اللون الشعري لصباح عباس عنوز – زهير غازي زاهد

اللون الشعري لصباح عباس عنوز – زهير غازي زاهد

تجديد اللغة وتنوّع الأوزان

كانت بدايات الشاعر صباح في سبعينيات القرن الماضي، وكانت له جهود أدبية مع شباب النجف الشاعر الذي كان يبحث عن مكان يجمعهم بدلاً من المقهى التي كانت متنفساً للشعراء، لكن ظروف الحياة الصعبة كانت تتوالى فتسد باب الحرية على الإنسان، وأخذ الضيق يشتد على الأدباء في نهاية السبعينات وحتى المؤسسات الأدبية التي كانت فاعلة منذ منتصف ثلاثينات القرن الماضي كالرابطة الأدبية التي غادر العراق أمينها السيد مصطفى جمال الدين مضطراً للابتعاد عما يضمره النظام للأصوات الحرة من بطش، فأُلغيت الرابطة الأدبية وصودر تراثها ومكتبتها مع غيرها من مراكز أدبية بقرار رسمي سنة 1983 وأريد فرض توجيه النشاط الأدبي توجيهاً اعلامياً، فانحسرت حتى المقاهي الأدبية التي كان الشباب يتخذون منها منتديات مقام النوادي، وأعلنت السلطة شعارها مع بدء الحرب مع إيران الجمهورية الإسلامية (كل شيء من أجل المعركة) فالشاعر صباح وزملاؤه عاشوا في هذه الظروف الضاغطة، وكان البحث عما يعوض اغلاق المنتديات الأدبية تأسيس فرع لاتحاد الأدباء والكتّاب في النجف سنة 1984 الذي اتخذ مجالاً لاجتماع الشعراء وللحفاظ ما أمكن على تراث الرابطة الأدبية المصادر وقد انتخب الأستاذ الشاعر محمد حسين المحتصر رئيساً لأولى هيئة للاتحاد إذ كان محباً للنجف حريصاً على تراث الرابطة المصادر وصديقاً للسيد مصطفى جمال الدين، وقد قبل لعضوية الاتحاد الشاعران مهدي شعلان وصباح عنوز سنة 1985.

لقد استمر جهد الشاعر صباح في الاتحاد ومشاركته في منتدى الأدباء الشباب الذي تأسس (1990)().

إن النظام السياسي كان يفرض ثقافته وسلوكه على المؤسسات الفكرية والأدبية ويعمل على اتخاذ المفكرين والادباء وسائل إعلامية فعاش الأدب والفكر في عزلة عما يجري في العالم من تطور فحرم الأدباء حرية القول والتفكير إلاّ من حاول التمرد على الموجود والمفروض من تقاليد القول، فحورب الرأي الحر واللسان المطالب بالحرية.

نصف ثان

لقد ظهر في النصف الثاني من القرن العشرين نظريات في اللغة والأدب ومناهج حديثة في الفكر وشاعت الكتابة والخلاف فيه بأوروبا في اللغة والأدب وظهرت آثارها في الأقلام العربية يغلب عليها الدعوة إلى الحداثة، وعلى الرغم مما كان من فهم في التعبير عن الحداثة كانت موجة جديدة في الشعر والنقد في العالم العربي أثارت الأقلام كما أثارت الخلاف في الأصالة والحداثة وكان الأديب في العراق على صلة بذلك التطور خصوصاً في ستينات القرن، وقد شاعت كتابة الشعر الحر لدى الأجيال الجديدة من الشعراء، وقد وصلت إلى بغداد كتابات أدونيس ومحمد الماغوط والمجلات الداعية للحداثة وخصوصاً مجلة ((الآداب)) ومجلة ((شعر)) اللبنانيتين أكدتا الحركة، وكانت الحداثة الشعرية في الأدب العربي تكاد تضارع في بعض وجوهها الحداثة الشعرية العربية حتى جاء القول: إن حداثة الغرب العلمية سبقت حداثتهم الشعرية لكن لدى العرب سبقت حداثتهم الشعرية الحداثة العلمية().

لقد ظهرت مجلات ونشرات تدعو إلى تحديث الكتابة ونشرت نماذج من (قصيدة النثر) كمجلة الكلمة التي صدرت في النجف الأشرف أواخر ستينات القرن كما كتب من الشباب أيضاً سنة 1990 وكتب الشاعر صباح عنوز كذلك الشاعر مهدي شعلان ومحي الدين الجابري وغيرهم().

وللشعر علاقة بالفكر أو الفلسفة والشاعر يدرك هذه العلاقة، وهذه العلاقة تتناسب مع البيئة التي يعيش فيها الشاعر ويعبر عنها بما يطرأ لخياله وعاطفته، ولكل شاعر نظر وفلسفة في الحياة، يظهر الفرق بين الشاعر الكبير والشاعر الصغير، فالصغير يعبر عن نفسه أما الكبير فهو يعبر عن عصره كله().

