتي‭ ‬بير‭” ‬Un‭ ‬Ponte‭ ‬Per‭ ‬الايطالية‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬الحديقة‭ ‬الأولى‭ ‬للتزحلق‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬العراقية‭.‬

وتقول‭ ‬عبيد‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬كذلك‭ ‬مستشارة‭ ‬لرئيس‭ ‬اللجنة‭ ‬الأولمبية‭ ‬العراقية‭ “‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬مختلف‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬العراق‭ (‬لأنه‭ ‬يركّز‭ ‬على‭) ‬الأفراد‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬قواعد‭ ‬أو‭ ‬مكانة‭ ‬اجتماعية‭ (…) ‬وعلى‭ ‬توفير‭ ‬مكان‭ ‬يستقبل‭ ‬الجميع‭”.‬

وترى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ “‬يشكّل‭ ‬فصلا‭ ‬جديدا‭ ‬للرياضة‭ ‬في‭ ‬العراق‭”‬،‭ ‬لافتة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬منظمتها‭ ‬تعتزم‭ ‬تنظيم‭ ‬دورات‭ ‬للأطفال‭ ‬والنساء‭ ‬وكذلك‭ ‬لمدرّبين،‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬غياب‭ ‬إطار‭ ‬تدريبي‭ ‬وتعليمي‭ ‬رسمي‭.‬

وبدأ‭ ‬التفاوض‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬مع‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬قبل‭ ‬خمسة‭ ‬أعوام،‭ ‬حتّى‭ ‬منحت‭ ‬بغداد‭ ‬أخيرا‭ ‬موافقتها‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬2024‭ ‬وخصصت‭ ‬مساحة‭ ‬للمشروع‭ ‬في‭ ‬مقر‭ ‬وزارة‭ ‬الشباب‭ ‬والرياضة‭ ‬بشرق‭ ‬العاصمة‭.‬

واستغرقت‭ ‬أعمال‭ ‬البناء‭ ‬نحو‭ ‬شهر‭ ‬ونفذتها‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬منظمة‭ “‬ميك‭ ‬لايف‭ ‬سكيت‭ ‬لايف‭” ‬التي‭ ‬بنَت‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬دولية‭ ‬وبعثات‭ ‬دبلوماسية،‭ ‬حدائق‭ ‬للتزحلق‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬وتونس‭ ‬وليبيا‭.‬

وسبق‭ ‬للمنظمة‭ ‬أن‭ ‬شيّدت‭ ‬في‭ ‬2018‭ ‬حديقة‭ ‬للتزحلق‭ ‬في‭ ‬السليمانية‭ ‬ثاني‭ ‬أكبر‭ ‬مدن‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان‭ ‬العراق‭ ‬المتمتع‭ ‬بحكم‭ ‬ذاتي‭.‬

ويقول‭ ‬البلجيكي‭ ‬كييل‭ ‬فان‭ ‬هانسفيك‭ ‬الذي‭ ‬أشرف‭ ‬على‭ ‬البناء‭ “‬كانت‭ ‬رحلة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬قطعة‭ ‬أرض‭ ‬شاقّة‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬مساحات‭ ‬عامة‭” ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬حيث‭ ‬يقطن‭ ‬تسعة‭ ‬ملايين‭ ‬شخص‭ ‬وتنتشر‭ ‬الخرسانة‭ ‬بكثافة‭ “‬كأنما‭ ‬المدينة‭ ‬موقع‭ ‬بناء‭ ‬كبير‭”.‬

ويضيف‭ ‬الرجل‭ ‬الثلاثيني‭ ‬الذي‭ ‬عاونه‭ ‬سبعة‭ ‬متطوعين‭ ‬أجانب‭ ‬وعراقيين‭ “‬فوجئنا‭ ‬بالمشاكل‭ ‬التي‭ ‬واجهناها‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬كبيرة‭ ‬مثل‭ ‬بغداد،‭ ‬مثل‭ ‬عدم‭ ‬العثور‭ ‬بسهولة‭ ‬على‭ ‬آلات‭ ‬للعمل‭ ‬وتعطّل‭ ‬الضاغطات‭”.‬

لكن‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬المكان‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬الشارع‭ ‬العام‭ ‬وقد‭ ‬يعاني‭ ‬مرتادوه‭ ‬خلال‭ ‬ولوجه‭ ‬بسبب‭ ‬الإجراءات‭ ‬الأمنية‭ ‬الاعتيادية‭ ‬في‭ ‬مقار‭ ‬الوزارات‭ ‬العراقية،‭ ‬يرى‭ ‬فان‭ ‬هانسفيك‭ ‬أن‭ “‬المتزحلقين‭ ‬العراقيين‭ ‬سيفعلون‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬وسعهم‭ ‬لتفعيله‭”.‬

