المبعوث البريطاني السابق الخاص في العراق سير جيرمي غرينستوك
أسلحة الدمار العراقية كانت نقطة تحول كبيرة في ثقة الشعوب بحكوماتها
اميليا سميث
ترجمة ــ سناء عبد الله
ترجمة لمقابلة أجرتها مراسلة موقع ميدل ايست مونيتور المعني بشؤون الشرق الأوسط، اميليا سميث، بتاريخ 9 أيلول الجاري، مع مبعوث بريطانيا السابق الى العراق وسفيرها السابق لدى الامم المتحدة، سير جيريمي غرينستوك، والذي تحدث فيها عن الشأن السوري وعن رؤيته للمستقبل معتبرا أن المعارضة التي لقيتها الدعوة لضربة عسكرية لسوريا نابعة من قصة العراق ، مضيفا بأن الشعوب لم تعد تثق بحكوماتها بسبب ما حدث في العراق، ولكنه نوه الى أن الحدود التي رسمها السياسيون في القرن العشرين يجب أن تتغير لان البلدان لم تعد تتحمل الصراعات العرقية السائدة في فيها، كما قال بأن النزاع في سوريا يجب أن يستنفذ نفسه .. مطالبا بضرورة التحدث مع الايرانيين.
قبل نحو اسبوعين، كان العالم يترقب قيام الولايات المتحدة بضربات عسكرية ضد سوريا. وقد بدا، لبعض الوقت، أن القوة العظمى وحليفاتها كانوا يقتربون رويدا رويدا من التدخل العسكري في سوريا في أعقاب الهجوم الكيماوي على دمشق الذي تسبب في مقتل أكثر من ألف مواطن. ولكن، في الحادي والثلاثين من آب»أغسطس، فاجأ الرئيس الأمريكي باراك أوباما الأمة من حديقة البيت الأبيض موضحا بأن عليه قبل أن يبدأ تدخله العسكري أن يطلب أولا موافقة الكونغرس. في هذا السياق، علق سير جيرمي غرينستوك، المبعوث البريطاني الخاص السابق الى العراق 2003 2004، عندما سألتُه عن سبب تغيير أوباما رأيه، قائلا قد يكون ذلك بسبب ما شاهده من تداعيات قصة العراق، ورغبته بأن يكون أكثر حذرا بشأن جر الشعب الأمريكي معه الى أي قرار يتخذه لأن الأمر سيعني له الكثير.. وهو محق بذلك . لقد التقينا بالسير غرينستوك بعد مضي اسبوع على التصويت في مجلس العموم البريطاني، بعد أن رفض المجلس المذكور العمل العسكري ضد النظام السوري، وهو القرار الذي يقول عنه غرينستوك بأن جذوره تكمن في قصة العراق. ويضيف المبعوث السابق قائلا في ضوء التجربة التي مرّ بها أعضاء مجلس العموم خلال جميع النزاعات الأخيرة، ربما عدا صربيا وسيراليون، وكوسوفو الى حد ما، فقد اتضح أن الأمور في افغانستان والعراق وليبيا، جميعها، كانت صعبة بل أكثر سوءا للقوات البريطانية . فمن جهة، يعتقد غرينستوك بأن اتخاذ اجراء محدد بشأن الأسلحة الكيماوية يجعل من الصعوبة بمكان وقف أعمال القتل بشكل عام، كما أنه يجعل الشعوب متشككة من نوايا الحكومة. ويمضي قائلا كان الرئيس الفرنسي هولاند يحاول تبرير فكرة العمل العسكري في الخارج من جانب فرنسا.
