بغداد المدورة.. لماذا إبتناها أبو جعفر المنصور؟

الدوانيق عملة الخليفة العباسي يدفعها لعمال البناء

بغداد المدورة.. لماذا إبتناها أبو جعفر المنصور؟

محمد مظفر الادهمي

 كان موقع بغداد قبيل الفتح العربي الإسلامي عبارة عن سوق يقام كل شهر في الجانب الغربي من نهر دجلة المعروف حاليا بالكرخ ، يسمى سوق بغداد ،ويذكر ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان ان بغداد كانت سوقا يقصده تجار الصين ، وتجمع المصادر ان اهل الحيرة اخبروا خالد بن الوليد ان في بغداد سوقا عظيمة تقام كل شهر يقصدها التجار من بلاد الصين وفارس والاحواز وسائر البلاد ،فاتجه المثنى بن حارثة الشيباني اليه وسيطر عليه.

  اذن بغداد في الاصل لم تكن مدينة وانما عبارة عن سوق فيه بيوت سكنية لمزارعين وبساتين على الضفة الغربية لنهر دجلة ، يقابلها على الضفة الأخرى لنهر دجلة المعروفة الان بالرصافة ،سوق آخر يسمى سوق الثلاثاء كان يقام كل يوم ثلاثاء في الأسبوع .

اما عن فكرة بناء مدينة بغداد كعاصمة للعباسيين بدلا من الهاشمية فقد جاءت بسبب عدة عوامل يأتي في مقدمتها الموقع ، وعدم شعور الخليفة العباسي بالأمان بعد محاولة قتله من قبل الراوندية في قصره بالهاشمية .

 يقول ريجارد كوك في كتابه بغداد مدينة السلام  الذي ترجمه وعلق عليه د مصطفى جواد وفؤاد جميل ان الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور قد وجد ان بلاد النهرين افضل مركز يمكن ان يدير منه الدولة العربية الإسلامية ، على ان تكون غير مدينة الهاشمية القريبة من الكوفة ، بعد ان هاجمه في قصره الراوندية الفرس المؤمنين بعقيدة فارس الساسانية القديمة ، وكادوا ان يصلوا اليه ويقتلوه في قصره لولا تعزيزات الجند التي وصلت وانقذته .فطاف أبو جعفر المنصور برحلات عديدة  في العراق وصل فيها الى الموصل واستقر رايه  أخيرا على منطقة سوق بغداد

   ولم يكن اختياره للمكان الا بعد دراسة وتمحيص وياتي في المقدمة الموقع حيث يقع سوق بغداد عند ملتقى نهر دجلة بقناتي ملاحة مهمتين  تأتيان من نهر الفرات ، هما نهر الدجيل وكان يصب في دجلة فوق سوق بغداد والأخرنهر عيسى في اسفل السوق وهما صالحان للملاحة المحلية ويربطان دجلة بالفرات .كما ان الملاحة في نهر دجلة كانت تصل الى الموصل شمالا والبصرة جنوبا ، وبهذا فان الموقع صالح تجاريا وعسكريا لان دجلة في ضفته الغربية  يحميه من الهجمات التي يأتي اغلبها من الشرق ، ومثله نهر الفرات الذي يحمي ظهره  من الغرب . حيث يتقارب نهرا دجلة والفرات بتخصرهما في هذه المنطقة التي أصبحت فيها شبكة من الشرايين المائية تنحدر من الفرات الى دجلة وتقوم عليها قرى زراعية عديدة .

من جانب آخر أخبر الرهبان النصارى الموجودين في المنطقة ابو جعفر المنصورانها صحية ، فمنطقة سوق بغداد وبساتينه تتمتع بشيء من البرودة لوقوعها على نهر دجلة  ، كما ان الجفاف الموجود فيها يجعلها بمنجاة من انتشار الحميات الشائعة في البصرة والجنوب . ويصف المقدسي في كتابه احسن التقاسيم في معرفة الأقاليم مزايا منطقة سوق بغداد التي شيد فيها أبو جعفر المنصور مدينته المدورة بالقول :

