المخاطرة – حيدر علي الجبوري

المخاطرة – حيدر علي الجبوري

الكاميرة قد سجّلت كل شيء، وكنتُ أرى نفسي بطل الفوضى، لقد كان الأمر لا يستحق ، ولكني ، على أية حال لست ملاماً . كنت أنيقاً ، و أبدو رياضياً ، أعدتُ عشرات المرات المقطع المصوَّر الذي شاهده كل العالم . استغربُ من الكثيرين ممن وصفوني بالغبي ، وتصرّفي طائش . أحدهم كتب معتقداً بأني قد شربت أكثر من اللازم، غير أنني لم أفهم ما كان يعنيه بالضبط ، لقد شربت الكثير من الماء قبل  مغادرتي الدار . هل يقصد بأني شربت مسكراً ؟ تباً له . أنا لا أفعل ذلك ، سأحاول الاستفسار منه عمّا كان يعنيه . آخرٌ كتب قهقهةً طويلةً باللغة العربية . أحدهم كتب بلغةٍ لم أعرفها مطلقاً ، و الترجمة كانت رديئة وتقول إنّ الشارع فيه مُعجّنات كثيرة يقاتل الجنود في المتنزه . لا يهم . آلاف يمرّون على المقطع المصوّر الذي ظهرتُ فيه وكنتُ بطله بلا منازع . حينما قررت عبور الشارع السريع وتجربة الخطر ، فقد قرأتُ منشوراً لصديق لي يقول أنّ الحياة بلا مخاطرة لا يمكن احتسابها حياة . والحقيقة أنّي كنت متقاعساً، و أشعر بوجع في قدمي مما دفعني لأبرر عدم استخدام جسر المشاة و تجربة الخطر . في البداية ، قفزتُ من حاجز إسمنتي صلب ارتفاعه نصف متر كان يفصل بيني وبين الشارع الذي تمر فيه السيارات كالصواريخ . حدّقت إلى يميني ، إلى شمالي والذي كانت فيه السيارة تبعد أكثر من مئة متر ،إنّها مسافة جيدة لأفكّر ، لأقرّر العبور والاستمتاع بلحظة الخطر . فكّرت ، قررت ثم اتجهت نحو الجهة الأخرى ، في أول مترين ، وجدتُ السيارة المسرعة تبعد أمتار قليلة عني ، تطلق منبهّها ، رأيت السائق وقد امتلأت مساحة وجهه غضبا، الفرامل كانت تصرخ حتى أنها أدارت السيارة بكاملها نحو الحاجز الأسمنتي و أردتْ أحد جانبيها بالحاجز . ما فاجأني إنّ سيارة ركّاب صغيرة كانت قد باغتها الحادث، و حطّمت الجانب الآخر للسيارة الأولى . كان مشهداً سينمائي ؛ جرحى ، حطام كثير ، أناس أتوا من كل مكان ، وأنا أتابع الحدث منذ لحظته الأولى ، اللحظة التي حاولت الهروب فيها وترك كل شيء يضرب بعضه ببعضه ، غير أني ولسبب أجهله بقيت أتابع حتى اللحظة الأخيرة ، بعد أن تم إسعاف المصابين و إخلاء السيارتين المتضررين وتنظيف المكان وعودة الأحوال إلى ما قبل الحادث ، لأكمل طريقي عبر الجسر كي لا أتعرّض لحادثٍ مماثل قد لا أنجو منه مرة أخرى. في التعليقات الكثيرة التي كنت اقرأها، والتي كانت متضاربة ومختلفة مع بعضها. لفت انتباهي تعليقٌ لم أفهم قصد كاتبه قال فيه؛ إنّ فوضى العالم يسببها الأغبياء. تُرى من كان يقصد ؟ ما أكثر المُسيئين في عوالم التواصل !  تباً له إذا كان يعنيني بكلامه …