

الولائم العراقية والضيافة الحقة – قيس حسين رشيد
تباهى الملك العراقي أشور ناصر بال الثاني(883- 859 )قبل الميلاد أيما تباهي في وليمتهِ التي أقامها لضيوفهِ المدعوين في إفتتاح عاصمتهِ الاشورية الجديدة (كالحو) المعروفة الان بأسم نمرود في محافظة نينوى وذلك سنة 879 قبل الميلاد. حيث خلّد ذلك في مسلة حجرية وضعها في مدخل قاعة العرش في قصرهِ الرئيس وهي اليوم من معروضات متحف الموصل بعد ان اكتشفت عام 1951 في تنقيبات موقع نمرود، وقد جاء في النص المسماري المدون على هذه المسلة أنه دعى لها أكثر من سبعين الف شخص فضلاً عن الموظفين الحكوميين وممثلي الحكام والولايات التابعة للدولة في أحتفال ملكي استمر لمدة عشرة ايام وفي النص تفصيل كامل لأنواع الاطعمة والاشربة التي أُعدت لهذا الغرض وخُتمت المسلة بالفقرة التالية:-
(( أولمت للشعب السعيد من كل البلاد مع شعب كالحو لعشرة أيام وقدمت لهم الشراب وحممتهم وعطرتهم وشرفتهم ثم أعدتهم الى بلادهم بسلام وحبور )) .
وهناك الكثير من الاخبار والمدونات المشابهه التي تذكر ولائم عراقية مشهورة لحكام ومدن رافدينيه عبر التاريخ.
عادات وفعاليات
وكان العرب كما هي عادتهم في إعطاء كل فعالية حقها من التسمية قد حصروا مفردة(الوليمة) في الطعام الذي يصنع في الاعراس وتفرعوا ببلاغتهم المعهودة ليعطوا لطعام الخطبة تسمية (الأملاك )
ولطعام سلامة المرأة من الولادة تسمية (الخرس) ولطعام الاحتفال بالختان تسمية (الأعذار) ولطعام الاحتفال بالبناء والسكن الجديد تسمية (الوكيرة) ولطعام الزائر تسمية (التحفة) ولطعام القدوم من السفر تسمية (النقيعة) ولطعام المآتم تسمية (الوضيمة) ولطعام الضيوف تسمية (القِرى).
وهي كلها من ضروب الكرم وملحقاته. ومن لطائف المجالس أن صحبة كانوا يتذاكرون أمر الكرم ورجالاته فأنبرى أحدهم وهو من العراق فقال إن كرمنا قد ذكر في القرأن وبدأ يشرح لهم كرم النبي العراقي ابراهيم عليه السلام عندما قدّم لضيفهِ عجلاً سميناً ذاكراً قوله تعالى في سورة الذاريات((هل أتاك حديث ضيف ابراهيم المكرمين- اذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلامٌ قوم منكرون-فراغ الى اهلهِ فجاء بعجلٍ سمين )) .
كان كرم ابراهيم عليه السلام فضلاً عن تقديم العجل انه راغ الى اهلهِ أي ذهب في خفيةٍ من ضيفهِ لأن من أدب المضيّف أن يبادر ضيفهِ بالقِرى دون جلبةٍ وضجيج. وقد وردت تلك الحادثة في سورة هود ايضاً:-(( ولقد جائت رسلنا ابراهيم بالبشرى قالوا سلاماً قال سلامٌ فما لبث أن جاء بعجلٍ حنيذ)). وهنا كان من الضيافة أن ابراهيم عليه السلام لم يُبطيء او يتأخر عن ضيفهِ وجاء مسرعاً بالعجل الحنيذ ، والحنيذ هو المشوي الذي يقطر ودكهُ مما فيه من السمنة. وهكذا جُبل العراقيون على الكرم وحسن الضيافة وهي خصلة من مكارم الاخلاق وقد قيل إن الكرم من الشجاعة. ولهذا فأن ما شاهدهُ العالم ونحن في ضيافة اربعينية الامام الحسين عليه السلام لهو غيضٌ من فيض.. كرم وموائد ومضافات تحاول ان تصل الى ساحل المُحتفى بهِ..سيد شباب اهل الجنة وخامس اصحاب الكساء وابن الزهراء والمرتضى وقبل هذا وذاك هو الذي كانت كينونتهِ من النبي المصطفى صلى الله عليه وعلى اله وسلم وكينونة النبي منه مصداقاً للحديث الشريف ((حسينٌ مني وانا من حسين أحب الله من أحب حسينا)).
كرم متجذر
كان الماشي مع ركب المعزين الى كربلاء الأباء يجد مشاهد مذهلة لكرم عراقي أصيل ومتجذر تسابق فيه الخيرين لتقديم كل ما بوسعهم لضيوف وزائري سيد الشهداء..فهي قِرى على مدّ البصر وخدمات مختلفة خارج مسميات الولائم ستتعب مُنظّري البديع ونحاتيّ اللغة لأيجاد ما يليق بها من نعوت.أن الحدث الاربعينيّ اصبح علامة فارقة في سجل العطاء الانساني وهو بما رافقهُ من فعاليات مثار اعجاب كل العالم المُنصف الذي يرى فيه إحتفاءً مهيباً لحدث لم يسبق ولم يلحق به حدثاً آخر بما شكلتهُ عاشوراء الحسين من انعطافة في تاريخ الأمة وما عكسته من قيم ومفاهيم انسانية خالدة ، (فلا يوم كيومك يا أبا عبدالله ).
فهنيئاً للباذلين أموالهم والفاتحين بيوتهم والمشاركين بهذا الزحف الرحماني الكبير ولو كان بهم خصاصة.. وكل عام والعراق بخصب والاربعينيون بسخاء.
