المعلومات
الاستخبارية الجديدة
وهو الأمر الذي يتردد صداه في ملف العراق وكل شيء محيط به. تراود الناس شكوك بشأن التأكيدات الحكومية حيال كل شيء. وليس بوسع المواطنين رؤية المعلومات الاستخبارية الجديدة، فهي سرية. في حين كان الشعب قد غرر به من قبل. لقد كانت مسألة أسلحة الدمار الشامل في العراق نقطة تحول كبيرة في ثقة الشعب بالتأكيدات الحكومية، وهو أمر لا يمكن اخفاؤه . غير أن غرينستوك يرى، من جانب آخر، بأننا لا نريد لحادثة استخدام الاسلحة الكيماوية أن تمر من دون عقاب لأنها عمل مخالف للقانون الدولي. وفي حالة سوريا، فان ما من شأنه تأكيد شرعية وقانونية الضربات العسكرية سيتجسد في صدور تقرير موضوعي عن مفتشي الأمم المتحدة، وهو الأمر الذي قرره مجلس الأمن، اذ يقول ان صدور تأكيد من دولة واحدة عضو في الامم المتحدة لن تكون له نفس القوة المتجسدة في صدور رأي دولي جماعي ذي صلة بتفهم وقبول أي تحرك. كما أن تقريرا من الأمم المتحدة ممكن أن يلبي متطلبات هذه المهمة . ويذكر في هذا الصدد، أنه من غير المتوقع أن تحظى ضربة عسكرية بالدعم اللازم من مجلس الأمن، حيث أعرب حليفا سوريا المقربين، الصين وروسيا، بشكل لا يقبل اللبس بأنهما سيستخدمان حق النقض ضد أي قرار يتضمن اجراءً عسكريا ضد سوريا. وبينما يعكس هذا الموقف عدم قدرة الدول المعنية الحصول على قاعدة قانونية من مجلس الامن، فان الشرعية يمكن الحصول عليها عبر التوصل الى رأي عام دولي، حسب غرينستوك الذي يقول بوسعك أن تمضي قدما ان كنت قد تمكنت من بناء قضية لا يعارضها ويعرقل صدور قرار بشأنها من مجلس الأمن سوى روسيا . ومع ذلك، فان تجاوز مجلس الأمن من شأنه الانتقاص من احترام الشعب للأمم المتحدة بوصفها منظمة جامعة متخصصة في معالجة أكثر المسائل صعوبة. ونعلم جميعا بأنه ليس بوسع الأمم المتحدة أن تعالج كل المسائل الصعبة، لان المسائل الأكثر صعوبة هي المسائل التي تختلف بشأنها الدول الأعضاء. وأنه بسب اختلاف الدول الاعضاء يكون مجلس الأمن غير قادر على التحرك . وفي الوقت الذي ركزت فيه كل من امريكا وفرنسا بشكل كبير على استعراض عضلاتهما العسكرية، لم يتم وضع الكثير من البدائل على الطاولة، كتقديم دعم عملي للقوات المناوئة للأسد. الى ذلك، أشار غرينستوك بالقول أنه لم تكن هناك اجراءات عقاب فورية كافية. وأن ثمة عنصرا رمزيا يقف وراء ما يروم اليه الزعماء السياسيون بشأن الهجوم بالسلاح الكيماوي، حيث اعتقد بحق أنه كان من تدبير قوات الرئيس الأسد . وقد رأى المبعوث السابق أن توفير التدريب العالي لقوات المتمردين على الأرض في سوريا من شأنه أن يعني القيام بعمليات تدريب غير قانونية للمجاميع العسكرية حيث سيواجهون امكانية وقوعهم ضحايا حرب أهلية. ويمضي غرينستوك موضحا بأن ذلك سيكون بداية الانحدار الى منزلق التدخل العسكري. فبوسعك ارسال السلاح، وبوسعك أيضا أن تدرب المجاميع المسلحة في أماكن أخرى اذا ما اتيح لك ترتيب ذلك مع السلاح، وبوسعك أن تقوم بأشياء عديدة أخرى. ولكن، كما قلت سابقا، أن المسالة معقدة؛ لا نعرف حقا من هي قوات المعارضة. واذا ما كنا نعرفهم الآن بشكل تقريبي، فاننا لا نعرف ماذا ستكون مواقفها في غضون سنة من الآن . أضاف، أنه في حالة سقوط النظام، نحن لا نعلم من سيتسلم السلطة، وأن العديد يخشون أن تسيء الأمور أكثر مما هو عليه الحال اليوم. كما أنه ليس من الواضح ان كانت هناك أغلبية من الناس ضد الأسد، أو ان كانت الاقليات تمول النشاطات التي يضطلع بها المتمردون. استناد الى ما تقدم، رأى الدبلوماسي البريطاني السابق أن ثمة أجواء شك، ومن الضروري تماما فهم حقيقة أن هذه الشكوك نابعة من تداعيات غير مقصودة لتدخل عسكري كما شاهدناه في سيناريوهات أخرى وهو التدخل الذي قد تنطوي عليه درجة كبيرة من الخطورة .
