المغربي منير الإدريسي يتحدث لـ الزمان عن الصفحة الإلكترونية وقلق الشاعر
أكتب كي أمسك بالهارب في أعماقي
حاوره عبدالحق بن رحمون
مثل نساج يجيد نسج قميص من صوف، أو وبر، أو مثل حكيم أدركه الشعر في سن مبكرة، ومن كثرة همومه مع الكتابة وسهره الدائم داهمه الكبر سريعا، وبذلك يعتبر الخيط الأول هو مفتاح الفكرة، ولايتق بالحظ في أن تأتي الأشياء صدفة في احتمالات غير منتظرة، لأنه يشبه بطاقة تعريفه الشخصية التي تجسد مرايا الريش الخفيف لذا يقول أن الكلمة الأولى لا تأتي بسهولة ، بمعنى أن هذا الشاعر يعيش مخاضات قد تكون المفتاح، وقد يكون ما يليها هو الذي يُحدّد كل شيء. لكن الكلمة الأولى هي الأهم. وقال لـ الزمان في نومه يحلم أحيانا بأنه يقطف نصوصا ناضجة من شجرة ما؛ ويفسر ذلك كلّه هو هوسه بالشعر، كما يعتبر الخيال والصدق أنهما جناحي أي تجربة لتحلّق أبعد. ولتنفتح أكثر على المختلف، ولتتجاوز نحو رؤية شعرية ماثلة في القلب.
ولهذا السبب سوف أحرضكم على متابعة ما يقوله الشاعر منير الادريسي في هذا الحوار لتكتشفوا بعضا من حزنه وخياله، كما أحرضكم على قراءة قصائده ولو أنه مقل في النشر، لكن قصائده مثيرة للانتباه وجديرة بالقراءة.
وفيما يلي إليكم الحوار
ما حكايتك مع القصيدة.. وهل لك أن تروي لنا كيف تكتبها والمراحل التي تمر منها؟
لا تأتي القصيدة إلا في مزاج خاص هو أقرب إلى التخفف مما دونها. على نحو ما، يلح شيء بداخلي على أن أجلس إلى الشاشة البيضاء وأكتب. وغالبا ما أجلس في فترة الصباح، أشغّل معزوفة لألبينوني أحيانا وأخرى لموزارت. على المعزوفة أن تكون هادئة وسهلة، كمشي بتؤدة في فصل ربيعي حتى تدعني أركّز. أمام الصفحة الإلكترونية عليّ أن أتجاوز قلقي النفسي من أن أفشل، وغالبا حين أشعر بامتلاء كاف يتضاءل هذا القلق. لا أعرف ماذا سأكتب و لا كيف؟ لا خطة مسبقة، فقط شعور بأن نصا ما يضيئني..وعليّ أن أساعده في أن يُرى وأن يتحقّق. الكلمة الأولى قد تكون المفتاح وقد يكون ما يليها هو الذي يُحدّد كل شيء. لكن الكلمة الأولى هي الأهم. أنطلق ملغيا بذلك دور العقل الرقيب. أكتب بقلبي أولا. لأني أعرف عواقب أن أكتب وأنا أفكّر مليا فيما سأكتب..ستكون النتيجة عكسية تماما. وهذا ما تتيحه لي كتابة الشعر..عليّ أن أصل إلى درجة التركيز فيما سيقوله لي قلبي مرّة واحدة، وربما بكلمة واحدة. أمسك بتفاصيل ذلك الشيء الذي لا شكل له وأحاول أن أجد له شكلا. في هذه اللحظة تتراص الكلمات كقطعة لينة، وعلي أن أستمرّ في الإنصات إلى صوتي الداخلي حتى يستوي العمل تقريبا بخمسين في المائة، ثم أعاود قراءة العمل وأستضيف العقل المجرّد ليعمل على الأهم بالنسبة لي، ثم الناقد فيّ الذي أثق فيه، كقارئ حذق.