((ان احد وجهاء المنطقة خاطب الخليفة بالقول : انت بين نخل وقرب ماء ..وانت على الصراة تجيئك الميرة في السفن الفراتية، والقوافل من مصر والشام في البادية .. وتجيئك الات من الصين في البحر ومن الروم والموصل في دجلة .. فانت بين انهار لايصل اليك العدو الا في سفينة او على قنطرة على دجلة والفرات ))

تخطيط بغداد

وعندما اكمل المهندسون تخطيط بغداد المدورة أراد الخليفة أبو جعفر المنصور ان يرى المخطط موقعيا على الأرض قبل المباشرة بالبناء ، فامر ان تخط بالرماد ثم سار على المخطط يدخل من كل باب ويمر في تفاصيل بنائها ، ثم امر ان يوضع على مخطط المدينة المدورة حب قطن ويصب عليه النفط ،فنظر اليها والنار تشتعل فيها فاستوعب تماما مخططها ، عندها امر البدء بحفر أسس المدينة المدورة ، ووضع أبو جعفر المنصور اول آجرة فيها بيده وقال بسم الله …ابنو على بركة الله  .

 اختط المنصور مدينة بغداد المدورة عام 141 هجرية /758م ، وبعد ان اجتمع لديه مائة الف عامل من بنائين ونجارين وحدادين وحفارين استقدمهم من الامصار باشر البناء بإشراف مهندسين مختصين .

  ولكي نفهم تفاصيل مخطط مدينة بغداد المدورة سنقوم بشرحها من خارج المدينة الى داخلها . فقد كانت المدينة محاطة بخندق مائي اجري فيه الماء من قناة تأخذ من نهر كرخايا ،. ،. فكان على القادم الى بغداد ان يجتاز أولا الخندق المائي وسدته لكي يصل الى سور المدينة الخارجي الذي بني هو والسور الداخلي الذي يليه ، فهما سورين واحد يلي الاخر بينهما ساحة فارغة ، بنيا بالاجر الذي يربطه مادة ممزوجة من الطين والقصب  .ويبلغ عرض اسفل السور الخارجي 18 ذراع وعرضه في أعلاه 6 اذرع .

والحقيقة ان مواد البناء قد جلبت من مختلف مدن العراق ، كما تم الاستفادة من الاجر الموجود في المدائن وبابل .  وتذكر المصادر انه قد عثر على آجر مختوم بختم الملك البابلي نبوخذنصر الثاني على ضفة نهر دجلة  من بقية رصيف قديم في بغداد، ولعله مما امر بنقله ابو جعفر المنصور مؤسس المدينة من احجار مدينة بابل.

تذكر الروايات التاريخية ان ابواب بغداد كانت ثمانية ، منها اربعة كبار في السور الخارجي واربعة صغار في السور الداخلي وبين كل باب كبير وصغير دهليز يربط بينهما.

وقد جيء بالابواب الخارجية الكبيرة الاربعة   من واسط والكوفة ودمشق .واطلق على كل باب من هذه الأبواب اسم : حسب جهته المتوجه اليها وهي :باب البصرة وباب الكوفة وباب الشام وباب خراسان .

 ولكل باب من هذه الأبواب الخارجية مدخل مِزْوَر لأغراض دفاعية  أي ان المهاجم لا يأتي مباشرة الى الباب ، وانما عليه ان يعبر الخندق على قنطرة ليدخل من مدخل جانبي بحيث تصبح جهته اليمنى التي يحمل بها السيف او الرمح مواجهة للسور مما يسهل اصابته ، لانه يحمل في يده اليسرى الدرع الذي يحميه ، ولذلك اطلق على مدينة المنصور المدورة اسم الزوراء.

 يقول الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد ” اذا جاء احد من الحجاز دخل باب الكوفة، واذا جاء من المغرب دخل باب الشام ،واذا جاء من الاحواز والبصرة وواسط واليمامة والبحرين دخل باب البصرة ، واذا جاء من المشرق دخل من باب خراسان .وكانت الابواب حديدية لكل باب فردان لايغلق الباب الواحد منها ولايفتح الا جماعة من الرجال ” وللسور أبراج ضخمة وشرفات مدورة ، وتفصل بينه وبين السور الداخلي ساحة مرصوفة تقع بين السورين عرضها مائة متر لأغراض دفاعية لا يوجد فيها بناء ، علما ان السور الداخلي اعلى من السور الخارجي لكي يسيطر المقاتلون في هذا السور على مداخل المدينة وخارجها . ويبلغ ارتفاعه ستون ذراعا ، او ما يقارب 90 قدما .