ارسال الاسلحة
أضاف غرينستوك أن ارسال أسلحة قاتلة يعد واحدا من الخيارات التي تراجعت عن دعمها الحكومة البريطانية، اذ لم تتمكن السلطات البريطانية من معرفة الى أية أيادي ممكن أن تصل هذه الأسلحة في نهاية المطاف؛ هل تتذكرون كم كانت طالبان قوية بسبب الدعم الخارجي، بما في ذلك الدعم الأمريكي، بسبب الدعم الذي حصلوا عليه خلال فترة الاحتلال السوفيتي لافغانستان؟ ان مثل هذه الذكريات تعود لتوخز ضمائرنا . من جانب آخر، يقول غرينستوك، أن سوريا تعاني. في هذا الصدد، أعلنت الأمم المتحدة بأن عدد اللاجئين في البلاد بات الأكثر في العالم. وأضاف انها مروعة .. انها مأساة انسانية مروعة وعلينا أن نبذل المزيد على الجبهة الانسانية . وقال المبعوث السابق بأنه سيواصل الحفاظ على موقف شديد.. شديد الحذر بشأن التحرك العسكري، بما في ذلك أي عمل مضاد للسلاح الكيماوي رغم اني اعتقد أن فكرة عملية عسكرية جراحية ومؤقتة قد تحمل تبريراتها معها ، مؤكدا بأنه سيقف ضد أي نوع من أنواع التدخل العسكري. ويشمل ذلك ارسال أية أسلحة قاتلة الى المعارضة لافتا اخشى بأن علينا أن نترك هذه المسألة تستهلك نفسها قبل أن يكون بوسعنا اصلاح الأمور .
المرحلة المقبلة
يعتقد غرينستوك أن الاعداد للمرحلة المقبلة، يتطلب استجابة انسانية وتعاون دولي يُهيأ من خلال عقد مؤتمر يتم خلاله تقديم الحوافز اللازمة لانهاء القتال في سوريا بأسرع ما يمكن. ويمضي السفير السابق موضحا بأن العمل سيكون على نحو مشابه للطريقة التي انتهت وفقها الحرب العراقية الايرانية في وقت مبكر بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 598 الذي طالب بوقف اطلاق النار. ويؤكد الدبلوماسي البريطاني السابق أنه لكي يتم تأمين مخرج دبلوماسي وسياسي من الحرب الأهلية فان الحاجة ستبرز الى الدور الروسي. ولفت الى أن الروس هم من سيقنع نظام الأسد بالتوقف عن القتال وبعكسه ستكون هناك عواقب أخرى. وأنه على هذه الطريقة انتهت القصة في كوسوفو عندما تمكن كل من فيكتور تشيرنوميردين والرئيس الفنلندي، احتساري، من اقناع ميلوسيفيج بالتخلي عن القتال صيف سنة 1999. نحن بحاجة الى الروس لتحقيق الخروج النهائي. ان ضرب الأسد بسبب الأسلحة الكيماوية وسط معارضة روسيا لن يسهم في تسهيل المرحلة الأخيرة بل يزيدها صعوبة . وفي ضوء وجود اللاعبين الاقليميين ذوي العلاقة في سوريا، حيث يتواجد حزب الله بالقرب من سوريا، ويسود الانقسام الطائفي وعدم الاستقرار في العراق، ويتواجد اللاجئون السوريون في لبنان، سألتُ غرينستوك ما هو تأثير التدخل العسكري على المنطقة. أجاب بأن التدخل العسكري قد يشعل فتيل نزاع واسع في المنطقة، أو قد يتسبب في حصول رد من جانب ايران التي لديها مشكلة مع الغرب بسبب السلاح النووي. كما يمكن لحزب الله أن يهاجم اسرائيل ردا على الهجوم على سوريا. ويمضي غرينستوك موضحا أن سوريا بلد معقد جدا يصعب التعامل معه، ومع جميع تشعبات سوريا الاقليمية، ثمة خليط خطير، خليط قابل للاشتعال مما تدعو معه الحاجة بالحاح بألا نورط جنودنا في محاولة لانقاذ جزء من البلاد. غير أن عدم معالجة الوضع في سوريا يسمح أيضا لهذه التداعيات بأن تزيد الأوضاع تفاقما .