أحيانا أستيقظ وفي ذهني نصّ غير كامل أكتبه بسرعة حتى لا أنساه. في نومي أحلم أحيانا أخرى بأني أقطف نصوصا ناضجة من شجرة ما؛ وتفسير ذلك كلّه هو هوسي بالشعر. حين يتملكك حب شيء ما، وتتعلق به إلى حد كبير، يظهر في أحلامك كما في يقظتك. ولا شيء هنا خارج المنطق. إذ أن عقولنا مبرمجة على هذا النحو.. قد تختلف درجة الرضا عن العمل من قصيدة لأخرى. ولكني أشعر بسعادة لا توصف وأن لحياتي معنى. أضع عنوانا للمسودة، ويجب أن يكون بسيطا، حسبه أن يشير بإيماءة إلى النص. لا أحبّ التكلّف في العناوين.الأهم الإنسجام. يحدث أحيانا ألا تتم قراءة النص قراءة كاملة أو مفهومة دون الإلتجاء إلى العنوان. بعبارة أخرى يصير العنوان هو رئة النص. كما يمكن أن يكون غيابه هو متنفّس العمل واكتماله. المرحلة الأخيرة هي استضافة الشك هل من جديد لهذا النص كي يقدمه؟
مؤشرات إيجابية
هل كررت نفسي أم أني قفزت إحدى الحواجز؟ بمعنى هل أنحو نحو ما هو ماثل في ذهني ولا يتكشف إلا شيئا فشيئا مع كل تجربة؟ وهل تحقق شيء بسيط من ذلك؟ إذا كانت كل تلك المؤشرات إيجابية تتسع عيناي للمرح كأي طفل. ولكن، يبقى الشك يظلل النص بظله، وأن حكمي الأخير سيتحدد بعد أيام من ترك المسودة لحالها حتى أعود إليها بعد يومين أو أكثر. ربما يقل حماسي للعمل وأحذفه. وربما العكس. ولكي أتخذ قرارا أخيرا علي أن أناقش القصيدة مع شخص أثق في عمق بصيرته ونحن نتمشى في آخر المساء..ذاك الشخص من حسن حظي هو محمد بنميلود صديق حميم، وهو شاعر أيضا وقاص متميّز بعمق انتباهه؛وهو أكثر إنسان مقرّب إليّ، يحدس تفاصيل تجربتي بذكاء لافت. آخذ برأيه كثيرا، حتى تتزن رؤيتي للنص. بل أن هناك مسودات لنصوص نسيتها تماما ثم تنبّهت بفضله إليها؛ أنقذها من سلة المهملات لتوضع بين دفتي كتاب. وآخرها قصيدة رقصة باليه التي لا أعرف متى كتبتها بالضبط، فقد سقطت من شجرة الذاكرة تماما، كثمرة ناضجة مهملة.
ما موقع الخيال والصدق في تجربتك؟
أكيد أنهما جناحي أي تجربة لتحلّق أبعد. ولتنفتح أكثر على المختلف ولتتجاوز نحو رؤية شعرية ماثلة في القلب. ذكاء القلب هو مصدرهما أيضا. بالنسبة لي أجهد حدسيا لملامستهما وتحقّقهما في نصي الشعري. لا أتخيل نصا شعريا متبصّرا بدونهما. خلوه منهما هو خلو من الشعر. ماذا يبقى إذن غير شيء متراص يشبه في الشكل قصيدة.
هل بمستطاعك أن تكتب قصيدة كل يوم؟
لأسبوع أو أكثر لا أكتب شيئا يذكر، أحيانا ولظروف خاصة لشهور؛ أشعر فيها أن وجودي غير متناغم مع سير الحياة وأني مثل زورق مشدودا بحبل إلى ضفة النهر. وأني بحاجة إلى أن أطفو في مياهي الصافية محرّكا مجدافي الكلمات..لأيام أيضا أعمل على مسودة واحدة. أحيانا أكون محظوظا بثلاث قصائد في اليوم، فترة الصباح. أحيانا يصير بوسعي أن أكتب نصا جديدا كل يوم.. هذا يحدث لفترة لا أعرف كيف أسميها … أكون فيها بمزاج جيد. لم يحدث أن كتبت وأنا سيء المزاج في حياتي أبدا. المزاج السيء عدو قصيدتي. وهناك حالة أخرى وهي ناذرة ما تحدث معي ألا وهي وجودي الغريب في لحظة حزن غير عادية؛ حزن هادئ بلا سبب ظاهر، يأتي كموسيقى بعيدة في النفس، أنصت لأعماقي فيها. حزن مثل غيمة تدفعها رياح فرح خفيفة إليّ .
هل سبق لك أن ندمت على قصيدة لم تكتبها بعد أو كتبتها في وقت مضى؟
مسألة الندم هذه مستحيلة بالنسبة لي في الحالتين. لسبب وحيد ربما، هو كوني من جهة لا أستبق نصا أجهله. وأني أتريث ريثما يفاجئني مسار منجزي غير المتوقع. أحب أن أرى نفسي في ممكن لا أفكر فيه الآن. ما أريد أن أكتبه مستقبلا لا يبدو لي على نحو واضح. وهو حتى الآن لا يشبه نصا كتبته أو كتبه غيري. لا يشبه إلا نفسه في عتمته الخاصّة.