ولما كانت الحياة تتعقد وتتراكم فيها الحاجات بتقدم الحضارة والفكر بما يحملانه من مفهومات فنية معقدة أصابت الشعر في شكله ومضمونه بالغموض وهو ما اتهمت به قصيدة الحداثة لأن هذه القصيدة تجاوز وانقلاب البنى الشكلية والدلالية للشعر الحديث مما سبب الغموض والابهام().

فإذا كان الشاعر في نظام معاد للحرية فهو يضطر أن يخفي أيضاً مكنونه وراء الكلمة ذات المجازات البعيدة غير المألوفة فيبدو شعره للمتلقي مبهماً، وهي الظاهرة التي اتهم بها شعر الحداثة.

فالشاعر صباح عنوز كتب الشعر المقفى، لأنه في مدينة تحكمها التقاليد والعادات المألوفة في كتابة الشعر خصوصاً شعر المناسبة الخطابي لحاجته إلى الوضوح، وكان التجديد في صورة القصيدة ولغتها هو المناسب للحفاظ على أصالتها، وكتب شعراء كبار في هذا الاتجاه كالسيد مصطفى جمال الدين ومرتضى فرج الله وصالح الظالمي وعبد الصاحب البرقعاوي، وكتب قصيدة التفعيلة (الشعر الحر)، وهو أول تحول في بنية القصيدة العربية وهذا الاختراق انبثق من العراق نهاية الاربعينيات، وهذا الشعر كسر هيكل القصيدة، ولكن ظل ملتزماً بموسيقى الشعر العربي وهنا جاءت القصيدة فيها وحدة السطر وتنوع القافية بينما القصيدة العمودية فيها وحدة البيت ووحدة القافية إضافة إلى الخصائص التعبيرية الأخرى التي تمثلت في قصيدة الحداثة جاءت بها مفهومات الحداثة الحضارية والفنية، ثم جاءت قصيدة النثر وهو ثاني تحول في بنية القصيدة العربية، وهي من تجليات الحداثة فشاعت بهذه التسمية بترجمة كتاب سوزان برنار الكاتبة الفرنسية وعنوان كتابها (قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا) وكتب فيها شعراء كبار مثل ادونيس وأنسي الحاج الذي حدد خصائصها() وهذا اللون الكتابي كان في تراثنا بعنوان النثر الفني ثم جاء في كتابات جبران خليل جبران وأمين الريحاني سمي الشعر المنثور، وكتب به العراقيون كحسين مردان وسماه النثر المركز().

عرفت الدكتور صباح عنوز أستاذاً في كلية الفقه التي كان عميدها أيضاً عرفته باحثاً في الأدب وشاعراً يظهر في الندوات الأدبية وكان له دور في الفعاليات الثقافية في مؤتمر ((النجف الأشرف عاصمة الثقافة والعلم والمعرفة لألف عام)) الذي تبنّى إقامته مركز القصب للثقافات وكان يرأسه الشاعر جابر الجابري، وهو من أوائل من تحركوا على صعيد منظمة الثقافة والعلوم الإسلامية ((الاسيسكو)) بأن تكون النجف عاصمة للثقافة الإسلامية سنة 2012م، وبعد إقرار المشروع وانتهاء الخلافات فيه عقد المؤتمر في 18 تشرين الثاني 2011 وعين الشاعر صباح عنوز رئيساً للجنة التحضيرية للمؤتمر، وكلف الشاعر مهدي شعلان برئاسة لجنة التشريفات، شارك فيه عدد كبير من الأدباء في أكثر من جلسة().

كان الشاعر صباح إدارياً والكاتب الباحث يحتاج إلى الوقت والتفكير، أما الشعر فهو يحتاج إلى تفرغ وتركيز، فإذا اجتمع للشاعر هاتان الخصيصتان أخذت احداهما من وقت الأخرى وجهدها وطاقتها كما أشار الجاحظ، لذلك قل شعر الدكتور صباح، وأن هذا العطاء الذي قدمه يثبت طاقته وقدرته الشعرية، وهو اليوم يمر في مرحلة استراحة مع وجود الطاقة الشعرية في المناسبة التي تحتاج إليها. سمعته مشاركاً في الندوات شعراً ونثراً، فكان أديباً يمتلك طاقتي الابداع شعراً وكتابة.

شعــره:

إن قارئ أعمال الدكتور صباح الشعرية يشعر أن قصائده في التسعينيات قد عبرت عن طاقته الإبداعية، فبنيتها واضحة بأوزانها وقوافيها وكان تجديده في لغتها وصورها وهو الاتجاه الذي شاع في الشعر العربي لدى شعراء النجف الأشرف كما ذكرت، لأنه يعبر عن موضوعات شعرية مختلفة وينسجم مع المتلقي الذي اعتاد قراءة الشعر وسماعه في الندوات ومواجهة المتلقي وإنما حتى لقارئه بصمت وتأمل خصائصه الشعرية واحتشادء أجواء الشاعر الفنية وتعبيره عنها باللفظة والصورة بل حتى بالحلم الأخضر ولونه الوردي وهي تؤلف معظم قصائد جزئه الأول من الاعمال الشعرية، ومن نماذجه قصيدة ((انحدارات في موج عينيك))().