التفاهم مع ايران
ويضيف غرينستوك قائلا علينا أن نفكر بطريقة اعمق مما هي عليه الآن بشأن كيفية تفاعل هذه العوامل مجتمعة وألاّ نترك الأمور للأمريكيين فقط، أو أن نتركها للامريكيين لكي يقوموا بتفكيكها مع الروس . أضاف أن ثمة حاجة تدعو الى ايجاد آلية تجتمع فيها عدة بلدان بما في ذلك شعوب لا تتحدث الى بعضها البعض بسهولة مثل الأمريكيين والايرانيين. أضاف السفير السابق علينا هذه المرة أن نتحدث مع الناس الذين لا نودهم لأن مصالحنا الأوسع ستتأثر بشكل أكبر من رغبتنا في عدم التحدث الى الايرانيين، واعتقد أن الوقت قد حان لاظهار روح المسؤولية في هذا الصدد، من أجل الشعب السوري نعم، ولكن من أجل مصالحنا جميعاً في اقامة شرق أوسط مستقر. ان الناس لا يفكرون بطريقة ناضجة بما فيه الكفاية. انه من المؤسف حقا عندما تكون الأمور الكبيرة في خطر ويموت الناس بأعداد كبيرة . ويعتقد غرينستوك باننا نرى في مناطق كثيرة من العالم، لا سيما في الشرق الأوسط وأفريقيا، كيف أن الحدود التي وضعتها سياسات القرن العشرين لم تعد تستوعب خليط الهويات، والاعراق، والاديان، والترتيبات الاجتماعية والسياسية للقرن الواحد والعشرين. فالناس من قبيلة واحدة غالبا ما تفرقهم الحدود. نعيش أكثر فأكثر في عالم افتراضي تحدث فيه الاتصالات والأعمال التجارية والتكتلات والتظاهر عبر العالم عمليا وافتراضيا. ان التواصل عبر تويتر وفيسبوك يعني أننا نعيش في فضاء عالمي نكون فيه أقل ادراكا للحدود. خلص غرينستوك الى القول أن خليط الهويات للعالم الحر لم يعد يستوعب الحدود الوطنية للقرن العشرين ، ليوضح مستطردا فيما بعد يتعين على الغرب أن يكون حذرا بشأن التدخل للحفاظ على وضع لم يعد يكتسب الشرعية ذاتها . سير جيريمي غرينستوك، عمل كدبلوماسي بريطاني للفترة 1969ــ2004، وعمل في العاصمة الأمريكية واشنطن، وباريس، ودبي، والسعودية. وهو سفير بريطانيا السابق لدى الامم المتحدة والممثل الخاص للملكة المتحدة الى العراق للفترة 2003ــ2004. وهو رئيس جمعية الأمم المتحدة ــ المملكة المتحدة.
AZP02