ومن جهة ثانية كل نص كتبته هو محاولة جادة للإمساك بالهارب في أعماقي وفي ترجمةٍ إلى لغة تحمل حالته الشعرية؛ قد تكون ترجمة ناقصة. لكن تبقى على كل حال محاولة لا أندم عليها.
العمل الإبداعي
هل فعلا كل قصيدة كتبتها توازي خصلة شعر أبيض في رأسك؟
يوما ما سيسقط ثلج الزمن على رأسي، و لن أعزوه عندها إلى العمل الإبداعي. وإذا تأخر أكثر سيكون ذلك من حظي بالقصيدة، لأني لا أشعر مع الكتابة إلا بحالة أقرب إلى التصوف، وبراحة نفسية كبيرة. ولو أجهدت نفسي أحيانا في مسودة شعر. حتى وإن انصرفت عن مشاغلي الأساسية في حياتي اليومية وهذا يحدث كثيرا.. أفطن أحيانا إلى أني ألعب بكرات النار المنعكسة بسحرها في عيني. فالقصيدة تجعلك إنسانا مختلفا، أو تعمّقه. وبالتالي تفوتك أشياء كثيرة يجهد الآخرون في تحقيقها. ومع ذلك لا أبحث عن المكاسب في الخارج بل أبحث عن المعرفة داخلي. ولا أبحث في الخارج إلا عن ثمارها.
إنّي أحصد يوميا انصرافي إلى شيء مختلف بطريقتين متعاكستين إيجابيا حين يتعلق الأمر بالشعر الذي يتحوّل فيّ إلى سلوك وموقف ورؤية وحالة فيض. وسلبيا بكوني في عالم أو بالأحرى في مجتمع لا يصغي إلى الشعر. مع أني أدركت مبكرا من أكون، وماذا بوسعي أن أقدمه في حياتي هذه. وماهي الخسارات التي عليّ أن أتقبلها. أعرف من هذه الناحية أني سأخسر الكثير ولكن كما قلت يوما بغبطة من يربح أكثر.
دائما أنت تخاف من أن تخذلك يوما الكتابة وتجف قريحتك، لذا تبدو مثل تلميذ مواظب على الحضور، وخوفك من هذا المجهول هل يوازيه خوفك من تساقط شعرك وإصابتك بالصلع؟
لست تلميذا مواظبا على الحضور وأكثر ما أشمئز منه هو أن أصير كذلك؛ وهذا ما لن يحدث أبدا. لأني ألمس في نفسي طبعا متجذرا، لم يتغير منذ طفولتي المبكرة بل تعمّق أكثر. لا أتمشّى إلا وفق مزاجي الخاص. وليس على وتيرة الآخرين أو وتيرة الزمن. متعب ذلك بالنسبة لي. ولن أجيد الحضور بطريقة غير طريقتي. ولا يبدو لي الأمر مغريا بشكل آخر. أنا حاضر من حيث كوني كاتب نصوص شعرية من بين المئات من الكتاب المغاربة. لم أختر ميلي اللافت إلى كتابة الشعر بل سحرتني هي بشكل لا أفهمه حتى الآن. لأنها وصفة مدهشة وعلى مقاسي، هذا ما أزعمه. لا أستطيع أن أكون شيئا آخر غير ما أنا عليه الآن. كوني أكتب لأعرف، لأغوص أكثر، لأفرح بالضوء الآتي من الشعر. قلت يوما أكتب الشعر لأستنير. إنها مسألة تخصني أكثر وشخصية أكثر من الضروري. لم أطلب إذنا من أحد كي أكتب أوّل الأمر. ولم أحط في ذهني إمكانية أن أتوقف عن الكتابة، بهذا المعنى المأساوي الذي أشرت إليه. قد أتوقف لا أدري..عندها ستكون لي أسبابي المقنعة. ربما أكون قد اكتفيت. ولكن ما دام الشعر يتفتّح في نفسه باستمرار و يثير حوله أسئلة، ومادام بعيدا عن وهم الإصطدام بجدار الكون الذي يأبى هذا الأخير إلا أن يكون منفتحا أيضا، وما دمت قادرا على مجاراته في قلقه فسأستمر. لست خائفا مادمت حرّا.