   وتقع في الساحة  التي تقع بين السورين ممرات أربعة تربط بين أبواب السور الخارجي وابواب السور الداخلي الأربعة ، وفوق كل باب من أبواب السور الداخلي توجد غرفة واسعة لها قبة وفوق كل قبة مؤشر متحرك يبين اتجاه الرياح ، وقد أقيم للخليفة أبو جعفر المنصور غرفة خاصة فوق باب خراسان يجلس  فيها بعد الظهر ، ليشاهد من هذه الغرف منظر المدينة الرائع الجميل .

  كما أقيم حول كل قبه نقطة حراسة مبنية من خشب الساج يجلس فيها الجنود ، ويكون الصعود الى الغرف وقبابها عبر درج او سلم مبني بالآجر.

بعد السور الثاني الداخلي تأتي المنطقة السكنية التي يفصلها عن قلب المدينة حاجز ، لان قلب المدينة الذي يسمى الرحبة  يضم قصر الخليفة المنصور والجامع الملاصق له وثكنات لحرسه ودواوين الدولة ومساكن أولاد الخليفة المحيطة بقصره ومساكن  بطانته وخدمه .

وتذكر المصادر ان قصر المنصور اشتهر ببابه الذهبي وقبته الخضراء التي يعلوها تمثال فارس يمتطي فرسه  بيده رمح . وكانت القبة الخضراء هي المكان الذي يستقبل فيه الخليفة المنصور الناس من رعاياه ، وقد بقيت القبة الخضراء معلما بارزا رغم مرور السنين وترك استعمال المدينة المدورة  الى ان تهدمت نتيجة إعصار قوي عام 329 هجرية /940 ميلادية ، يعني بعد حولي 800 سنة من بنائها.

وكان بناء الجامع غير معقد وبسيط الى ان قام حفيد المنصور الخليفة هارون الرشيد بإعادة بنائه على طراز بالغ الروعة ، وقد طاول هذا الجامع الزمن وبقي قرونا طوال رغم اندثار المدينة المدورة .

 وكان الجامع  موجودا عندما حاصر هولاكو بغداد في جانبها الشرقي عام 1258 م /656 هـ ، كما ذكره الرحالة ابن بطوطة عندما زار بغداد عام 1327 م ، وهذا يعني ان الجامع استمر قائما لتسعة قرون من الزمن ولا نعرف متى اندثر هذا الجامع .

 اما عن الأسواق فقد شيدت في شوارع المنطقة السكنية المحصورة بين السور الداخلي ورحبة قصر الخليفة ومقره ، وبنيت للتجار الطاقات ، لكن الخليفة المنصور انتبه لاحقا الى ان هذه الأسواق تجلب عادة الجواسيس والاعداء إضافة الى الضوضاء التي تحدث في هذه الأسواق ، فقرر إخراجها خارج المدينة المدورة ، مما أدى الى اتساع منطقة الكرخ.

 لقد جعل المنصور للاحياء السكنية مخازن للمؤن، لكل حي من الاحياء ، اخضعت لرقابة دقيقة من حيث الأسعار وغيره. وقد سميت محلات المدينة المدورة وشوارعها بأسماء رجال وقادة بارزين من بينهم من ساهموا ببناء المدينة .

لقد أراد المنصور لمدينته المدورة ان تكون قليلة السكان مقتصرة على عمال دولته ولذلك لم يشجع السكن فيها لعامة الناس لانها كانت مدينة إدارية ذات مزايا عسكرية حصينة تدار منها الدولة العربية الإسلامية التي امتدت حدودها الى الصين .

وتقول المصادر ان الماء كان موفورا في المدينة ، وكانت الشوارع والاماكن العامة تغسل دوما ، والحدئق تسقى باستمرار، ولم يكن مسموحا للقمامة ان تبقى ، وفي المدينة دوريات للشرطة تحرسها ، وكانت الامانة والاستقامة  والشفقة والعطف عنوان التجار واعمالهم .

