قصة قصيرة
المحطة الأخيرة
منتصف ليلة شتوية من 2006 بردها يسري في العظام، وممرات المستشفى الخاوية تردد صدى وقع قدميهما العجولتين وموظف استعلامات يسبقهما للطبيب الخفر.
في صبيحة ذاك اليوم وقبل توجهه لموقف عمال البناء المستأجرين نبهته زوجته للمرة الأولى بأن حرارته كانت لا تنفك ترتفع ليلاً منذ يومين متتالين، واليوم ظهر تورم حول جفنيه ووجنتيه، تأمل عينيه الواسعتين والهادئتين وخاطبهما بنبرة حزينة: (أهكذا.. فعل المرض بكما)، ثم هز رأسه: (سأحاول الرجوع مبكراً).
عاد على نحو الرابعة عصراً وارتدى بعجالة معطفاً فوق ملابس عمله وأنطلق مسرعاً، وبدا على الطبيب الكثير من الوجل للتورم خلف الأذنين، فسأله:-
– كم عمره؟
– ثلاثة أعوام وخمسة أيام وثلاث عشرة ساعة.
ابتسم الطبيب، وسأله:-
– ماذا يكون لك..؟
– ابني.
– آخر العنقود.؟
– بل هو الأول.
تأمله بنظرة تعجب:-
– وكم عمرك أنت..؟
– أتممت الواحد والخمسين.. كان زواجي متأخراً يادكتور.
– سجلت مسكنات، ولكني بحاجة لتحليل عينة دم، جئني بها غداً.
حينما خرج مغادراً شيعه الطبيب بنظرة مواساة، قال بحزن: (مسكين هذا الرجل بأي غيب كانت تختبئ مأساته).
كان الظلام قد أسدل ثوبه وبدت الشوارع مقفرة وكئيبة، ولدى وصوله لمنزله المتواضع والمشيد ببقايا “طوب” تركت جدرانه عارية، وجد زوجته وأمه بانتظاره.
استلقى بجانبه، كانت بقايا مواد البناء لا تزال بين أظفاره، فنام متعباً وبعمق، حتى استيقظ على صراخه فزعاً، رآه يسير في الغرفة مترنحاً وتقيأ ما كان بجوفه.
حضنه بشدة، كانت حرارته مستعرة، والساعة تجاوزت الحادية عشرة، وانطلق مسرعاً عبر الباب الخارجي المتهالك المصنوع من صفائح السمن النباتي، وتمثلت أمامه الأزقة المعتمة المشبعة بنعيب بوم متقطع وكأنها منازل أشباح.
وبدا مجرد التفكير بالانتقال لمنزل المضمد الصحي في الجانب الآخر من الحي مع صغيره ضرباً من المخاطرة المميتة برصاصة أمريكية ربما..أو صيداً سميناً لطرفي النزاع الطويل والأبدي والمرير للأخوة الأعداء.
وبعد نداءات متتالية استقبله المضمد الصحي وجلاً، وقال بعد أن حقنه بإبرة خافضة: (يجب نقله للمستشفى)، مد يده بجيب بنطلونه الخلفي، لم يجد داخل محفظته المتهرئة سوى نصف المبلغ، فقال بين دموعه: (سأمر لاحقاً.. وأنقدك ما تبقى)، انحرف بمسيره هذه المرة يساراً، وطرق باباً جانبياً، تأمله جاره متوجساً من فتحة الباب الضيقة.
– ابني مريض بشدة وبحاجة للذهاب للمستشفى.. أريدك أن تقلنا بسيارتك.
– صرنا بساعات حظر التجوال..انتظر للغد.
– قد يكون الوقت فات حينها.
– أعذرني..
حضن ولده راجعاً، كان الهواء البارد يضرب وجهه، لم يشعر طوال حياته بمثل هذا العجز، فقال يحدثه: (كل ذنبك أني كنت والدك)، سالت الدموع على وجنتيه غزيرة، جففهما بكمه حينما صار قريباً من منزله، وجد أمه زوجته وأمه المسنة بانتظاره:-
– صليا لأجله..حالته حرجه.
خنقته العبرة فبكى مرة أخرى دون تمكنه من لجم عينيه، قالت زوجته:-
– لا عليك..لدي شعور بأنه سيجتازها.
تناهى إليهم منبه سيارة مرتفع كان جاره وفوق عينيه نظرة اعتذار: (أصعد بسرعة سأقلكما)، قبل جاره من جبينه، وفيما كان يهم بالخروج، قالت زوجته: (أنتظر سأرافقك).
تحركت المركبة بوجل بين الأزقة المغلفة بالصمت، حتى وصولها للشارع الإسفلتي الرئيس، فأطلقت العجلات عنانها مسرعة، لكن مالبث إيقاعهم بالتباطؤ خلف دورية أمريكية كانوا يسايرونهم طردياً حتى استداراتهم للشارع المقابل أخيراً.