هناك من يوسوس له الشعر كل لحظة بمكر، ويكتب بشراهة، أو بتقتير كأنه يتنفس الهواء من منخر واحد. قد ينشر أولا ينشر ما كتبه. بالنسبة إليك أي طريق توصلك إلى نار الشعر المصفى؟
لأصل إلى نار الشعر المصفى عليّ أن أطرح من ذهني كل شيء تم اكتسابه في حدود شروطه السوسيوثقافية الحالية. أن أنشغل بما هو أهم الشعر الصافي. على أي وتيرة أسير هذا لا يهم. هل أنجح أم لا؟ لا يهم أيضا. هل أنشر أم لا؟ لدي كتابان جديدان لم أنشرهما بعد، ليس لشيء إلا لإكراهات النشر، وأنا أعمل حاليا على مجموعة رابعة. مؤسف، ولكن ليس مؤساويا على كل حال فالمهم أني أتنفس وسط غابة الشعر. أعرف صديقا انتظر عشر سنوات لينشر روايته، إضافة إلى معاناته مع دار النشر المعروفة. وآخرون أيضا يعانون، أتأسف لحالهم؛ خصوصا أولئك الذين يكتبون بذكاء وننتظر قراءة أعمالهم بشغف. هناك إكراهات بموازاة مع العمل الإبداعي، أحاول ألا أضع في ذهني خطين متوازيين الكتابة والنشر، على الأقل هذه الأيام. بل خطا واحدا الكتابة. لأن ضغوطا مثل هذه تفسد عليك حياتك.
هل أنت مقتنع بوجود ضرورة أن يمارس عليك أحد ما وصاية على ما تكتبه، ويحاسبك على أخطائك ويتغاضى على صوابك؟
أنا حر فيما أكتبه..والشعر ينطوي على حرية أكبر. ولن يستطيع أحد أن يكون وصيا على فضاء يتجاوزه. لم أسمع بكاتب عميق وقع في هذا الموقف الغريب. قد تمنع بعض كتبه، وتحرق أخرى في ظل استخفاف بحرية التعبير، قد ينفى إلى مكان آخر وهذا حصل ويحصل وأتمنى ألا يحصل مستقبلا. أن تكتب تحت الوصاية ليس من أخلاقية المبدع الذي يحترم شغله ودوره الفاعل والمؤثر في العالم.
بالنسبة للشق الثاني من سؤالك فإن الذي يجوز قوله هو أن يستنطق مجهودك ويخضعه لقراءة واعية متبصّرة، وهنا لن تكون النتيجة سلبية أبدا حتى لو بدا نصك بين يديه مثل سلة قصب كان المأمول فيها أن تحمل الماء. أما أن يحاسبك على أخطائك، فلا أخطاء هنا على الإطلاق. بل هي محاولات فنيّة يجب أن تحاط بالإهتمام والتقدير. لا يمكن أن نقول عن أولئك الذين اختبروا في المراحل الأولى أو الأخيرة تجربة الطيران، أن تحطم طائراتهم أخطاء يجب أن يحاسبوا عليها. فما بالك بموضوعنا، كل تجربة شعرية هي محاولة فنية وفلسفية وجودية إذا جاز التعبير، وستظل كذلك، وهذه المسألة مسألة حتمية لا تحتمل رأيا آخر. وإلا لاكتفينا ببعض التجارب الشعرية.. لا يمكن لبولندا أن تكتفي بشيمبورسكا، ولا لفلسطين أن تكتفي بدرويش. ولا العراق ببدر شاكر السياب. سيترك هؤلاء فراغا شاسعا وأسئلة شعرية على آخرين أن يستولدوها، ويحاولوا إيجاد أجوبتهم الإشكالية في فن الشعر. إذن من كان هؤلاء الكبار؟ أعتقد أنهم محاولين كبار.
أما مسألة أن يتغاضى البعض عن نجاحاتي، فلست مسئولا عن نية الآخر. وهو حر في أن يغمض عينيه أو يبقيهما مفتوحتين، لن يزيد ذلك في عملي أو ينتقص منه.
المناخات الأخرى
شهد العالم العربي تغييرا في أنظمته، هل تنتظر مثل هذا التغيير والثورات في الثقافة والإبداع، وهل سيطول موعد تحقيق ذلك؟
حدث ما كان متوقعا في توقيت لم نتوقعه، أعني بذلك التغييرات التي وقعت في العالم العربي. وجدت الشعوب طريقها إلى الحرية التي كانت مفتقدة ردحا من الزمن. فطنت الشعوب إلى أنها هي سيدة نفسها ومصيرها وثرواتها..وهذا سينعكس بطريقة أو بأخرى على كل المناخات الأخرى بما فيها مناخ الحياة الثقافية بدرجة تقل أو تزيد حسب إستعدادات وخلفيات كل بلد. ومادمت تساءلت عن ثورة في الثقافة فضمنيا هناك إشارة إلى وجود سلطة، أو بوليس ثقافي كما يسميه البعض. أو حراس الثقافة. في المغرب الأمر معقد. يصعب قول أننا أمام سلطة، بل أمام بعض الكتاب الذين يريدون أن يكونوا وجه الثقافة الوحيد، مكياجها الذائب. وأعتقد أن الماكياج يفضح. وبالمقابل هناك من يشتغلون في حقل الثقافة ومؤسساتها أبعد عن أن أصفهم بذلك.