  بعد انشاء مدينة بغداد المدورة ابتنى المنصور قصر الخلد خارج المدينة المدورة على ضفة نهر دجلة وجعل له نفقا يربطه بداخل المدينة المدورة ونزل فيه عام 158 هـ /774 م ، وقد سكنه من بعده الرشيد ثم المامون .

دار السلام

ولم يفضل الخليفة أبو جعفر المنصور وجود الجيش في بغداد المدورة التي اطلق عليها اسم دار السلام ، ولذلك امر ابنه المهدي ان يقيم معسكر الجيش في الضفة الشرقية لنهر دجلة المقابلة للمدينة المدورة في مكان يدعى سوق الثلاثاء ، وشيد جسرا خشبيا على قوارب في نهر دجلة يربط بين جانبي النهر ، أي بين المدينة المدورة في الكرخ ومعسكر الجيش في الرصافة، ومن هنا بدا العمران في جانب الرصافة حيث اقام المهدي دورا لضباطه وجنده فالتحق به الناس وعمروها ، فابتنى المهدي فيها قصرا وجامعا يفوق جامع المدينة المدورة سعة وعمارة .

واذا ما عدنا الى المدينة المدورة ،بغداد دار السلام ، فقد انشأت فيها وحولها شبكة مياه متقنة من القنوات الصغيرة المتفرعة من نهري عيسى والدجيل ،فكانت المدينة المدورة تشرب وتسقى من نهر الفرات الذي يتفرع منه هذان النهران اللذان كانا صالحان للملاحة، وكانت السفن تفرغ حمولتها عند بغداد المدورة، مما ساعد على ازدهار حركة التجارة والعمران خارج وحول المدينة المدورة ، فظهرت احياء الصفارين وصانعي الصابون والنساجين  وحاكة القصب  والزياتون لأغراض الانارة وغيرها وعمال القار وباعة الدجاج وباعة الشواء و سوق البطيخ وسوق الفواكه والخضار ،كما أقيم حي للتجار خارج باب الكوفة ، وسمي باسم الكرخ نسبة الى قرية في هذا المكان.

انشاء طرق

 وقد اهتم الخليفة أبو جعفر المنصور بإنشاء شبكة طرق برية  حول المدينة المدورة ترتبط بأربعة طرق رئيسة تؤدي الى أبواب المدينة الأربعة ،فأصبحت بغداد المدورة محاطة ومؤمنة ومجهزة  بما تحتاجه من خدمات بمختلف اشكالها .

ولابد ان نشير الى ان طريق الحج كان يبدأ من باب الكوفة ، وقد اهتمت به السيدة زبيدة زوجة الخليفة هارون الرشيد فأقامت على طوله مضايف لراحة الحجاج واطعامهم والمسافرين عموما الى مكة المكرمة .

لقد نمت كثيرا ضواحي بغداد وازدهرت فأصبحت  بغداد المدورة في عهد الخليفة المنصور نواة لمدينة كبيرة ولهذا لم تبق أي أهمية لخندقها المائي واسوراها ، فتم تجفيف الماء في الخندق وشرع الناس ببناء الدور في هذه المنطقة بالقرب من الاسوار ،لكن المدينة المدورة بقيت مركزا رئيسا للخليفة وللحكومة .

وهكذا أصبحت بغداد المدورة في عهد الخلفاء المنصور و الرشيد والمامون مركزا لإمبراطورية قوية، وغدت بؤرة الاشعاع الثقافي في الدنيا كلها ، ومحجة كل موهوب من اسيا الى الأطلسي ،ونشطت فيها الحركة الثقافية والأدبية وتصاعدت بعد استيراد الورق من الصين ،فأصبحت بغداد هي التي تصنع الورق ،وصارت مركزا يتبارى فيه الشعراء وفقهاء الدين والنحاة ،ونشطت الحركة التجارية والصناعية ،وغدت بغداد محطة البضائع القادمة من الصين وفرنسا ،وذاعت في كل مكان منتوجات بلاد النهرين ،وصارت اللغة العربية اعظم وسيلة في ميدان التبادل التجاري ،فأصبحت ثروتها ورخاء أهلها وقوتها وشهرتها مضرب الامثال في الدنيا .

