المغازلة الأمريكية للعرب وإيران – مقالات – حُسام كصاي

المغازلة الأمريكية للعرب وإيران – مقالات – حُسام كصاي

 ندرك جيداً إنْ ستراتيجية السياسة الأمريكية إزاء العالم تتمتع بمرونة عالية في التعامل مع القضايا التي تواجهها؛ “أو يعتقد أنها قد تُهدد مصالحها في المنطقة والعالم”، وإنها سياسة تتسم بتباين المواقف، والتصريحات، ولا تمتلك نسقا واحدا في التعامل مع مجريات الأحداث التي تضرب أجزاء المنطقة العربية والإسلامية طولاً وعرضاً، وإنما تتعامل وفق منطق “الأتجاهات المتعددة”؛ وهو ما لمسناه بالأمس القريب مما يُسمى بدول “الفورات” و”الثورات العربية”، والتي أتسم فيه الموقف الأمريكي بالمرونة، والتباين؛ بمعنى إنْ التردد والتذبذب في المواقف الامريكية هو النسق والسمة التي سياساتها الخارجية في اتخاذ المواقف الحاسمة من دول المنطقة على وجه التعميم؛ فكان الموقف مختلف من سوريا عنه في ليبيا، وعنه في البحرين، بمعنى إنْ السياسة الأمريكية  _ كما هو المعهود عنها _ تتمتع بسياسة إزدواجية المعايير، ليس لديها نسق ثابت، أو برنامج مستقيم ومُحدد، إينما كانت مصلحتها كان اهتمامها، والعكس صحيح تماماً.  فالموقف الأمريكي إزاء ما يجري في العراق وسوريا أتسم بمغازلة الولايات المتحدة الأمريكية لجمهورية إيران الإسلامية، وإرضاء لرغباتها، ورداً للمعروف الذي بذلته بكونها “شرطي الخليج الجديد”، الذي إستطاع أنْ يُعرقل مسيرة العرب، ويثبط مشاريعهم التنموية، وفق سياقات “الضد النوعي” الديني بإعتبارهما دولٍ إسلامية (عربية وفارسية) يربطها عامل الإسلام، مما يبعد الشكوك والنيات السيئية التي تخفيها الولايات المتحدة للمنطقة، ويزيد من حظوظ إبقاء العرب تحت طائلة الوصاية والتبعية والتخلف، فسعى “البعبع الأمريكي” إلى ملاطفة الجارة الإسلامية للعرب (إيران) فعاضدها وأتاح لها فرصة التوغل في “العمق الستراتيجي العربي” وهو ما بان جلياً في الحرب على “داعش” في العراق وسوريا، والدور المميز لإيران في قمع موجة التطرّف والإرهاب هناك وتجفيف منابع داعش والتنظيمات الإرهابية بمباركة إيرانية واضحة وجلية، وأكثر فاليوم تقود الولايات المتحدة تحالفاً دولياً عريضاً إلى جانب إيران من أجل تحرير تكريت والموصل في العراق من قبضة داعش، ليس حباً بالعراق، وإنما مغازلة لإيران، في حين تعتزم الولايات المتحدة بالوقت نفسه لقيادة تحالف دولي أخر، من نوع أخر، _ موازياً أو مناقضاً للموقف إزاء إيران _؛ ومن أجل سياسات أخرى؛ _ ومكاسب متشابهة في كلا الحالتين _؛ وهو التحالف الدولي لقيادة عملية “عاصفة الحزم” التي تقودها دول عربية كالـ “السعودية، الإمارات، الكويت، مصر، عمان، السودان، والأردن” وأخرى إسلامية كالـ “باكستان وتركيا” وأخرى أجنبية كـ “السنغال وغانا” في الحملة العسكرية من أجل استعادة الشرعية للسلطة اليمنية من قبضة الحوثين.  هنا نحن نقف إزاء إعتبارين مختلفين بشأن التدخل الدولي (الأمريكي إذا جاز التعبير)، بين موقف مناهض لداعش (تطرّف إسلامي) في العراق وسوريا، وموقف متباين أخر إزاء قمع التدخل الحوثي (تطرّف إسلامي) في السلطة اليمنية، وما ترتب عليه من تطورات دولية واقليمية بالغة الخطورة ليس على السلم الأهلي المحلي فحسب، وإنما على الأمن القومي العربي والإقليمي برمته.  فالمعلوم وفق التحليل السايكولوجي للنزعة الأمريكية هو إنْ الولايات المتحدة لا يدفعها عامل الإنسانية أو الوازع الأخلاقي لتلافي الإستقرار العالمي وإتلاف “بيضة” القيم العليا للمجتمعات “الثالثية”، بقدر ما يحرك أساطيلها وجيوشها ومشاعرها، وتكتيكها الدبلوماسي والعسكري هو “عامل المصلحة” أو “المنفعة” من تلك الإضطرابات التي تتفرخ في المفقس العربي والإسلامي، فهي التي دعت كل مُتطرّفي العالم وإرهابي التشد و”الرّهاب الإسلامي” الديني من عرب ومسلمين للحضور في ساحات القتال في العالم العربي، على شرف داعش وجماعات التطرّف، وتسهيل مهمات إستصدار جوازات سفر لهم، ونقلهم للعراق وسوريا واليمن وصر وليبيا وتونس والمغرب من أجل إنقاذ المجتمع الغربي من وباءهم وخطرهم، وقتلهم في العراق بنفس المؤامرة، وهو ما بان جليا عن إيضاح صور التقارب الأمريكي مع الجماعات الإرهابية، ودعمها اللوجستي والأستخباراتي لتلك الجماعات، فهي _ أي الولايات المتحدة _ تلعب على الحبلين، وتتناغم مع كل المقطوعات الموسيقية، لم يزعجها لحنٍ، أو تستصعب لنقلة أو لتونة موسيقية؛ وإنما تمتلك ديناميكية عالية الدقة في العزف والتناغم مع المقطوعة الموسيقية الداعشية، والمقطوعة الموسيقية الحوثية حتى، فالغرب وأمريكا لا يميزون بين أي صنف أو نوع من التطرّف العربي أو الإسلامي، فعندهم كل العرب إرهابيين وإن لم ينتموا للجماعات المتشددة، وكل المسلمين متطرفين، فهم يتعاملون معنا كـ “إسلام جملةٍ واحدة”، وكل عربي ومسلم هو إرهابي بالضرورة وفق الرؤية الغربية الأورو _ أمريكية؛ لذلك هم هاجموا داعش من أجل إرضاء سواد عيون إيران التي حافظت وتحافظ على مصالحهم في المنطقة، وتقف اليوم لتعاضد الدول العربية في عملية “عاصفة الحزم” ضد الحوثين من أجل سواد عيون العرب؛ (السعودية والإمارات تحديداً)؛ وإطفاء لرغباتهم، ورداً لجميلهم المتمثل في حماية المصالح الأمريكية في المنطقة؛ كون اليمن تُمثل اليوم النافذة الوحيدة لدول الخليج حيال العالم؛ ومن خلالها تنم التجارة الخليجية معه، وسيطرة إيران عليها سوف يُهدد المصالح السعودية والخليجية بشكلٍ عام، والعربية بالشكل الأعم (أو الأكثر تعميماً)، فكان لزماً على العرب التوّحد هذه المره وتشكيل حلف أو قوة مشتركة لردع إيران وإرسال رسالة نصية مفادها: “قد بلغ السيل الزُبى”، وهو ما يكشف مخطط خطير، ولعبة طال تمثيل أدوارها عرباً ومسلمين، فمنذ عقود تلت والعرب ينادون بالقدس وتحرير فلسطين، والمسلمين يرفعون شعارات تحرير القدس من قبضة الصهيوينة، لكن ما حدث فعلاً وبعيداً عن منطق  الشعارات والهتافات المزيفة.  فإيران التي ترفع شعارها الديني بتحرير القدس، هي اليوم على خط التماس مع الكيان الصهيوني في سوريا ولبنان، فأين هي من حربها مع الصهيونية لم نلمس ذلك على أرض الواقع، والسعودية ومصر والدول العربية هي الأخرى تنادي بالقدس وتدعو لتحرير فلسطين لكنها إنتهت اليوم إلى الهجوم على اليمن، فلم تعد فلسطين إلا مجرد نقطة يحاول الكثير الإسلامي والعربي من أجل توظيفها لتحقيق غايات سياسية على المستوى المحلي والقُطري، حتى أصبح فلسطين كلمة حق يُراد بها باطل!!