وجه تفجر بالمحبة يغرق

وعلى شواطئه البراءة تورق

هذا اللون الشعري فيه جدّة، لكن الشاعر لم يكتفِ بهذا الابداع الشعري فانتقل إلى كتابة قصيدة التفعيلة ثم إلى قصيدة النثر، وكلها في مرحلة التسعينيات ما عدا قصيدتي نثر أحداهما 2002 والأخرى 2005? وكل هذه القصائد هي نصوص للتأمل أكثر مما هي للفهم، ففيها تكثيف المعنى يصل حد الابهام، وذلك من خصائص قصيدة الحداثة بعد تجاوز عصر الرواد وظهور شعراء كتبوا قصيدة التفعيلة والنثر في لبنان ومصر، وكان أوضح سمات الشعر الغموض والابهام.

لقد مرّ العراق في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين في ظروف خارج حدود العقل والمنطق عاش الشاعر فيها حياة الغربة والتمزق وغياب العقل والحرية، فالشاعر صباح عاش في هذه المرحلة المعقدة التي لا يستطيع الشاعر أن يعبر باللغة المفهومة وإنما يضطر إلى لغة الحلم والمفاجآت غير المتوقعة، لذا نجد الشاعر يحاول أن يجد لغة داخل اللغة تعبر عما يشعر به في داخله وغربته وتمزقه، فكانت اللغة الحالمة لغة الابهام هي اللغة المعبرة عن مشاعره اللا مغفولة لغة الغياب التي تعبر عن الرؤية المتسعة والمعاني حين تضيق عنها العبارة وقديماً قيل: إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، لذلك كتبت القصائد للتأمل سواء قصائد التفعيلة أم النثر.

أما قصائد الجزء الثاني من أعماله الشعرية فقوامها قصائد التفعيلة، ولكن فيها روح المرحلة الانتقالية للشاعر من العمود إلى الحر، وقد أبدع فيها فهي تستدعي التأمل في صورها وفكرتها حتى أن بعضها كان عنوانه سطراً ينهي الشاعر به القصيدة، وهذا العنوان وحده يثير الاعجاب والتأمل وهو ((سأعير عينيك انتظاري))) وكذلك عنوانات الأجزاء الأخرى، تستمر في قراءتها وتشعر بتجربة الشاعر واضطرابه:

((رعشة الروح التي نزفت

مغالطة الزمان قذى

تتأمل صورها وتتابعها، وتساؤلاته المضنية:

((من أخبر الزمن الكسيح بعودتي

إني أدور وأغزل الليل الثواني والمدى))

ويستمر التأمل في صورها ومجازاتها البعيدة المتلابسة:

((والاختصار يلوك صمت مسامعي

ثم الكرى يدنو يخاطب مبحراً

سأعير عينيك انتظاري))

هكذا تبدو صورها ومجازاتها الغريبة في تآلفها، فأي انتظار يعار للكرى أو لصمت المسامع؟

إن هذه القصائد كتبت للتأمل سواء قصائد التفعيلة أم قصيدة النثر، ولم تكتب للتفسير فالوضوح والفهم الذي في القصائد التقليدية ينعدم في قصائد الحداثة، لامتيازها في تكثيف المعنى وبعد المجازات أو إبداع المجازات، والبحث عن الغائب البديع، وإبداع علاقات لغوية للمفردات ودلالتها.

وفي الجزء الرابع جاءت خمس قصائد نثر كتبت كلها بعد الالفين ما عدا قصيدة الطريق الثالث عشر 1993? لكن القصيدة الخامسة ((سفوح الكلمات والدمع النازل))() جاءت بهيكل تعبيري غريب، جاء منها أبيات موزونة ويتخللها أبيات ومقاطع موزونة مقفاة، ومقاطع نثرية مقفاة وهو ما لم يأت في قصيدة النثر عند كتابيها، فهل هو شكل جديد أراد الشاعر إضافته إلى قصيدة النثر ولكنه لم يكرره ولم يأخذ به أحد حسب علمي)).

الهوامش

() ينظر تفصيل ذلك: كتاب حفريات في ذاكرة أدبية، للشاعر مهدي شعلان، 25? 78? 50? 91.

() ينظر أدونيس: الثابت والمتحول، 3? 6 / 266.

() ينظر: مهدي شعلان، حفريات في ذاكرة أدبية، 45 – 46.

() ادونيس، زمن الشعر، ص173.

() الابهام في شعر الحداثة سلسلة عالم المعرفة 2002? ادونيس، مقدمة للشعر العربي، ص100.

() ينظر: الابهام في شعر الحداثة، عبد الرحمن محمد القعود، سلسلة عالم المعرفة، عدد 279? ص152? 156? 158.

() ينظر: السابق، كتاب عادل كتاب العزاوي، حسين مردان، الأعمال الشعرية، 1 / 8.

() ينظر: تفصيل ذلك كتاب حفريات في ذاكرة أدبية، ص230.

() ص47? سنة 1992.