فاين موقع بغداد الان بعد اندثارها على مر العصور، ، هل هناك آثار بقيت منها ؟ الحقيقة لايوجد اليوم اثر واضح لبغداد المدورة. وقد حاول العلامة المرحوم مصطفى جواد تحديد مكانها ،فذكر ان موقعها كان بين منطقة العطيفية وعلاوي الحلة .الا ان احدث تشخيص لموقع بغداد المدورة هي الدراسة التي قام بها المؤرخ الاستاذ الدكتور عماد عبد السلام ، بعد ان لعبت الصدفة دورها في هذا الاكتشاف ،ففي عامي 1999-2000 بدأت امانة يغداد بمشروع واسع لاكساء شواطيء نهر دجلة في بغداد بالحجر، وكانت ثمة بعثة اثارية مكلفة باجراء مسوحات على ضفاف دجلة قبل ان تكسوها الاحجار ،فلاحظت ان الجرافات العملاقة في منطقة العطيفية قد اصطدمت باسس بناء بالغ القدم ، فتوقف عمل الجرافات وباشرت البعثة الاثرية العراقية بالعمل لتعثر على جدار اثري مغمور بالماء ،وعندما وصل الحفر الى عمق ستة امتار ظهرت لقى اثرية متحفية جميلة جدا وراقية ومنها قوارير زجاجية رقيقة مموهة بالمينا لحفظ العطور النفيسة التي اشتهر الخلفاء العباسيون بتعطير عمائمهم منها .

والاهم من هذا فقد تم العثور على مسكوكات ومنها العملة التي كانت تعرف بالدوانيق والتي اشتهر بها الخليفة ابو جعفر المنصور التي كان يدفعها لعمال البناء ،ولذلك لقبه البعض بالدوانيقي .كما عثر على مسكوكة نادرة مؤرخة عام 157 هـ وعليها كتابة تشير الى انها ضربت في مدينة السلام وتحمل اسم الخليفة ابو جعفر المنصور (عبدالله بن محمد) .وحينما استمرت اعمال التنقيب تكشفت اسس ضخمة لبقايا قاعة كبيرة مزينة بلون ذهبي تشبه الوصف الذي جاءنا في كتب التاريخ عن قاعة العرش في قصر المنصور الذهبي الذي كان يتوسط بغداد المدورة والذي سكنه المنصور والرشيد والامين . اذا نحن امام قصر المنصور ومقر حكمه الرئيس في بغداد المدورة والذي عرف بقصر باب الذهب . ومما يؤكد صحة هذا الاكتشاف عثور المنقبين تحت القصر على قناة معقودة  جدرانها بالطابوق الاحمر ومبلطة بالطابوق الفرشي تربط القصر بنهر كرخايا المتفرع من نهر الفرات ،لارواء المدينة ولكي تكون مخرجا اذا ما حوصرت المدينة من قبل الاعداء .وقد ورد ذكر هذه القناة في كتب المؤرخين .

السؤال الذي يطرح نفسه كيف يمكن ان يكون قصر الخليفة على ضفة نهر دجلة وهو الذي كان يتوسط المدينة المدورة ؟

يقول المؤرخ الدكتور عماد عبد السلام ان تغيير نهر دجلة لمجراه عبر القرون قد جرف نصف المدينة تقريبا مما ادى الى ان يصبح نصف المدينة المدورة الشرقي في قاع نهر دجلة في المنطقة المحصورة بين العطيفية والاعظمية حيث كورنيش الاعظمية الحالي .اما النصف الغربي من المدينة المدورة فهو الان مدفون تحت التراب في جانب الكرخ حيث يقع قصر باب الذهب على ضفة دجلة في العطيفية.

هذه هي بغداد المدورة التي كانت عاصمة الدنيا ومنبع حضارتها ايام المنصور والرشيد والماون : نصفها في قاع نهر دجلة بين الاعظمية والعطيفية ونصفها الاخر في جانب الكرخ تحت التراب .