    أذن ما تقدمة الولايات المتحدة اليوم على طرفي الصراع، هو يندرج تحت لافتة “المغازلة الدبلوماسية” لإيران في سوريا ولبنان والعراق؛ ومغازلة من نفس النوع للسعودية ومشايخ الخليج ومصر في اليمن؛ فالولايات المتحدة لا تريد أنْ تفقد أي طرف عربي أو إسلامي في المنطقة، لأنهم جميعاً يقدمون لها خدمات جلية وطاعة عمياء ويوفرون لها مناخاً رحباً للتحرك بتكتيكأستراتيجي لمراقبة ومتابعة مصالحها بشرعية (أو شرعنة) دولية وتوافقات قُطرّية؛ وكل دولة تقدم وظيفتها للولايات امتحدة على أتم الوجه، وليس هذا فحسب، بل حتى الجماعات الإسلامية الراديكالية اليوم بدت تقدم خدمات كبيرة للولايات المتحدة تعجز عن تقديمها النظم والدويلات “الجملكية” العربية الحاكمة؛ ومن هنا أصبحت المغازلة الأمريكية للعرب وإيران لا تخرج عن تحقيق غايتين الأولى تحقيق أو حماية مصالحها، وضمان التفوق الصهيوني في المنطقة، والثانية مرتبطة بالأولى ألأ وهي ضرب المسلمين فيما بينهم تحت عنوان حرب “الإسلام ضد الإسلام” التي يتفدى بها ويتذرع لها حركات الإسلام السياسي الراديكالي المتطرّف على شتى مسمياتهما وعناوينها.