ايها الولد الرسالة التاسعة والسبعون – مقالات – ناجي التكريتي
اتريد ان تقرأ التاريخ، سواء أكان تاريخ أمتك ام التأريخ الانساني العام؟
احذر كل كلمة تقع عيناك عليها، وتفحص كل منعطف تمر عليه، وأنت تتابع الاحداث، بروية وتأمل واناة، من دون ان تصدق كل ما يقوله الرواة، او ما يسطره المؤرخون على القرطاس.
ايها الولد – ان ما تراه مكتوباً على الورق، لم يكتب في حينه، بل كتب بعد ما وقعت الاحداث بعشرات وربما بمئات السنين.
اذا اردت ان اعطيك مثلاً بكتابة تاريخ العرب، سواء ما كان منه قبل الاسلام، ام العصور الاسلامية الاولى، منذ البعثة النبوية، مروراً بالدول التي شكلت والفتوحات والوقائع والحروب، وما تخلل ذلك من اختلافات ومشكلات، كل هذا قد كتب بعد اكثر من مائة عام.
اعلم- ان كنت لا تعلم- ان المؤرخين المسلمين لم يهتموا كثيراً بتاريخ العرب قبل الاسلام، منذ ان قرأوا ان الاسلام يجب ما قبله، حتى انهم لم يلتفتوا الى كتابة تاريخ ثري من تاريخ العرب.
ايها الولد – حين تتدبر تاريخ العصور الاسلامية، فان تاريخ تلك الفترات كتبت بدء من اواسط القرن الثاني الهجري فما بعد، ولعل الكتابة الثرية كانت خلال القرن الرابع الهجري – فتأمل.
يمكنك ان تتصور ما جرى وصار في عواطف الرواة وتعصب الذين دونوا الاحداث، وكل واحد منهم يكتب من وجهة نظره الشخصية او وجهة نظر الفئة التي ينتمي اليها – الا ما ندر.
ايها الولد – عليك ان تعرف، حتى هذه القلة من المؤرخين الذين يريدون ان يتجردوا من عواطفهم ويكونوا موضوعيين، فانهم يجدون انفسهم محكومين بالروايات المختلفة المتضاربة، التي يدلي بها الرواة، الذين حفظوا جزء من تلك الوقائع، عبر ما وعوه عبر احاديث الشفاه، وكل واحد منهم يحذف ويضيف، وفق ما يحلو له، او وفق ما يتفق مع ما يريد ان يكون.
بعد هذا، لو نظرت الى تاريخ اية امة من الامم، لوجدت ان الاحداث التي يذكرها المؤرخون لم تكن قد دونت في العصر التي وقعت فيه تلك الاحداث، بل بعد فترة قصيرة كانت ام طويلة، وهذا يجعل المؤرخ اسير رواية الرواة من جانب، واسير عواطفه من جانب آخر.
ايها الولد – وانت الذكي الموضوعي، الذي تريد ان تحكم على احداث التاريخ حكماً عادلاً، انظر الى كل فقرة مما تقرأه امامك، وتأمل حياة المؤرخ ذاته والى اية فئة كان ينتمي، وهل هو عاطفي او هو موضع ثقة.
ايها الولد – انت لا تستطيع ان تحرق كل الكتب، ولا ان تهملها جميعاً، بل ليكن ديدنك التأني وتحكيم العقل، في كل ما تراه مسطوراً على الورق امامك.


