وفي المدخل الأول للمدينة استوقفهم جندي يقف متدثراً بمعطفه العسكري خلف كتلة خرسانية، وبدت له غرابة ليلته الشتوية وهيئة الرجل الرثة بالمقعد الأمامي ما جعله يقرر بإلهام غريب بمرورهم، لكنه أستدرك صائحاً: (لن يسمحوا لكم باجتياز “النقطة” القادمة).
قال السائق بتنهد: (نحن على مسافة نصف ساعة)، وما كاد يتم جملته حتى صم أذانهم صوت طويل: (قـف مكانك)، وأزيز إطلاقات نارية فوقهم، كان مصدرها نقطة تفتيش عسكرية، بلع السائق ريقه وقال بصوت متحجر: (والآن ماعسانا فاعلين).
كان واضحاً لهم وإن كانوا في الظلمة بأن الجنود تترسوا خلف العوارض الكونكريتية واتخذوا وضعية الهجوم، أمروهم بالترجل، فقال بصوت عالي:-
– طفلي بحالة حرجة.
– هل أنتم مجانين.. نحن بساعات حظر التجوال.
أشار له أحدهم بالتقدم، وتفحصه عن بعد بمصباح يدوي، وسأل: (ما مشكلته..؟)، قال وهو يشير لوجهه: (وجهه متورم وحرارته مرتفعه)، تمعن في الطفل، وعاود مشاورة البقية:-
– تستطيعون المرور.. سننادي بشأنكم النقطة التالية.
استقبلهم موظف الاستعلامات وهرول أمامهم في الممرات المقفرة، كانت ممرضة أربعينية مناوبة قد استيقظت على جلبتهم.
تناولت الطفل وسبقتهم لغرفة جانبية وعملت له (كمادة)، بعد لحظات وافاهم الطبيب الشاب، قال للممرضة بعد سحبه المحرار من تحت لسانه: (حرارته مرتفعة، أعطيه كبسولة خافضة)، ومن معصمه الصغير أخذ يعد ضربات قلبه الطفولية على ساعته اليدوية، وشوش شيء بأذن الممرضة، فتابعهما بعينين قلقتين.
– طمني يادكتور..هل سيكون بخير.
تأمله الطبيب بنظرة شفقة، وابتسم له مشجعاً: (في الغد سنحاول الوقوف على حالته)، وضعت الممرضة كيسأ مغذياً في أعلى الحامل المعدني، وأبلغتهم أنها ستكون بالغرفة المجاورة إن احتاجوها.
سحب كرسياً وجلس عند رأسه، وطبع قبلة على جبينه، فقال بألم، مخاطباً السماء: (يا ليت وجعك كان فيَّ أنا.. يا ليت أفديك بعمري)، بكى وعض سبابته اليمنى بقوة، وضعت يدها على رأسه: (كان يومك شاقاً نم قليلاً، وسأكون بجواره).
أرجع بجسده على الكرسي البلاستيكي وأغمض عينيه المتعبتين فتسربت من أحدهما دمعة سبحت على وجنته اليمنى، غطته بشرشف خفيف، ومسحت دمعته بإبهامها.
فجأة استيقظ على صراخها: (امرأتان متشحتان بالسواد قامتا بخطفه)، هرول حيث اشارتها كانت ممرات المستشفى ساكنة دونهما فتخطى بأثرهما المستحيل للشارع المغطى بكتل ضبابية كان يجتازها وسط لهاثه وانبعاث البخار من تنفسه المتلاحق.
خيل أليه إنهما كانتا أمامه ثم اختفيتا بكتلة ضباب عظيمة، عندما دخل بعمقها وقف مشدوهاً أمام محطة قطار كان منظرها العجيب يترك في النفس رهبة.
تقدم ببطء من حارسين كانا يقفان على المدخل، كانا بوجوه بيضاء ولحى شديدة السواد قصيرة، وفوق عينيهما القاسيتين حواجب غليظة معقودة.
كانا متشابهين على نحو غريب في ملامحهما وبهيئة لباسهما بنطلون وسترة زرقاء سميكتان، تأملاه بنظرة استغراب، وخاطبه أحدهما بخشونة: (عد أدراجك.. غير مرخص لك بالمرور).
حضر شيخ سبعيني بلحية بيضاء طويلة مسترسلة ووجه أبيض كالبدر وعينان حادتان لكنهما
لا تخلوان من رأفة، تأمله هو الآخر بنظرة استغراب طويلة.
– كيف وصلت إلى هنا..
– أرجوك يا أبتِ..أبحث عن طفل خطفته غريبتان.
نظر نحوه مطولاً، ثم أشار للحرس علامة الموافقة لدخوله، لكنه نبهه بجملة عميقة: (حذار أن تتأخر فكلما طال بقاؤك صار من الصعوبة عودتك).
وجد قاعة انتظار مكتظة بأناس عديدين وجوههم مصفرة، وكلٌ منهم ينتظر دوره بقائمة أسماء يرددها “ناطور” خلف واجهة من الكرستال.