ما أنتظره هو أن تتقلص بعض السلوكيات، وفي أن تتغير بعض الذهنيات، وأن يتم الإنصات للتجارب المختلفة. نحلم بمغرب ثقافي كبير، متعدّد الروافد. لا أريد أن أكون الشاعر المغربي الوحيد،الذي يقرأ شعره في كل مكان. ويعمل لاستغلال فرص النشر المتاحة.. لست أنانيا ولن أكون كذلك، ولا أنظر إلى الشعر من ثقب صغير. نحلم بفضاء يتسع للجميع، يتسع للشعر الذي لا يمكن أن يرى بعيون ضيقة. أن نحب الشعر وأن نعمّق تفاصيله الجميلة في كل ركن وزاوية من حياتنا كشعب متحضر. هناك مقاعد كافية لجميع الكتاب والشعراء الذين ننتظر منهم كل العطاء المثمر، بمن فيهم جيل الشباب الذي يعد بالكثير، لكن نحن من يكتفي بمقاعد أقل في مسرح الشعر الشاسع. لن يطول موعد تحقيق ذلك إذا تكاثفت الجهود المستنيرة، من أجل مغرب ثقافي متضامن وقويّ. والكل يتحمّل هذه المسئولية، الشباب والكبار. هناك مؤشرات على هذا التغيير، وربما حسب ما أعلم أن بيت الشعر في المغرب بدأ يراهن في الأخير على جانب مهم من هذا التحدي مستقبلا مع باقي الشركاء. وأتمنى أن لا تبقى الأمور مجرد وعود. لدينا في المغرب مؤسستين ثقافيتين هامتين، إضافة إلى وزارة الثقافة حيث تقع نسبة كبيرة من هذه المسئولية.
هل من الضروري أن تكون منتميا إلى مؤسسة ثقافية للأدباء..هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك من يرى أن الشاعر قد يضيّع عمره كله ولا ينال الإعتراف، بالنسبة لك هل نلت هذا الإعتراف إلى هذه الساعة وماذا أضاف لك؟
ليس ضروريا، وأنت حرّ. ممكن أن تنظم ولك أن تستقيل، أو لا تقبل أساسا الإنضمام. ولن يكون انتماؤك امتيازا أو شرفا، والعكس يكون صحيحا أيضا، إلا في حالة بعض المواقف التي يجب فيها أن تكون مع المبادئ التي آمنت بها والتي لم تعد تتماشى مع سير المؤسسة.
أما بخصوص الإعتراف فعن أي اعتراف نتحدث؟ هناك كثير من الكتاب والشعراء نالوا شرفا زائفا واعترافا لم يكن في محله في حياتهم لظروف معقدة. والآن لا أحد يعرف حتى في ماذا كانوا يهيمون. وهناك مبدعون حقيقيون لم يكن يذكرهم أحد، الآن يومضون ومضات حادة وبعيدة في الزمن، وستستمر بالتأكيد.
نسقط في هذا الإرتباك حسب رأيي عندما تكون الحياة الثقافية فاسدة، مغلقة، ومتخلّفة، ومقولبة، وموّجهة.
حين يتعلق الأمر بي كشاعر يثابر من أجل نص، وأرى أني أخطو خطوات تثمر أعمالا، أكتفي بذلك. وإن شعرت أحيانا بالتجاهل، وأحيانا أخرى بالإعتراف الضمني. لا مشكلة لديّ ما دمت لن أقدم بإيعاز من طبعي على تسويق نفسي بطريقة لا تليق بي. يكفيني ما يمنحه لي الشعر. أن يكلّلني الشعر ربما هذا أفضل تتويج يمكن أن أحصل عليه. مازال الشعر يمنحني الكثير، وأنا وفيّ له ومدين له بهذه الحياة الكبيرة.
/4/2012 Issue 4179 – Date 21 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4179 التاريخ 21»4»2012
AZP09
