وبدأ‭ ‬محمد‭ ‬القاضي‭ (‬19‭ ‬عاما‭) ‬المعروف‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬المتزحلقين‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬بلقب‭ “‬ياش‭”‬،‭ ‬بممارسة‭ ‬التزحلق‭ ‬خلال‭ ‬تظاهرات‭ ‬خريف‭ ‬2019‭.‬

وشهد‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬أكتوبر‭ ‬2019،‭ ‬موجة‭ ‬تظاهرات‭ ‬كبيرة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬عمّت‭ ‬العاصمة‭ ‬ومعظم‭ ‬مناطق‭ ‬جنوب‭ ‬البلاد،‭ ‬طالب‭ ‬خلالها‭ ‬المحتجون‭ ‬بتغيير‭ ‬النظام‭ ‬ونظّم‭ ‬فيها‭ ‬الشباب‭ ‬أنشطة‭ ‬فنية‭ ‬ورياضية‭ ‬وحلقات‭ ‬نقاش‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬الاحتجاج‭. ‬لكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تعرضت‭ ‬الحركة‭ ‬لقمع‭ ‬دام‭ ‬أسفر‭ ‬عن‭ ‬مقتل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬600‭ ‬شخص‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ “‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬هكذا‭” ‬رياضة‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬ولا‭ ‬متاجر‭ ‬مخصصة‭ ‬لها،‭ ‬تمكّن‭ ‬القاضي‭ ‬من‭ ‬شراء‭ ‬لوح‭ ‬زهيد‭ ‬السعر‭ ‬من‭ ‬حساب‭ ‬على‭ ‬انستغرام‭.‬

ويقول‭ ‬طالب‭ ‬الصيدلة‭ “‬كلّما‭ ‬ظهرنا‭ ‬بالشارع‭ ‬حاملين‭ ‬ألواح‭ ‬التزحلق‭ ‬خاصتنا،‭ ‬كان‭ ‬الناس‭ ‬يصفوننا‭ ‬بأننا‭ +‬bad‭ ‬boys‭+ (+‬أولاد‭ ‬سيئون‭+)”‬،‭ ‬ما‭ ‬أحبط‭ ‬عديدين‭ ‬وجعلهم‭ ‬يعزفون‭ ‬عن‭ ‬الممارسة‭ ‬لتجنّب‭ ‬الإهانات‭.‬

لكن‭ “‬الوضع‭ ‬تحسّن‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭” ‬رغم‭ ‬أن‭ “‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬غير‭ ‬متقبّلة‭ ‬للتزحلق‭ (…) ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬الشارع‭ ‬والناس‭”.‬

ويضيف‭ “‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الفرصة‭ ‬ستتيح‭ ‬للشباب‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬مثلي‭ ‬يفتقرون‭ ‬إلى‭ ‬هدف‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ (…) ‬فرصا‭ ‬كبيرة‭”.‬

ويتابع‭ “‬حين‭ ‬أعاني‭ ‬ضغوطا‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الدراسة‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الشخصي‭ ‬والعائلي‭ ‬والمهني،‭ ‬ألجأ‭ ‬إلى‭ ‬التزحلق‭ ‬ولا‭ ‬يخيب‭ ‬ظني‭ ‬أبدا‭”.‬

من‭ ‬جهته،‭ ‬يؤكد‭ ‬حسين‭ ‬علي‭ (‬18‭ ‬عاما‭) ‬الملقّب‭ ‬بـ‭”‬ريكي‭” ‬والذي‭ ‬بدأ‭ ‬هو‭ ‬أيضا‭ ‬بالتزحلق‭ ‬في‭ ‬2019،‭ ‬استعداده‭ ‬لقطع‭ ‬المسافة‭ ‬الطويلة‭ ‬بين‭ ‬بيته‭ ‬في‭ ‬أطراف‭ ‬بغداد‭ ‬وحديقة‭ ‬التزحلق،‭ ‬لممارسة‭ ‬رياضته‭ ‬المفضلة‭ ‬يوميا‭.‬

ويعرب‭ ‬عن‭ ‬أمله‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬للعراق‭ “‬منتخب‭ ‬وطني‭ (‬للمتزحلقين‭) ‬وبطولات‭”.‬

وكان‭ ‬التزحلق‭ ‬على‭ ‬الألواح‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬رياضات‭ ‬ظهرت‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬أولمبياد‭ ‬طوكيو‭ ‬2020‭.‬

ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ “‬لا‭ ‬خجل‭” ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬المتزحلقين،‭ ‬موضحا‭ “‬عندما‭ ‬ترى‭ ‬أحد‭ ‬يمارس‭ ‬التزحلق‭ ‬مثلك‭ ‬تذهب‭ ‬إليه‭ ‬وتصبحون‭ ‬أصدقاء‭ ‬على‭ ‬الفور‭”.‬