أخذ يبحث في الوجوه التي كانت تبادله نظرات الاستغراب، شيء آخر آثار انتباهه فقد كان الجو يعبق برائحة الكافور، سأله أحدهم: (لا تنتمي لهذا المكان).
كان شاب على الخامسة والعشرين حنطي البشرة بلحية وشارب خفيفين، تعلو وجهه ابتسامة هادئة، أشار بالجلوس بجانبه على مقعد خشبي طويل.
– أبحث عن امرأتين متشحتين بالسواد خطفتا ولدي.
صمت الشاب للحظات ونظر يميناً وشمالاً وهمس في أذنه:-
– هذه المحطة للمغادرة فقط والداخلون إليها لا يقدر لهم الرجوع مطلقاً.
– وأنت ما قصتك؟.. كيف استقدمت لهذا المكان؟
– كنت بمحطة للوقود عندما اقتادتني ميلشيا موت سوداء وزرعوا في عنقي ثقباً كان جواز مروري، لكنني سعيد برغم كل شيء، عدا أني تركت خلفي بنتين وولدين اشتقت لهما كثيراً.
قاطع حديثهما شابان كانا أخوة يجلسان على يمينهما: (ما يقوله صحيح.. فإذا كان ولدك قد قطع له تذكرة الرحيل فأنصحك بالمغادر سريعاً، قبل أن تغلق المحطة أبوابها نهائياً)، استدار نحوهما:-
– وأنتما ما قصتكما..؟
– كنا نسير معاً ذات ظهيرة في شوارع العاصمة فاستوقفتنا زمرة مسلحة، حينما فرقوا بيننا للمسألة، أدعى كل منا أنه ينتمي لطائفة مختلفة عن الأخرى، بعد يومين وجدتنا أمنا نائمين معاً في قبو المستشفى البارد.
شاهد امرأة تجلس وحيدة ملتحفة بعباءتها وعلى رأسها ضماداً مدمياً، وفي كل مكان كان يشاهد وجوهاً مهشمة وأطرافاً مقطعة وجماجم مثقوبة وأجساداً مجهولة الهوية تنضح رائحة بارود ممزوجة بنكهات مختلفة ومتنوعة.
وغير بعيد مجموعة صبيات دون السادسة مرسومة على وجوههن الطفولية المصفرة آثار شظايا مدمية لكنهن منشغلات بلعبة دفع حجر بقدم واحدة داخل مربعات مرسومة على الأرض، وقد نادى “الناطور” عليهن دفعة واحدة، وقد داعبهن فوق خدودهن وأشار لهن الجلوس في هذه الجناح من القطار ليتممن لعبتهن.
ما لبث أن نادى على شخص آخر كان وجهه مزرقاً ورائحته كريهة تزكم الأنوف، حينما وقف أمام “الناطور” قال له: (بئس الروح الخبيثة، كم من الجرائم اقترفت أيها الآثم)، قال الرجل يدافع عن نفسه:-
– أنا..لم أفعل..لم أفعل شيئاً.
أصابته رجفة شديدة وانفرجت كفه اليسرى حتى أصبحت كفم يتحدث بطلاقة عن أكثر أعماله المخبأة دون شهود كثر، فأشار الناطور لمجموعة من الحرس: (قيدوه)، فوضعت في أقدامه قيود كأنها سرابيل من قطران.
كان مأخوذاً بالمشهد حينما لمح المرأتين وعلى كتف أحدهما ينام طفله مسجياً، هجم نحوهما في هرج وتجاذب كبير، حتى وقف الشيخ المهيب بينهم ذاته، تطلع فيه بعينين متوسلتين: (يا أبتِ.. هؤلاء النسوة خطفن ولدي)، فردت إحداهن:-
– بطاقة مغادرته قد قطعت سيدي.
ربت الشيخ على كتفه:-
– لا فائدة مما تعمل يا بني عُد أدراجك، فهنالك مقعد شاغر ينتظره.
بقي صامتاً للحظة بدت أبدية، فقال بكلمات جليدية: (أنا سأشغله عنه)، كانت زوجته تنتظره خارجاً، فأوصاها وهو يسلمه لصدرها:-
– أخبريه يوماً.. بأني عشت ماضياً وحاضراً مؤلماً، فعسى يكون مستقبله أوفر حظاً.
في التاسعة صباحاً كان لا يزال متدثراً بشرشفه الخفيف على مقعده البلاستيكي، وقفت أمامه وضحكة عريضة مرسومة على شفتيها:-
– حبيبي، طمأنني الطبيب بأن “إبراهيم” سيكون بخير.
لم يرد عليها، بل كان مكتفياً بابتسامة متصلبة على شفتيه، ورأس متدلٍ على كتفه الأيمن، وجسداً موغلاً ببرودة أبدية.
عامر العيثاوي – بغداد
























